لا يمكننا تحديد عملنا الفكري والمعرفي الذي مخر عباب تاريخ الأفكار دون معرفة كيف تتشكل المعرفة ومدى ارتباط الفكر كفكر بالحقيقة مهما كانت تحتاج إلى استقصاء وحفر بالمدلول والمعنى .بخاصة أننا بحاجة ماسة لمعرفة كيف أنّ لعلاقة الفكر بالحقيقة تاريخها المميز والخاص بها. في هذا السياق لا يمكننا حصر هذه العلاقة في حقلٍ بعينه، فقد تطرقت تلك العلاقة للتاريخ والاقتصاد والفلسفة والطب والسياسة والجنس والفضاء وغير ذلك. وهذا ما استدعى تناولنا لسلسلة طويلة من الدراسات والأبحاث المحكّمة. وهذا بدوره أيضاً دفعنا لمعرفة مدى العلاقة الوشيجة بين الحقيقة والسلطة. لقد أدرك الفيلسوف اليوناني سقراط أنّ على الإنسان أن ينشغل بنفسه ويهتم بها اهتماماً مركّزاً حين قال: (إعرف نفسك بنفسك) لأن الحقيقة التي يرجوها سقراط هي أن يتجاوز الشخص بمعرفته لما حوله، وأن يولي الاهتمام لذاته بفهمها دون أي وسيط. غير أنّ في ذلك بُعداً عميقاً بل أبعد عمقاً، وهو من أراد أن يفرض سيطرته وقوته على الغير ، فعليه أولاً الانشغال بنقسه والاهتمام بذاته، ومعرفة نفسه بنفسه، بمعنى آخر أن يبلغ مقدرته على الحكم وفرض سلطته على نفسه، قبل أن يطمح في الحصول على منصب لحكم الغير وفرض سطوته عليه . 
ولكي يصل الإنسان لهذه المرتبة الرفيعة، عليه تربية نفسه بنفسه، عبر سلسلة متواصلة من السلوكات والممارسات، لكي يطهِّر نفسه من أردان الآخرين، ويحافظ على وحدتها وانسجامها وتماسكها، وعدم تبعثرها، وأن يلجأ إلى العزلة والابتعاد عن الغوغاء والدهماء، لكي يحقق ذلك كله بقوة وصفاء ونقاء، وبعدها يكون بالفعل وبشكلٍ عملي قد (عرف نفسه بنفسه). لقد انشغلت الفلسفة اليونانية والهيلينية والفلسفة الرومانية بهذا المطلب لدى جميع الفلاسفة، فقد جرى ذلك على لسان الفيلسوف اليوناني إيبقور الحكيم حين قال: (كل إنسان ملزم بالإنشغال بنفسه لذاته ليلاً نهاراً وطيلة حياته) . 
إنّ فكرة الإنشغال بالذات قد تحوَّلت إلى ما أطلق عليها ( تظاهرة ثقافية) أي كانت سلوكاً وممارسة، وانشغالاً فلسفياً في آنٍ معاً. وفيما بعد انتقلت إلى الديانة المسيحية لتصبح حالةً من الزهد المسيحي التي استمرت منذ نحو 500 قبل الميلاد إلى نحو القرن الخامس الميلادي . لقد أّكّد الفيلسوف الفرنسي الألمعي ميشيل فوكو (1926-1984) م أنّ الفلسفة كانت حين اتبعت ذلك المنهج (روحانية). إذ كان على الذات أن تمارس على ذاتها تحولات، وتتبع العديد من التجارب الخاصة لتصبح الحقيقة في حوزتها، ومن غير هذه الطريق لا تتكشف الحقيقة وجوهرها، غير متناسين أنّ الحقيقة في تجليها للفرد تحدث بالذات تحوّلاً نوعياً، وتصل بها إلى مرتبة الإستقرار والطمأنينة، والسعادة، إذ هي ليست تحوّلاً له كإنسان فحسب، ولكن تحولاً له ككيان، له كينونته وماهيته الخاصة به.
لقد نشأت العديد من التساؤلات الجديدة الفارقة حول ما أنتجته المعرفة بطبيعة الحقيقة التي كشفت نهجاً سلوكياً جديداً مفارقاً للماضي الغابر ،حيث أنّ الدولة الحديثة، تعتني بالمجال الطبي، والصحة العامة بشكلٍ كبير من أجل حماية الفرد. في حين أنَّ العالم قد شهد أنهاراً من الدم وركاماً وحطاماً طال البشر والحجر مع ظهور الثورة الفرنسية، وما تلاها من حقيقة جديدة جاءت عندما تفجرت واحدة من كبرى مذابح وسفك دماء الحروب القومية. وحدث ذات الشيء مع بداية الحرب العالمية الثانية، التي سجلت قمة القتل وسفك الدماء والمذابح التاريخية، وحينها، أقبلت فرنساعلى سن قانون التأمينات الاجتماعية والصحة العامة وضمان الرعاية الطبية، تطابق الموقف نوعاً ما في انكلترا التي قامت بوضع برنامج قوي لضبط إيقاع (دولة الرفاهية). في هذا السياق تتجسد المفارقات والاختلافات والإزدواجية في العقل السياسي حيث قال مفكروا الغرب (الأوروبي ـ الأمريكي) وفلاسفته: (اذهبوا ليذبح كل منكم الآخر، ونعدكم بحياة طويلة ممتعة) أي أن السلطة في الوقت الذي سنت فيه تشريعاً وقانوناً (لتأمين وضمان الحياة)، أصدرت بكل ثقة ودون مواربة: (أمراً بالذهاب إلى الموت)!
 اللافت للنظر أنه منذ بدأت (الدولة الحديثة) تهتم بشكلٍ كبير وواضح بالصحة العقلية والجسدية للإنسان، بدأت المذابح الكبرى في العديد من دول العالم ، فالمشترك في الدولة الحديثة، هو ضبط إيقاع سلوك ومسيرة الفرد، من ناحية، والقتل والمذابح والسحل الجماعية، من ناحية أخرى. 
في هذا السياق ووفقاً لعملية التحليل الدقيق لطبيعة العلاقة لأنواع تقنية سلطة المؤسسات والهيئات، وكيف تمارس نوعية محدّدة، لضبط إيقاع سلوك ومسيرة الأفراد، بعقلانية متسقة مع البنى والأسس السياسية، والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وهو لا يعني بطبيعة الحال أن العقلانية والمنهج العقلاني تنفي وجود العنف فلا يوجد أي تعارض أو تفارق بين الأمرين. فما هو هام في هذا الشأن، هو تحديد طبيعة وماهية هذه العقلانية، وليس محاربة العقل. إذ لا توجد سلطة سياسية حاكمية، لا تُمارِس سلطويتها وهيمنتها في مجتمع إنساني معاصر. وهكذا فالعقلانية تتجسد بقوة في المؤسسات والهيئات والإدارات، وفي حكم أو قيادة البشر. فهي عقلانية بمنهجها، حيث تقوم ببرمجة الناس، وتوجيههم نحو ما يهدفون له. إذ يوجد منطق في المؤسسات والهيئات والإدارات، مثلما يوجد منطق في سلوك الأفراد داخل الدولة، وكذا في العلاقات السياسية المتبعة. وهذه العقلانية، تتجلى بأكثر ما يكون، في العنف الأكثر خطورةً وشراسة. واستمرارية العنف بما فيه من قسوة ذاته، يستمد منطقه، من العقلانية التي يستند إليها استناداً مركزياً. مما يدفع عدد من الفلاسفة والمفكرين وكبار المثقفين للإنشغال بوضع الإنسان وسلوكياته ومسيرته في علاقاتها مع السلطة في الثقافة العالمية وتحديداً في الثقافة الغربية، عبر مدة زمنية محدّدة وفي مجالات الحياة الإنسانية.
لقد تم إثارة قضية من أهم القضايا في الأوساط الفلسفية فيما يرتبط بالحبس العقابي، أو الحجر القسري على الذين ينظر إليهم كمرضى عقلياً، وكان من الضروري معرفة متى أضحت تلك العقوبة، أو هذا الحجر القسري، من الأمور المقبولة في المجتمع ولا تخضع للرفض، كما لو كانت من الأمور الطبيعية في الحياة العامة، أو العادية، بل والضرورية من أجل الحفاظ على مكون ما . فهو تحليل مدروس لما بات يعرف بــ (نظم الممارسات). أي لهذا الوعاء الحاضن، أو الأجهزة الإدارية والمؤسساتية ، التي تتم في داخلها، بما يطلق عليه (برمجة السلوك)، الذي يجب إتباعه والعمل وفق ما هو مقونن ومشرعن، كامتداد لما تم إقراره قضائياً وحقوقياً، وتحوله لنمط يتم اتباعه، بالتصديق عليه والموافقة على مساره، باعتباره صحيحاً، أي حقيقة. وبالتالي، أصبح تطبيق الحجر ،أو الحبس، أساسي وضروري في القانون الجنائي المحلي أو الدولي.
ولفهم تلك الممارسة وذلك السلوك، الذي أخذ صبغة الأمر ، أو سمة الأمر بـــ (الأمر العادي)، أو (الأمر الطبيعي)، المفهوم والمقر بضرورته، يلزم البحث عن الأسباب والظروف، والمنطق، وما وراء ذلك من استراتيجية منهجية، لكي تتحول، من أمر غير مقبول مسبقاً، إلى أمر مقبول بالإجماع. أي معالجتها بشكلٍ مناسب في إطار ظرفها التاريخي وحالتتها الزمنية .
فالعقلانية في هذا السياق ، هي القيام بتحويل السلوك والممارسة، إلى أمر مقبول دون أي رفض، ممارسة قاسية، مثل الحبس في زنزانة منفردة، أو إيقاع عقوبة تعذيب قاسية، أو إعدام شخص في مشهد عام. وهذا يعني، أنه سبق ذلك، تقديم مبررات، لقبول هذه الممارسات العنفية القاسية، عبر مسوغات وتبريرات، وحسابات دقيقة، عن نفعيتها، أو عن فائدتها وأهميتها للمجتمع. وبذا يتم عقلنة تلك الممارسة، في نظم وضوابط تخصها. هذه النفعية الخاصة والهامة لا ينظر إليها أساساً، باعتبارها أقل كلفةً على المجتمعِ، ولكنها هي السبيل لترويض البشر وتدجينهم. فتتشابك في تلك العملية، السلطة الحاكمة مع المعرفة، لتقديم ما تراه كحقيقة واقعة لا لبس فيها، أو كأمر سليم غير مشكوك به، وصحيح كممارسة وسلوك.
calendar_month04/11/2022 04:30 pm