لم يخفي التاريخ الإنساني والسياسي والاجتماعي حالات القوة والاستضعاف التي عاشتها الدول والشعوب عبر مسيرتها التاريخية ، فقد تم تناول فكرة الاستضعاف في الفترة الأولى لظهور الدين الاإسلامي الذين اعتبروا الإستضعاف جزئياً ، وذلك لأنّن الاسلام والمسلمون أقوياء غالبون بما يملكون من الحق، وقوة الحجة، وحجة القوة، ووضوح المحجة وأدركوا منذ وقتٍ مبكر أن الاستضعاف ليس دائماً أو مستمراً، وإنما هو وقتي، يمر بالأمة نتيجة لتقصيرها في أداء واجباتها وتحقيق مراميها وأهدافها، إما في جانب الدين ورعايته والحفاظ على مكوناته، أو في جانب الحياة الدنيوية وإعداد القوة فيها، ويأتي الاستضعاف لها إحياء لضميرها الحي القوي الذي يكون قد انشغل لفترةٍ ما، أو لكسر غطرستها وعنجهيتها التي دبت فيها، حتى إذا غير المسلمون ذلك من أنفسهم ودون تدخل الآخرين فيه، تغيرت أحوالهم.

الاستضعافُ بشكلٍ عام سمةٌ من سمات السياسة، والسياسة الدولية تتبعه بقوة في عالم اليوم، وربما كان كذلك في سائر التواريخ والحقب الزمنية على ما تدل عليه وقائع التّاريخ وأحداثه. والغالب عليه أن يأخذ شكلَ سيطرة الأقوى على الأضعف وإذلاله والتحكّم به كيفما شاء، وفرض الإرادة والقوانين والتشريعات الناظمة لفكرة الهيمنة والسيطرة، وهي طريقة تتصف بالإكراه، حي يفرض القوي على الأقل قوة إجباره على التنازل عن حق له، أو دفعه لعدم المطالبة بحقوقه الإنسانية والاجتماعية والسياسية الوطنية والقومية. ووضعه تحت إمرته تابعاً لسياساته وأرائه وخياراته. هذه الأمور برمتها يتم زرعها بالمستضعف المستكين الذي يقبل الذل والإذلال والإستكانة ليكون منزوع الإرادة، أو أن يكون غير قادر على المحافظة على على ما يملك ولذا لن يكون سيد نفسه على الإطلاق. وهنا تنشأ فئات من الشعب تعمل على استراق الحقائق وبث الشائعات والأكاذيب والدسائس. وتشذيبها وتزيينها لتتوافق مع مطلبات بعض الأشخاص ومشغليهم. 
في حقيقة الأمر يسعى من يمارس الاستضعاف على الآخرين إذلال المستضعِف للمستضعَف. وامتهان كرامته وسلبه وجوده الإنساني وجعله تابعاً مطواعاً خاضعاً دون أن يملك أدنى قوة أو مقدرة على المواجهة. وهنا يمكننا التفريق بين مبدأ القوة بالمنزع إلى ردة الفعل بالانتقام.في هذه المرحلة يختلط السيكيولوجي بالسياسي إلى الحد الذي يكون من الصعب فيه التفريق والتمييز بينهما. 
في وقتنا الحاضر نعيش حالةً من الإخضاع الاجتماعي والإنساني وحتى السياسي في ظل فرض العولمة واستطالاتها واستحقاقاتها ، حيث نجد من النادر الشجعان الذين يجرؤون على معاكسة التيار الغالب. فيهبون للدفاع عن تصور سياسي واقتصادي واجتماعي مختلف ، وهم الذين يتم وصفهم بالمتمردين والذين يخضعون للإنتباذ والتهميش والإقصاء. ويبدو أن علاقات الاستضعاف واضحة في السياسات الدولية، على الرغم من كلّ أشكال الطّلاء الإيديولوجي الذي يسعى جاهداً أن يخفيها باسم القانون الدولي والشرعية الدولية، أو مبادئ التعاون بين الممالك والدول. تأتيه الدول الكبرى الغنية بشكلٍ تلقائي كما لو كان فعلاً قانونياً ومشروعاً، خاصّةً عندما يكون لتلك الدول مشروع للسيطرة والهيمنة الإمبراطوريّة على العالم بأكمله أوعلى بعض الدول التي هي جزءٍ منه. فعلت ذلك، في العصر الحديث الذي نعيش، دول كبرى مثل فرنسا وبريطانيا ،والاتحاد السوفييتي السابق ،والولايات المتحدة الأمريكية. وكانت جميعها تَعتبر السيطرة والهيمنة والإخضاع حقاً لها وليس اعتداءً منها على أحد أو على حق أو حقوقٍ الآخرين. بل بقيت تَعتبر الامتثال لقوتها وإرادتها واجباً على الدول الأخرى الأضعف، لأنّ به انتظام العالم واستقامةَ مسيرته وأموره العامة. ولم يكن مصادفةً أنّ الّول الكبرى الغنية التي كتبت وصاغت بنية النظام الدولي ليخدم مصالحها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية جاء ليسمح لها أن تتبوأ مركزاً قيادياً رئيسياً فيه يدير أمور العالم وشؤونه هو مجلس الأمن الدولي، وأوجدت لنفسها فيه مكانةً وقوةً من خلال بسط سلطةٍ استثنائية هي سلطة حق النقض (الفيتو) الذي يمكن أن يكون مطلقاً في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة الذي يمكن لأعضائه الدائمين الصين، وروسيا، وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة. أن يحجبوا أي قرار من أي دولة ، أو يمكن أن يكون محدودًا، كما جرى في عملية تشريعية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تصويت الثلثين في كل من مجلس الشيوخ ومجلس النواب قد يتجاوز حق النقض (الفيتو) الرئاسي للتشريعات. قد يمنح حق النقض السلطة فقط لوقف التغييرات والتبدلات وبالتالي السماح لمن يحملها بحماية الوضع الراهن مهما كان، مثل الفيتو التشريعي الأمريكي المذكور من قبل، أو اعتمادها أيضاً حسب التسمية الأخرى وهي (حق النقض التعديلي)، كـ الفيتو التشريعي الذي اتخذه الرئيس الهندي على سبيل المثال. والذي يسمح له باقتراح تعديلات على مشاريع القوانين والتشريعات التي يتم إرجاعها إلى البرلمان لإعادة النظر فيها من جديد. 
من الواضح أنّ السلطة تتجاوز الميثاق الذي صاغوه بأنفسهم بأنّ دول العالم متساوية أما الشرعية الدولية وتتمتع بنفس الحقوق فيما هي، في حقيقة الأمر، موزّعة بين مهيمنين وخاضعين، بين سادةٍ وأتباع أو بصيغةٍ أقسى (عبيد). فالدول التي تحتل دولاً أخرى وتستدمرها، وتفرض نفسها عليها ،أنها أتت لإعمارها (تستعمرها) وتباشر إذلالها وإذلاله شعوبها وحكامها ، وتفرض القيود ، وتبني السجون والمعتقلات، وتفتح مزيداً من المقابر. وتمارس النفي القسري. وتفرض سلطانها وسطوتها على الأراضي والممتلكات والثروات. كما تصادر حقوقها واستقلالها. فقد مارست الحصار والإذلال للشعب العربي الفلسطيني ومحاصرة قطاع غزة الذي يعاني أشد حالات الضيق الاقتصادي والاجتماعي. وهو أعلى كثافة سكانية في الكرة الأرضية. كما تم حصار العراق لندة لا تقل عن ثلاثة عشر عاماً تم خلالها إزهاق أكثر من مليون ونصف عراقي وأكثر من نصف مليون طفل بريئ . 
وما زلنا نشهد مزيداً من التضييق والحصارات في العالم ومنها ما جرى ويجري في أوكرانيا.
calendar_month08/11/2022 09:08 pm