الثقافة معارف ومهارات وسلوكيات تحكمها قيم وأعراف إنسانية تفضي الى تحسين حياة الإنسان في اشباع حاجاته الروحية والنفسية والجسدية والذوقية والجمالية.
من هنا تطرح نفسها التساؤلات التالية:

 ⁃ما هي المعارف التي نحتاجها ونعمل على الحصول عليها؟
 ⁃ما هي المهارات التي تحتاجها حياتنا العملية لكي نساهم في اشباع حاجاتها؟.
 ⁃ما هي القيم والعقليات التي تحكم السلوكيات التي تساهم في تحقيق التعايش الإنساني السعيد؟
 ⁃وقبل هذا وذاك، ما هي حاجاتنا التي نسعى الى اشباعها لكي يساعد ذلك الاشباع من جديد على المساهمة بتحديد ثقافة تلك المعارف والمهارات والسلوكيات؟.

ان الاجابة على ما ورد من تساؤلات تجد لها انعكاساتها في التربية والتعليم والاجتماع والسياسة والاقتصاد والثقافة والعلم والعمل وحتى في مجالات اللهو والتمتع. كيف؟

المجال التربوي
التربية قيم وسلوكيات ومواقف تحكم تعامل الإنسان مع نفسه وغيره من أبناء البشر وكذلك مع مورد الزمن المتاح. فلكل من القيم والسلوكيات والمواقف حسابات زمنه في اكتسابها وممارساتها وتداعياتها. فالصدق والصراحة وعدم المماطلة والتسويف والعزم والصبر والاقدام والشجاعة والمبادرة والاعتماد على النفس والثقة فيها وحب التعاون والاجتهاد والمبادرة والابتكار وعدم تأجيل عمل اليوم الى الغد أو اضاعة دقيقة منه دون معنى، كلها قيم وسلوكيات ومواقف تترك آثارها في استعمال الزمن والاستفادة منه، وبالتالي عدم هدره أو سوء استخدامه.

المجال التعليمي/ التعلمي

اما الزمن الذي نقضيه في التعلم فهو الأكبر في خطورته، فالانسان يقضي ما يزيد عن نصف عمره في التعلم، بين رياض أطفال ومدرسة وجامعة وتعليم مستمر ومن خلال تجارب وممارسات عملية وحياتية وتعلمية ذاتية. وهنا تطرح مسألة المعارف والمهارات والسلوكيات التي نكتسبها ونمارسها بالعلاقة مع الزمن في جانبي مدخلاتها ومخرجاتها. فهل أن كل من قضى خمس سنوات في تعلم ما، وفي المكان ذاك، له ذات نتائج تعلم آخر بذات الوقت ولكن في تعلم مختلف ومكان واسلوب آخر؟ إن الجواب سيكون قطعاً: لا، وهنا يبرز اختلاف استخدام الزمن!

المجال الثقافي
عندما ترد كلمة ثقافة، يذهب الذهن سريعاً الى مجال الآداب والفنون، ولعمري انها من مقومات الثقافة الأساسية، بيد انها لا تقتصر عليها بمفهومها العام والشائع. فتهذيب الروح والعقل والنفس والمشاعر والأحاسيس والوجدان كلها ثقافة، وبالتالي فإن معارف ومهارات المجالات الأخرى للعلوم والتقنيات باتت اليوم فضاءات ثقافية حيوية جداً.
إن زمنية الرسائل التي تنقلها لنا أدواتنا الثقافية أصبحت مهمة جداً في عالم تتسارع فيه الاكتشافات والاختراعات وكشف حاجات الإنسان الروحية والنفسية والجسدية. فالرواية لا ينبغي لها أن تضر الانسان في وقته واشغاله عن أمور اكثر أهمية في حياته، دون أن تعطيه مادة ومضموناً ورؤية جمالية وأسلوباً ممتعاً يحلق معه في فضاء السماء المتكاملة مع الأرض في كونه. وهكذا الشعر والفن التشكيلي. هذه الرحلة الجميلة تعيش وحدة زمانها، فلا يجب أن نهدرها بما لا يستحقها.

المجال الاجتماعي
لكل مجتمع عاداته وقيمه وتقاليده ومنظومات علاقاته وثقافته ولغته الاجتماعية الخاصة في تعبيراتها ولحن قولها. هذه المنظومات هي الاخرى كالكائن الحي في نموها وتطورها المتجاوب مع تطور الحياة وحاجاتها ومستلزماتها وعصرها. فلننظر ونتدبر ما في هذه المنظومات من عناصر تهدر من زمننا دون طائل أو عائد مجز!

المجال الاقتصادي
اننا بحاجة الى كثير من الثقافة في رؤيتنا وسلوكنا الاقتصادي في الحياة. ان الاقتصاد الذي لا ينتج اكثر مما يستهلك هو اقتصاد بائر ظالم ناهب عقيم. واذا كان قد ذهب كثير من اختصاصيينا في تحديدهم للموارد الاقتصادية الى رأس المال والأرض والمكائن وحتى قوة العمل، فإنهم بحاجة الى التأكيد على عنصر الزمن المتاح وكفاءة الانتفاع منه.
ان التمعن بمعنى كفاءة استخدام الأرض والمال والتقنية والعمل سينتهي الى ان الفيصل فيها هو: ماذا تم انجازه بواسطة هذه الموارد في وحدة الزمن!

وفي الختام أورد ما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس : عن عمره فيم أفناه ، وعن شبابه فيم أبلاه ، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وماذا عمل فيما علم ".

برلين، 15.11.2022
calendar_month15/11/2022 10:03 am