بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت المعاييرالسياسية والفكرية الدولية بالتغيّر والتبدّل. فقد وضع العالم السياسي الأمريكي والبروفيسور في جامعة هارفارد صاموئيل فيليبس هنتغتون (1927 ـ 2008) م نظريته حول صراع الحضارات. وقدّم المفكر الأمريكي ياباني الجنسية يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما مؤلفه (نهاية التاريخ واليوم الأخير) عام 1992 م بعد انهيارالاتحاد السوفييتي السابق وجدار برلين، وانتهاء الحرب الباردة، كان يقصد معارضة فكرة نهاية التاريخ في نظرية الفيلسوف الألماني كارل ماركس صاحب نظرية (المادية التاريخية) التي تقوم على أساس أن نهاية تاريخ الاضطهاد الإنساني تتحقق بزوال الفروقات بين الطبقات الاجتماعية .
تعدّ الأطروحة التي قدمها فرانسيس فوكوياما في دراسته المعنونة : ( نهاية التاريخ والإنسان الأخير) التي نشرها في مجلة ناشيونال انترست عام 1989 م قبل أن يتوسع فيها ويؤلف الكتاب، هذه الأطروحة تعتبر من أشهر أطروحات فوكوياما والتي جادل فيها بأنَّ تطور التاريخ الإنساني كصراع بين الأيديولوجيات قد توقف وإنتهى إلى حدٍ كبير، مع إستقرار العالم على تبني الديمقراطية الليبرالية بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط جدار برلين عام 1989، وكان اعتقاد فوكوياما أنَّ انتصار الليبرالية السياسية والاقتصادية سيكون في نهاية المطاف. يقصد فوكوياما بنهاية التاريخ كاتجاه وليس كأحداث، الديمقراطية الليبرالية هي الأساس في تتويج التطور الأيديولوجي للإنسان، وعدم وجود بديل غير خطير وبربري يعني أنَّ المبررات والحجج الآيديولوجية للآخرين لا ترقى لمجابهة الديمقراطية الليبرالية مثل جورج فيلهيلم فريدريش هيغل، وكارل ماركس. لا يعتقد المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما أنّ تطور المجتمعات البشرية بلا نهاية، لكنه بقي خارج الاكتمال عندما تجد الإنسانية التنظيم الاجتماعي الذي يشبع جميع احتياجاتها الطبيعية والأساسية) : ما يشهده العالم ليس مجرد نهاية للحرب الباردة، أو مرور فترة معيّنة من تاريخ السياسية الدولية ما بعد الحرب، ولكنها نهاية التاريخ على هذا النحو وهذا السياق. هذه نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للإنسانية وبداية عولمة الديمقراطية الليبرالية كشكل نهائي وأبدي للحكومة الإنسانية) . 
كان فرانسيس فوكوياما مأخوذاً حينذاك بأفكار وسياسات المحافظين الجدد (المتطهرون) في الولايات المتحدة الأمريكية، بل كان أحد المفكرين المحافظين البارزين، انطلق في نظريته (نهاية التاريخ) على ما يبدو من فكر رغائبي وليس من دراسة متعمقة في التاريخ ومجرياته وأسراره، ولا من حتميات التبدَّل والتغير في المجتمعات البشرية، أو أنَّ قوانين الطبيعة البشرية لا يتحكم بها شخص أو مجموعة أشخاص. لذا أخذ من انهيار الاتحاد السوفييتي السابق متكئاً وسنداً لنعي الفكر الماركسي وانتهاء (المادية التاريخية) والتبشير بالهيمنة المطلقة للرأسمالية واقتصاد السوق الحر على مستقبل البشرية جمعاء .
من جهته تنبأ الفيلسوف الألماني كارل ماركس بــ ( ذبول الدولة) فور نجاح ثورة البروليتاريا في إلغاء دور اليساريين الأناركيين، والملكية الخاصة. أوالثوريين منذ القرن 19 م، وهم يروِّجون بقوة لتخريب وتدمير هياكل السلطة القديمة دون مراجعة أو تفكير جدّي عن البديل أو البدائل التي ستأخذ مكانها. وهي بالتأكيد عكس ما قدّمه كارل ماركس للأنظمة الشيوعية الحقيقية، وما تنبأ به تماماً، فقد قاموا ببناء هياكل دول طاغية واستبدادية كبيرة جداً، قادرة على إجبار الناس على التحرك بشكلٍ جماعي، ما فشلوا في تحقيق ما سعوا إليه من تلقاء أنفسهم. أوهام تغيير بل إلغاء السياسة والسيادة أكثر وضوحاً في اليمين المتشدّد، حيث يعتقد بعضهم أنّ اقتصاد السوق الحر سيقلل من ضرورة وجود الحكومات أو يسحبون كل صلاحياتها كي تبدو غير صالحة لإنجاز أي شيئ مفيد.لأنَّ الاقتصاد الرأسمالي العالمي يعمل على إلغاء سيادة الحكومات الديمقراطية ويستبدلها بسيادة السوق الإقتصادي الحر، إذا صوَّتَ البرلمان (المجلس التشريعي) لصالح فرض قيود مشدَّدة على التجارة المحلية أو العالمية، سيعاقب ويُجبر على تبني سياسات ممنهجة يعتبرها اقتصاد السوق العالمي عقلانية. أحلام اليمين المتطرف التقليدية بالغاء الدولة وأركانها أو تقليصها إلى أقصى درجة ممكنة، بخاصة عندما لا تجد لها أنصاراً متعاطفين في الولايات المتحدة الأمريكية مثل الليبراليين الذي ناقشوا طويلاً حول ضرورة التخلّص نهائياً من مجلس المحافظين للنظام الاحتياطي الفيدرالي، ووكالة الاستخبارات المركزية، وإدارة الغذاء والدواء .  
يبدو أنَّ المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما قد عاد وتراجع عن معظم قناعاته التي كان يؤمن بها ويتبناها وينشرها على أوسع نطاق، بل وجه انتقاداتٍ حادّة لسلوك ونهج المحافظين الجدد (البيوريتانس) (المتطهرون) في اعتمادهم المطلق على القوة، إلّا أنَّ أفكاره ومفاهيمه ما زالت تستهوي الكثيرين في الولايات المتحدة الأمريكية، وتسترشد وتعمل بها، على الرغم مما ولّدته من عقبات وأزمات مدمِّرة اقتصادية ومالية واجتماعية وثقافية وسياسية على الولايات المتحدة الأمريكية ودول العالم أجمع .
اعتقد فرانسيس فوكوياما وأنصار نظريته (نهاية التاريخ) أنهم بانهيار الاتحاد السوفييتي السابق امتلكوا التاريخ والصيرورة البشرية وسيرورتها، وأنَّ الرأسمالية واستطالاتها فرضت سيطرتها وهيمنتها المطلقة وانتهى الأمرعند هذا الحد.
كان المؤمنون بنظرية فوكوياما (نهاية التاريخ) في الحقيقة يروّجون بأفكارهم ومفاهيمهم ونظرياتهم لرجال المال والأعمال والشركات الكبرى العابرة للقارات والقوميات والحدود، القابضين على خناق العالم من خلال سطوتهم المطلقة على الأسواق واتجاهاتها ومساراتها، والمتحكّمين بسياسات الدول في العالم وقدرتهم على نشر وتسويق مفاهيمهم للديمقراطية واستحقاقاتها بما يتناسب مع مصالحهم وأهدافهم، وهؤلاء لا يتجاوز عددهم الواحد بالمائة من الكتلة البشرية العالمية وتتركز الثروة في أيديهم وتحت هيمنتهم .
للوهلة الأولى بدا أنَّ الأمور تسير وفق منهج ورؤية هؤلاء المؤيدين لنهاية التاريخ، لكن جراء خروج الرأسمالية المتوحشة المفاجئ عن أي انضباط أخلاقي أو إنساني وقعت الكارثة العالمية الكبرى في العام 2008 م والمتمثلة بالانهيارالاقتصادي والمالي والاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية الذي ترك معالمه الأساسية، وتأثيره الواضح والصريح في معظم دول العالم، والذي لا يزال يعمل جاهداً للخروج من أزماته المتفاقمة بصعوبةٍ بالغة، من خلال القيام بالمزيد من الاجراءات التي تثقل كاهل السواد الأعظم من البشر الذين كانوا ضحايا الخراب والتصدع الذي أصاب النظام الاقتصادي العالمي بمقتل، ما جعل هؤلاء المؤيدين الذين عانوا معاناة شديدة من السلب والنهب والاستغلال والتهميش والفقر والجوع والبطالة يهبّون احتجاجاً واستنكاراً لضعفهم وسحقهم، وضد جشع وطمع البنوك والشركات الضخمة من خلال التجمع في الولايات المتحدة الأمريكية رمز الرأسمالية المتمثل في نيويورك بشارع (وول ستريت)، ويرفعون شعار(احتلوا وول ستريت) قبل أكثر من أربعة عشرسنة، ثم لتتحول هذه الاحتجاجات والتظاهرات إلى حركة عالمية تشمل عشرات الدول في العالم ومئات المدن المنتشرة في أنحاء الكرة الأرضية.
calendar_month02/12/2022 02:08 pm