دخل العام 2023 م حالة جديدة من الأزمات تمثَّلت بازدياد التضخم المالي العالمي، هذه الأزمة هي أسوأ من الأزمة التي حدثت في العامين 2008 و2009 م .لأنّ طبيعة الأزمة مختلفة عن سابقاتها من الأزمات، لكونها لا ترتبط بما يطلق عليه (الفقاعات المالية) وحالة انهيار كبرى البنوك العالمية. بل هي أزمة اجتاحت معظم ديناميات وتطورات الاقتصاد العالمي، وهذا ما يجعل من تأثيرها على المستوى الأفقي الأوسع نطاقاً .فإذا كانت هذه الأزمة المالية الحادّة في نهاية العقد الأوَّل من القرن الواحد والعشرين، قد أصابت بشكلٍ مباشر الولايات المتحدة الأمريكية ومنطقة اليورو. حيث أنّ تداعيات هذه الأزمة طالت دولاً جديدة هي الأقل اندماجاً وتعاوناً كبيراً في السوق العولمي. فهذه الأزمة الحادَّة لا تعرف حدوداً اقتصادية وجغرافية. فقد أقدمت العديد من الشركات الكبرى على تسريح الآلاف من موظفيها بهدف إعادة هيكلتها من جديد، وإعادة ضبط النفقات المالية، هذه السياسة المتبعة تحاول من خلالها الدول التي تعاني من الأزمة أن تتجاوزها بأقل الخسائر المالية والمعنوية. تلك السياسة هي التي يجري تطبيقها عملياً، في محاولة لعبور الأزمة الحالية بأقل الخسائر المالية، ومحاولة تجنب حدوث خسائر وأضرار بنيوية أساسية، قد تدفع عدد كبير من الشركات لإعلان إفلاسها. وهو وضع أصبح متوقعاً خلال الفترة القادمة لتجنب ما هو أسوأ ومعقّد، في حال حدوث خسائر هائلة وانهيارات ضخمة للعملات الوطنية في أكثر من بلد في العالم. ومن ضمنها بلادنا العربية التي تشهد خسائر كبيرة جداً كل يوم في قيمتها الشرائية، تجاه العملات الرئيسية المعتمدة، بخاصة أمام الدولار الأمريكي، وهذا يدل دلالة واضحة على تدهور القيمة الشرائية للعملة المحلية، والمتابع لأسعار العملات في الفترة السابقة يدرك حجم الخسارات التي وصلت لأكثر من نصف قيمتها ، مترافقة مع توقعات بحدوث خسائر أكبر. وهذا ما يجعل ممن يحصلون على دخلٍ محدود أمام هذه المعضلة التي تسبب في كوارث معيشية.وهم في الغالب يعملون موظفين في مؤسسات وهيئات وإدارات الدولة، ولا يملكون أي مصدر دخل إضافي . 
الجدير بالذكر أنَّ معدلات التضخم المالي الحالي قد وصلت في بعض البلدان إلى أكثر من عشرين بالمائة حسب تقارير صندوق النقد الدولي. مع العلم أنَّ نسبة التضخم قد وصلت بشكلٍ عملي أكثر بكثير مما تم الإعلان عنه. وتحديداً في الدول التي يعتمد اقتصادها بشكل رئيسي على الاستيراد، وتعاني نقصاً هائلاً قي مواردها الغذائية، كما تعاني من خلل كبير في سوق العمل، وتحديداً الدول التي تشهد اضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية، تؤثر تأثيراً كبيراً في قاعدتها الانتاجية، أو تقع تحت وطأة العقوبات الدولية. جميع تلك الأسباب وتلك العوامل من شأنها أن ترفع من نسبة التضخم النقدي. ولذا يمكن أن تقترب من أرقام التضخم النقدي الكارثي الذي تم تحديده عالمياً بخمسين بالمائة. لقد مرَّ العالم بحالة من الكساد عام 1929 م دفع بالناس للعيش فيحالةٍ من الفقر المدقع وأصبحوا بحاجة لأي لقمة طعام يسدون بها رمقهم وهي صورة مؤلمة إنسانياً. هذه الصورة المؤلمة عادت للظهور من جديد في العديد من بلدان العالم وتحديداً في بعض الدول الإفريقية التي تعاني من نقص حاد في الامدادات الغذائية لأنها لا تنتج المواد الغذائية الكافية لشعوبها، والتي لا تزال تعاني من التخلف وتنتظر المساعدات التي تقدمها لها الأمم المتحدة والعديد من المنظمات غير الحكومية . فقد أكّدت التقارير التي أصدرتها منظمة (أوكسفام) في عام 2021 م أن أحد عشر شخصاً يموتون من الجوع كل دقيقة في العالم، ومعظم هؤلاء يعيشون في القارة الإفريقية وبعض الدول الآسيوية.
إنّ ما يعانيه العالم من حالة تضخم ستدفع العديد من الدول والشعوب إلى حالة جديدة من الجوع، إن لم تتوفرالامكانيات الكافية لمواجهتها من خلال وجود صناديق سيادية تساهم في تجاوز الأزمة وهذا أمر من الصعب تحقيقه نتيجة الحجم الكبير من الاحتياجات، وهذا ما سيترك آثاره السلبية في المستقبل كون الأزمة اقتصادية ومالية وتداعياتها الاجتماعية كبيرة جداً وستضع الحكومات تحت مسؤولياتها التي يمكن أن يؤدي عجزها عن عدم الرضا عن أداء حكوماتها. مع العلم أن العديد من الدول تزيد من انفاقها العسكري الهائل وهي تدخل في سباق تسلّح جديد غير مسبوق، وهذا الأمر من مخلفات الحرب الباردة التي جرت بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية بدلاً من العمل المشترك لحل الأزمات الإنسانية المتفاقمة وأيضاً من مخلفات الاحتباس الحراري وصعوبة المناخ الذي ساهمت الدول الصناعية في إحداثه. ليس هذا فقط بل دعمت بعض الدول الأنظمة الاستبدادية التي مارست الفساد والقهر والتجويع لشعوبها.
calendar_month22/01/2023 04:50 pm