( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
نتيجة الضغوطات المتلاحقة من دول ومنظمات دولية ، وجمعيات أهلية عربية وإقليمية ودولية ، وصراعات داخل بنية الكيان الصهيوني على عملية ضم المستوطنات وغور الأردن وشمال البحر الميت إلى الكيان الصهيوني ، أوقف رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو عملية الضم ، أو يمكننا القول بأنَّه قام بتأجيلها أو تجميدها . وهذا لا يعني بأي شكلٍ من الأشكال التراجع أو وقف الاستيطان والاستيلاء على أراضي الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وتجريفها وتمزيقها . فهو يقوم بهذا الفعل ليل نهار ودون توقُّف .بقرارات عسكرية وإجراءات إدارية ظالمة تقوم ( السلطات ) بتنفيذها من دون ضجيج بما فيها هدم البيوت وتدمير إمكانية الاستقرار وجعل البيئة طاردة وتطهير عرقي ببطء بعد محاصرة السكان الفلسطينيين وحرمانهم من الماء والكهرباء والخدمات البلدية والبنى التحتية والسير على الطرقات الخ . 
     لقد كان من المقرر تنفيذ عملية الضم يوم ( 1 / 7 / 2020 ) م ، لكن التوجُّه ما زال قائماً كما هو ، ولكن ثمة أسباب قوية حالت دون تحقيقه في الوقت الحاضر ، وفي مقدمتها الخلافات الكبيرة والمعقَّدة بين الحكومة وما تضم من أحزاب ، والجيش وأجهزة المخابرات الثلاثة : ( الموساد ـ المخابرات الخارجية ) و ( الشين بيت ـ المخابرات الداخلية ) و( أمان ـ استخبارات الجيش ) ، هذه الجهات الرافضة لقرار بنيامين نتنياهو ترى أنَّ قرار الضم قائم فعلياً بتوسيع الاستيطان وقضم مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية ، وهو لا يحتاج إلى إعلان قانوني ، يثير ردود فعل متفاوتة ويمكن أن تكون عنيفة ضده فلسطينياً وعربياً ، ولا سيما من جهة الأردن ( حكومةً وشعباً ). وعالمياً من جهة الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا والعديد من الدول الإسلامية ، وتململات أمريكية جديدة بالرغم من تأييد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقرار الضم .الذي يعاني من عدد كبير من المشاكل منها مقتل المواطن الأمريكي من أصول إفريقية على يد شرطي أبيض وطغيان العنصرية المفرطة . ومحارته لمنظمة الصحة العالمية ومحكمة الجنايات الدولية . بالإضافة ما تلقاه من مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق جون بولتون الذي ألَّف كتاباً خطيراً ضد دونالد ترامب بعنوان : ( الغرفة التي شهدت الأحداث ) . وكتاب آخر لإبنة أخ دونالد ترامب ( ماري ترامب ) 55 عاماً ابنة فريد ترامب جونيور الشقيق الأكبر للرئيس دونالد ترامب بعنوان : ( كثيراً جداً ولا يكفي أبداً ) .الذي تفضح فيه أسرار خاصة عن العائلة تتضمن فضائح للرئيس الأمريكي واحتيالات ضريبة .    
لعلَّ إصرار بنيامين نتنياهو على عملية الضم بعد أن وعد ناخبيه يريد أن يختتم حياته السياسية بعمل ( تاريخي ) كما يعتقد ، دون أن نغفل عن غرضه الأساسي وهو التهرُّب من دخوله السجن بسبب تهم فساد كبرى قام بها . من هنا كان الخلاف والاختلاف عميقاً وشاسعاً بين الفريق المُعارض وفريق بنيامين نتنياهو ، بخاصة أنَّ هناك خوفاً حقيقياً من الإقدام على تنفيذ تلك الخطوة . التي أثارت جدلاً واسعاً وتداخلات إعلامية وسياسية معقَّدة ومختلفة داخل بنية الكيان . ليس فيما يتعلَّق بالتوقيت وحجم الأراضي التي سيتم الاستيلاء عليها وضمها أو الطريقة التي ستتم فيها . بل حول الوسيلة والهدف النهائي والتحديات التي ستواجهه ، بخاصةً إذا كانت عملية الضم ( قانونية ) ، علماً أنَّه ليس كل ما هو قانوني ( شرعي ) ، لأنَّ فرض قوانين الكيان الصهيوني على الأراضي الفلسطينية المحتلة ، يتعارض بقوة مع قواعد القوانين الدولية واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 ، مع العلم أن اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 الخاصة بتوفير الحماية للمدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة وكانت اتفاقيات جنيف التي اعتمدت قبل عام 1949 على المحاربين فقط ، دون المدنيين. وقد أظهرت أحداث الحرب العالمية الثانية العواقب الوخيمة التي نتجت عن غياب اتفاقية لحماية المدنيين في زمن الحرب. وعليه, أخذت الاتفاقية المعتمدة في عام 1949 في اعتبارها تجارب الحرب العالمية الثانية. وتضم الاتفاقية 159 مادة ضمنها مادة قصيرة تُعنى بحماية للمدنيين عمومًا من عواقب الحرب, لكنها لم تتصد لمسألة الأعمال العدائية في حد ذاتها إلى أن تم مراجعتها في البروتوكولين الإضافيين لعام 1977. ويتناول معظم مواد الاتفاقية مسائل وضع الأشخاص المتمتعين بالحماية ومعاملتهم, ويميز وضع الأجانب في إقليم أحد أطراف النزاع من وضع المدنيين في الإقليم المحتل. وتوضح مواد الاتفاقية أيضا التزامات قوة الاحتلال تجاه السكان المدنيين, وتضم أحكامًا تفصيلية بشأن الإغاثة الإنسانية في الإقليم المحتل. كما تضم نظامُا معينًا لمعاملة المعتقلين المدنيين, وثلاثة ملحقات تضم نموذج اتفاقية بشأن المستشفيات والمناطق الآمنة, ولوائح نموذجية بشأن الإغاثة الإنسانية, وبطاقات نموذجية.
ناهيك عن الشرعية الدولية لحقوق الإنسان وبشكلٍ خاص ميثاق الأمم المتحدة الذي لا يقرّ بمبدأ الضم والإلحاق والحصول على مكاسب سياسية واقتصاقية وعسكرية جرَّاء الاحتلال ، وهو ما يتعارض مع قراري مجلس الأمن الدولي 242 لعام 1967 الذي جاء في أعقاب نكسة حزيران والتي أسفرت عن عن هزيمة الجيوش العربية واحتلال الكيان الصهيوني لمناطق عربية جديدة. ورد في هذا القرار في المادة الأولى، الفقرة أ: «انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلت في النزاع الأخير». وقد حذفت "أل" التعريف من كلمة "الأراضي" في النص الإنجليزي بهدف المحافظة على الغموض في تفسير هذا القرار. وإضافة إلى قضية الانسحاب فقد نص القرار على إنهاء حالة الحرب والاعتراف ضمنا بالكيان الصهيوني دون ربط ذلك بحل قضية فلسطين التي اعتبرها القرار مشكلة لاجئين. ويشكل هذا القرار منذ صدوره صُلب كل المفاوضات والمساعي الدولية العربية لإيجاد حل للصراع (العربي ـ الصهيوني ). نصَّ القرار أيضاً على ، أولاً : احترام سيادة دول المنطقة على أراضيها .ثانياً : حرية الملاحة في الممرات الدولية .ثالثاً: حل مشكلة اللاجئين .رابعاً : إنشاء مناطق منزوعة السلاح. خامساً :إقرار مبادي سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط .
إضافة إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 338 لعام 1973،الذي طالب الأطراف المشاركة في حرب تشرين الأوَّل 1973 بوقف إطلاق النار فوراً والبدء في مفاوضات لإيجاد حلول للخلافات التي تسببت في اندلاع الصراع.نصَّ القرارالذي يدعو إلى وقف إطلاق النار على كافة جبهات حرب أكتوبر وتنفيذ القرار 242 بجميع أجزائه.مثلما يتعارض مع القرار 181 الصادر عن الجمعية العامة لعام 1947 وللقرار 194 الخاص بحق العودة والتعويض لعام 1949.يعتقد الفريق المعارض لرئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو أنَّ قرار الضم سيعود بالضرر الكبير على الكيان الصهيوني، ولهذا دعا إلى الحذروالتأمل والتفكير قبل الشروع بتنفيذه على الأرض، وهو يفضِّل الضم الواقعي على الضم القانوني، فالأول يعني إقدام الكيان الصهيوني على قضم الأراضي بالتدرّج وبالتراكم وعلى فترات متقطِّعة ومن دون إعلان قانوني في الوقت الحاضر، لكي يصبح الأمر الواقع واقعاً بعد حين حيث يكون من الصعب تغييره ، وذلك بتحقيق الأهداف الاستيطانية التوسعية وتلبية طموحات الكيان على نحوٍ هادئ وببطءٍ شديد ، ومن دون استفزاز المجتمع الدولي، وفي الوقت نفسه فإن هذا الإجراء يساهم في تقليل حجم الأعباء والمسؤوليات التي ستقع على كاهل الاحتلال ، وقد سار قادة الكيان الصهيوني على هذا النهج منذ احتلال فلسطين العام 1967، حيث ضمَّت تحت عنوان الأمر الواقع مساحاتٍ كبيرة من الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس والضفة الغربية من دون إعلان في البداية.
وخلال سنوات، راكمت سلبها وقضمها للأراضي الفلسطينية ، وأقدمت على بناء المستوطنات، وحين جاءت المفاوضات الفلسطينية – مع الكيان الصهيوني (مدريد - أوسلو 1991-1993) كانت قضية المستوطنات وتبادل الأراضي والحدود، مادة أساسية في المفاوضات، الأمر الذي جعل (مبدأ الضم) يخضع من وجهة النظر الكيان للاتفاق، ويتم عن طريق الحوار لا عبر القوة العسكرية والقمع والسحل والإكراه، ولهذا يعتقد فريق من الصهاينة اليوم أنَّ هذا الأسلوب هو (الأنجع والأسلم والأقل كلفة والأكثر أمنا)ً.
أما الثاني وهو الذي يراه قادة الكيان الصهيوني أنَّ (الضم القانوني) فهو إعلان مباشر وصريح من جانب الكيان على إخضاع أراضٍ فلسطينية واسعة لسيادتها تصل إلى نحو 30% من مساحة الضفة الغربية ، الذي سيلقى رفضاً فلسطينياً وعربياً وممانعة واعتراضاً دولياً ، وبالتالي سيثير مواجهات وانتفاضات عارمة ، كما حصل في انتفاضة الحجارة العام 1987 ، وانتفاضة العام 2000، بعد انقضاء الفترة الأولى من اتفاقية أوسلو دون حل للقضية الفلسطينية.وسيكون من تبعات الضم القانوني الخطيرة وسيئة الصيت إنهاء التنسيق الأمني مع السلطة الوطنية الفلسطينية، والقضاء على أي إمكانية لتسوية مقبولة في المستقبل، خصوصاً بطي خيار (حل الدولتين) نهائياً،وهو ما يمكن أن يخلق وضعاً جديداً للكيان الصهيوني بمساحات جديدة وحدود واسعة ومستوطنات مبعثرة وجدار أمني متعرِّج، إضافةً إلى الكلفة المادية الباهظة والجهود الأمنية المضنية والاحتكاكات والاشتباكات الساخنة المحتملة مع أبناء شعبنا العربي الفلسطيني،وهذا سيعيد الصراع إلى المربَّع الأول، أي المواجهة العسكرية الساخنة ، وخيار المقاومة المسلحة، ناهيك عن تداعياته على الحدود الشرقية بخاصة وجود ثلاثة ملايين أردني من أصل فلسطيني يمكن أن يتحرَّكوا بشكلٍ فردي وجماعي ضد الكيان ، كذلك القيام بردّ الفعل الأردني الحازم، والذي قد يضع اتفاقية وادي عربة أمام تحدّيات جديدة يمكن أن تفضي إلى إلغائه هذا من جهة .
من جهةٍ أخرى يمكننا اعتبار تراجع المساعدات الدولية وبخاصة وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا ) ونقص المساعدات الدولية وتفشي وباء كوفيد 19 ( كورونا )، فإن هذا سيخلق مجتمعاً فلسطينياً غارقاً في الفقر والعوز والمرض والحرمان والحاجة ، لاسيّما في ظلّ حصار قطاع غزة الذي يستمر منذ 13 عاماً،كل ذلك سيؤدي إلى انفجار شعبي وثورة عارمة مثلما انطلقت الإنتفاضة الأولى والثانية والتي كان بالغ التأثير السلبي على الكيان الصهيوني .