
بقلم - الكاتب والصحفي سليم شعاعي
حين تبتلع البحار أحلام أبناء شعبنا الفلسطيني وتتحوّل رحلة البحث عن الأمان إلى فاجعة إنسانية موجعة تتقدّم المسؤولية الوطنية لتؤكد أن أبناء شعبنا الفلسطيني ليسوا وحدهم في محنتهم وأن خلف كل مأساة واجبًا لا يسقط وخلف كل ضحية عائلة تنتظر الحقيقة ودولة تتابع، وسفارة تحمل أمانة الإنسان قبل كل اعتبار.
ففي مشهد يجسّد جوهر الدبلوماسية الفلسطينية في بعدها الإنساني والوطني يبرز دور سفارة دولة فلسطين لدى الجمهورية اللبنانية بقيادة السفير الدكتور محمد الأسعد في متابعة حادثتي غرق القوارب قبالة جزيرتي ليسفوس وساموس اليونانيتين وما خلّفتاه من ألم عميق في قلوب العائلات من أبناء شعبنا الفلسطيني في لبنان وسوريا والتي تعيش على وقع الفقد والانتظار ووسط أسئلة موجعة عن مصير أبنائها الذين خرجوا بحثًا عن حياة أكثر أمانًا فإذا بالبحر يتحوّل إلى مأساة تختصر قسوة اللجوء ومرارة النزوح وضيق الخيارات.
وهنا إن ما قامت به السفارة الفلسطينية في لبنان في هذه اللحظات العصيبة يسلّط الضوء على الدور الوطني الذي تضطلع به مؤسسات دولة فلسطين في حماية مصالح أبناء شعبنا ومتابعة قضاياهم والوقوف إلى جانب عائلاتهم في أشد الظروف قسوة حيث لا تُقاس المسؤولية بعدد الاتصالات والإجراءات فحسب بل بمدى الحضور إلى جانب الإنسان حين تضيق به السبل وتتعاظم حاجته إلى من يسانده ويخفّف عنه وطأة المصاب.
وبالطبع في مواجهة هذه الفاجعة يبرز السفير الدكتور محمد الأسعد بوصفه أحد المسؤولين الفلسطينيين المنخرطين في متابعة هذا الملف الإنساني بالتنسيق مع سفارة دولة فلسطين لدى اليونان في إطار الجهود الرامية إلى كشف ملابسات الحادث والتواصل مع ذوي الضحايا ومواكبة الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.
وتكمن أهمية هذا الدور في أن العمل الدبلوماسي في جوهر لا يقتصر على العلاقات الرسمية والتمثيل السياسي فحسب بل يمتد إلى متابعة شؤون أبناء شعبنا وصون كرامتهم ومساندة عائلاتهم والعمل على تذليل العقبات التي قد تواجههم في لحظات الفقد والاضطراب وفي مثل هذه الظروف تصبح المتابعة الحثيثة مسؤولية وطنية وأخلاقية ويغدو التواصل مع الأهالي واجبًا إنسانيًا يفرض الإصغاء إلى مخاوفهم ومواكبة معاناتهم وإبقائهم على اطلاع بما يتوافر من معلومات وإجراءات.
إن قيمة الحضور الدبلوماسي الحقيقي تتجلّى عندما تتحوّل المأساة إلى اختبار للمسؤولية وعندما تجد العائلات من يتابع قضيتها ويسعى إلى استكمال المعاملات المطلوبة ويقف إلى جانبها في رحلة الانتظار الطويلة ومن هنا فإن الجهود التي يبذلها السفير الدكتور محمد الأسعد في متابعة هذا الملف تستحق التقدير في إطار المسؤولية الملقاة على عاتق السفارة والشراكة مع الجهات الفلسطينية المختصة من أجل خدمة أبناء الشعب الفلسطيني وصون حقوقهم.
وبناءً على توجيهات وزيرة الخارجية والمغتربين الفلسطينية فارسين شاهين انخرطت سفارتا دولة فلسطين لدى اليونان ولبنان منذ الإعلان عن فقدان شبان فلسطينيين من لبنان وسوريا خلال محاولتهم الوصول إلى جزيرتي ليسفوس وساموس بتاريخ 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026 في متابعة حثيثة مع سلطات الاختصاص بالتوازي مع التواصل مع أهالي الضحايا ومواكبة التطورات المرتبطة بالحادث.
ويعكس هذا التحرك أهمية التنسيق بين البعثات الدبلوماسية الفلسطينية ولا سيما عندما تتوزّع تداعيات المأساة بين أكثر من دولة وتتشابك فيها الإجراءات القانونية والإنسانية وتصبح العائلات بحاجة إلى متابعة دقيقة تتجاوز الحدود الجغرافية فالمواطن الفلسطيني أينما كان يظل حاضرًا في دائرة المسؤولية الوطنية وتبقى قضيته موضع متابعة تستدعي التعاون والتنسيق بين الجهات المعنية.
وفي مثل هذه الظروف تتجلى أهمية توجيهات وزارة الخارجية والمغتربين في حشد الجهود الدبلوماسية وضمان التواصل مع السلطات المختصة والعمل على توفير المعلومات المتاحة لأسر الضحايا ومواكبة الإجراءات اللازمة بما يحفظ كرامة المتوفين وحقوق ذويهم.
وأفادت سفارة دولة فلسطين لدى اليونان بأن مديرية خفر السواحل اليونانية أكدت العثور على أربعة جثامين في البحر قرب جزيرة ليسفوس وجثمان خامس قرب جزيرة ساموس، تعود لمواطنين فلسطينيين من بين جثامين لم يتم التعرّف إلى هويات أصحابها حتى لحظة الإعلان عن هذه المعلومات.
خمسة جثامين تحمل خلفها حكايات لم تكتمل وأحلامًا توقفت في منتصف الطريق وعائلات وجدت نفسها أمام انتظار ثقيل وأسئلة لا يمكن للأرقام وحدها أن تجيب عنها فكل ضحية إنسان له اسمه وذكرياته وأحباؤه وله أمّ تنتظر وأبٌ يقلقه الغياب وأبناء وأقارب يعيشون قسوة الخبر واحتمالاته.
إن هذه المأساة لا يمكن اختزالها في أرقام أو بيانات رسمية فهي جرح إنساني مفتوح في وجدان شعبنا الفلسطيني الذي أثقلت الحروب واللجوء والتهجير كاهله ووجد كثير من أبنائه أنفسهم أمام خيارات بالغة الصعوبة تدفعهم إلى خوض رحلات خطرة بحثًا عن الاستقرار والأمان وفرصة للعيش بكرامة.
ومن هنا تبرز أهمية العمل الذي تتابعه السفارتان الفلسطينية في لبنان واليونان إذ إن كشف مصير الضحايا وتثبيت هوياتهم وإبلاغ عائلاتهم بالمعلومات المؤكدة يشكّل أولوية إنسانية لا تحتمل التهاون أو الاستهانة.
وفي إطار استكمال الخطوات المطلوبة يتابع السفيران محمد الأسعد ويوسف درخم مع أهالي الضحايا الإجراءات القانونية اللازمة لإصدار شهادات الوفاة والتحضير لنقل الجثامين إلى لبنان وسوريا وفق الأصول المعمول بها لدى الجمهورية اليونانية.
وتستغرق هذه الإجراءات بعض الوقت نظرًا إلى المتطلبات القانونية والإدارية المرتبطة بتحديد الهويات وإصدار الوثائق واستكمال ترتيبات النقل وهي تفاصيل قد تبدو إجرائية في ظاهرها لكنها بالنسبة إلى العائلات المكلومة تمثّل مرحلة شديدة الحساسية تتعلّق بحقها في معرفة مصير أبنائها واستعادة جثامينهم، ومواراتهم الثرى بما يليق بكرامتهم الإنسانية.
وفي هذا السياق تتضاعف أهمية استمرار التنسيق بين السفارتين والسلطات اليونانية المختصة بما يساهم في إنجاز المعاملات المطلوبة وتسهيل ترتيبات إعادة الجثامين وتخفيف ما أمكن من الأعباء النفسية والإدارية التي تواجه ذوي الضحايا.
إن الوقوف إلى جانب العائلات في هذه المرحلة ليس تفصيلًا ثانويًا في العمل الدبلوماسي بل هو جزء أصيل من المسؤولية الوطنية التي تفرض أن تبقى السفارة حاضرة في متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات اللازمة ضمن الأطر القانونية المتاحة وبما يحفظ حقوق الأسر وكرامة المتوفين.
إن الدور الذي تؤديه سفارة دولة فلسطين لدى لبنان بقيادة السفير الدكتور محمد الأسعد في متابعة هذه القضية بالتنسيق مع السفارة الفلسطينية لدى اليونان يعيد التأكيد على أن العمل الدبلوماسي الفلسطيني لا ينفصل عن الواقع الإنساني الذي يعيشه أبناء الشعب الفلسطيني ولا عن التحديات التي تواجههم في بلدان اللجوء والاغتراب.
فالسفارة ليست مجرد عنوان رسمي أو مؤسسة تمثيلية بل هي مساحة للمسؤولية الوطنية، وجسر للتواصل مع المؤسسات المعنية ومرجعية لمتابعة القضايا التي تمس حياة الفلسطينيين وحقوقهم وكرامتهم وفي اللحظات الصعبة تكتسب هذه الوظيفة أهمية مضاعفة لأن العائلات لا تبحث عن الإجراءات وحدها بل تحتاج أيضًا إلى الشعور بأن قضيتها حاضرة وأن أبناءها لم يُتركوا لمصير الغياب والنسيان.
ومن هذا المنطلق فإن تقدير جهود السفير محمد الأسعد والطاقم الدبلوماسي المعني بهذه المتابعة ينبع من أهمية الدور الذي يضطلعون به في خدمة أبناء شعبنا ومن ضرورة استمرار هذا الحضور الإنساني حتى استكمال الإجراءات المتعلقة بالضحايا وعائلاتهم.
فالدبلوماسية التي تلامس وجع الناس وتتابع قضاياهم وتحفظ كرامتهم في لحظات الانكسار هي دبلوماسية تستمد قيمتها من مسؤوليتها تجاه الإنسان قبل أي اعتبار آخر.
وفي موازاة متابعة الحادثتين جدّدت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية مناشدتها المواطنين والأسر الفلسطينية عدم اللجوء إلى أساليب الهجرة غير الشرعية محذّرة من مخاطرها الكارثية على حياة أبناء شعبنا الفلسطيني.
إن هذا التحذير لا ينتقص من حق الإنسان في البحث عن حياة كريمة ولا يتجاهل الظروف القاسية التي قد تدفعه إلى التفكير في الرحيل بل يعبّر عن الحرص على حماية الأرواح من رحلات محفوفة بالمخاطر قد تنتهي بفقدان الأحبة في أعماق البحار بعيدًا عن الأهل والأوطان.
إن مواجهة هذه المآسي تتطلب مسؤولية مشتركة تبدأ بالتوعية بمخاطر طرق الهجرة غير الآمنة ولا تنتهي عند ضرورة معالجة الظروف الإنسانية والاقتصادية التي تدفع الناس إلى المخاطرة بحياتهم فالأمل بحياة أفضل حق مشروع لكن لا ينبغي أن يتحوّل الطريق إليه إلى مقامرة بالأرواح ولا أن يصبح البحر شاهدًا جديدًا على فواجع العائلات الفلسطينية.
في نهاية المطاف تبقى مأساة ليسفوس وساموس أكبر من حادثتين في عرض البحر إنها حكاية وجع فلسطيني متواصل واختبار إنساني لمسؤولية المؤسسات في مواجهة الفقد وصرخة تذكّر العالم بأن وراء كل ضحية حياةً كاملةً وعائلةً تنتظر العدالة والحقيقة والوداع الأخير.
وفي خضم هذه المأساة تتقدّم الجهود التي تتابعها سفارة دولة فلسطين لدى لبنان بقيادة السفير الدكتور محمد الأسعد وبالتنسيق مع سفارة دولة فلسطين لدى اليونان ووزارة الخارجية والمغتربين لتؤكد أهمية الحضور الوطني في أصعب اللحظات وأهمية أن تبقى قضايا شعبنا موضع متابعة واهتمام حتى استكمال الإجراءات اللازمة.
إن التقدير الحقيقي لهذه الجهود لا يكون بالكلمات وحدها بل باستمرار المتابعة ووضوح التواصل مع العائلات والعمل على تيسير الإجراءات القانونية والإنسانية وصون كرامة الضحايا وحقوق ذويهم.
فحين يعجز البحر عن إعادة الأحبة تبقى المسؤولية الوطنية وفاءً لا يسقط وتبقى الدبلوماسية الإنسانية عهدًا بأن الإنسان الفلسطيني ليس رقمًا في سجل المفقودين بل كرامة لا تُختصر وحق لا يُنسى، وأمانة تظل حاضرة في وجدان وطنه ومؤسساته.
23/10/2026 07:29 am
.png)






