في سابقة هي الاخطر يدخل لبنان اليوم للمرة الاولى في مواجهة مع اسرائيل و لكن هذه المرة ليس من ارض الجنوب بل من بوابة واشنطن ، مواجهة على شكل مفاوضات ، لا يملك الجانب اللبناني فيها حيل و لا قوة . 
هي خطوة كُسِرت فيها المحرمات السياسية و خولف فيها الدستور في الداخل اللبناني و فتحت باباً لمرحلة جديدة عنوانها "التفاوض وجهاً لوجه و لو تحت النار ! " 

من وقف النار و التهدئة الى اهداف التفاوض : ماذا تريد اسرائيل فعلاً ؟ 

بحسب المعلومات يدخل الوفد اللبناني هذه المفاوضات بهدف صريح و واضح : وقف اطلاق النار و احتواء التصعيد ! و لكن في المقابل و مع استمرار اشتعال الميدان ، لا يبدو ان الجانب الاسرائيلي ينظر لهذه المفاوضات كخطوة للتهدئة بل انها "الفرصة الذهبية" لطرح مواضيع اكبر في مقدمتها خطة سلام تحول المنطقة من ساحة صراع الى ساحة تحقيق الامنيات . و بنداً لا يقل اهمية و هو سحب سلاح حزب الله في محاولة لنقل التفاوض من وقف الحرب الى مسار سياسي يفرض واقع جديد على لبنان.  

بدون ورقة ضغط : هل ينتزع لبنان حقه من طاولة واشنطن ؟ 

في ظل هذا المشهد الخالي من اي اوراق ضغط ، و بعد طرح الهدف الاساسي الذي يتمحور حول وقف اطلاق النار على الاراضي اللبنانية كافة ، هل تنتهز الدولة الفرصة لتشمل ملفات سيادية مضى على انتظارها عامين ؟ 
أول هذه الملفات هو ملف الأسرى اللبنانيين، الذي يبقى واحداً من أكثر القضايا حساسية على المستوى الشعبي والسياسي، اضافة الى قضية النقاط المحتلة على الحدود و التواجد الإسرائيلي داخل الاراضي اللبنانية .
هنا يكمن السؤال : هل يملك لبنان القدرة على انتزاع هذه الحقوق عبر التفاوض، أم أن هذه الملفات ستبقى مؤجلة كما في كل مرة ؟ 


معادلة مختلّة: ماذا يملك لبنان ؟ 

بعكس أطراف إقليمية أخرى تفاوض من موقع قوة، لا يدخل لبنان هذه المفاوضات وهو يمتلك أوراق ضغط تقليدية.
فهو لا يملك مضائق استراتيجية يمكن تهديدها، ولا برنامجاً نووياً يشكّل عنصر توازن، ولا أدوات نفوذ إقليمية قابلة للمقايضة. في المقابل، يجد نفسه أمام طاولة تفاوض تُطرح عليها ملفات كبرى، تتجاوز قدرته على المناورة. 
لبنان اليوم ببساطة، لا يفاوض من موقع فرض الشروط… بل من موقع محاولة الحد من الخسائر . 

لبنان خارج المظلة : من التفاوض الجماعي الى العزلة السياسية !

في توقيت بالغ الحساسية و بعد قرار لبناني واضح برفض إدراج الملف اللبناني ضمن مسار التفاوض الإيراني - الأميركي، الذي جرى في باكستان. خطوة قرأها البعض على أنها محاولة لتأكيد استقلالية القرار اللبناني، وفصل الساحة اللبنانية عن حسابات الصراع الإقليمي و البعض الاخر رأى فيها "مخاطرة" بما تبقى من لبنان و الاستمرار بالمجازر و الاثمان الدموية التي يدفعها الشعب يومياً . 
ففي الواقع لم يكن هذا القرار بدون كلفة ! فخروج لبنان من المظلة الاقليمية نقله الى موقع تفاوضي منفرد يواجه فيه ضغوطاً مباشرة، من دون شبكة أمان سياسية أو استراتيجية. 
فاليوم يجد لبنان نفسه وحيداً على الطاولة، بملف ضيّق، وإمكانات محدودة، مقابل طرف يطرح ملفات كبرى تتجاوز الساحة اللبنانية نفسها. وهنا المفارقة الأخطر:
ما اعتُبر خطوة نحو “تحرير القرار اللبناني”… قد يتحوّل إلى عامل ضغط إضافي عليه.

لبنان على الطاولة و تحت النار 

في وقتٍ تدور فيه هذه المفاوضات خلف الأبواب المغلقة في واشنطن، يشتعل الجنوب اللبناني تحت وقع قصفٍ مكثّف، ومواجهات واشتباكات متواصلة بين المقاومة والجيش الإسرائيلي. مشهدٌ يعكس حقيقة واحدة:
ما لم يُحسم على الأرض… يُنقل اليوم إلى طاولة التفاوض.

في لحظة تتقاطع فيها النار مع القرار … 
يبقى السؤال الأخطر: هل تنجح هذه المفاوضات في انتزاع حدّ أدنى من الاستقرار ، و هل يُطفئ لبنان هذه الجبهة من واشنطن ام تتحوّل إلى مسار يُعاد فيه رسم الواقع اللبناني بشروط يصعب الاعلان عنها ؟
calendar_month15/04/2026 09:17 am