بقلم عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين الدكتور وسيم وني 


كوني عضواً في نقابة الصحفيين الفلسطينيين، لا أكتب هذه المادة من موقع المتابع، بل من موقع الانتماء الذي يحمّلني مسؤولية الكلمة، ويمنحني في الوقت ذاته شعوراً عميقاً بالفخر ، فهذا الإنجاز، المتمثل بفوز نقابتنا بمنصب النائب الأول لرئيس الاتحاد الدولي للصحفيين، ليس مجرد موقعٍ دولي، بل هو انتصار للرواية التي حملناها، ودافعنا عنها، وواجهنا بها سيلًا متواصلاً من محاولات الطمس والتشويه الذي تمارسه قيادة الاحتلال منذ اغتصاب فلسطين إلى يومنا هذا ، إنه فوز للحقيقة… في وجه رواياتٍ حاولت طويلاً أن تفرض نفسها بالقوة لا بالواقع.

لم تكن المواجهة يوماً متكافئة ، ففي مقابل رواية فلسطينية تنبع من الميدان، ومن معاناة يومية حقيقية، تقف روايات الاحتلال التي تعتمد على قلب الوقائع، وتبرير الانتهاكات، وإعادة إنتاج الأحداث بما يخدم سرديتها السياسية ومصلحتها السياسية ، فقد سعت هذه الروايات، عبر أدوات إعلامية ضخمة، إلى تصوير الضحية كفاعل، وإخفاء السياق الحقيقي للأحداث، وتشويه صورة الصحفي الفلسطيني باعتباره طرفاً، لا شاهداً ، لكن الحقيقة، بطبيعتها، لا تقبل الإلغاء بل تعود دائماً لتفرض نفسها ، هنا يأتي هذا الفوز كتحوّل مهم، لأنه ينقل الرواية الفلسطينية من موقع الرد على التضليل، إلى موقع القدرة على تفكيكه، وكشفه، ومواجهته من داخل المنظومة الإعلامية الدولية نفسها.

فطوال سنوات خلت، خاضت نقابة الصحفيين الفلسطينيين معركة مزدوجة في الدفاع عن الصحفيين في الميدان، والدفاع عن صدقية الرواية الفلسطينية في الفضاء الإعلامي العالمي.
واليوم، مع هذا الموقع القيادي، لم تعد النقابة في موقع الدفاع فقط، بل أصبحت في موقع المبادرة، قادرة على التأثير في الخطاب الإعلامي، والمساهمة في وضع معايير مهنية تحدّ من انتشار الروايات المضللة التي تبثها الماكينة الإسرائيلية ، وتعزز من حضور الحقيقة.
إنها نقلة من ردّ الفعل… إلى الفعل ذاته.

ولطالما حاولت روايات الاحتلال احتكار السرد، وفرض رواية أحادية تُقدَّم للعالم على أنها الحقيقة الكاملة ، لكن هذا الاحتكار بدأ يتصدع، مع تزايد حضور الصحفي الفلسطيني، وقدرته على نقل الصورة من قلب الحدث والميدان، بعيداً عن الفلاتر السياسية.
وجاء هذا الفوز ليكرّس هذا التحول، ويؤكد أن الرواية الفلسطينية لم تعد قابلة للتهميش، بل أصبحت جزءاً من النقاش الدولي، ومن عملية تشكيل الرأي العام العالمي.

كما لا تقتصر مواجهة روايات الاحتلال على البعد الإعلامي، بل تمتد إلى الأساس القانوني الذي يكشف زيفها.
فالقانون الدولي الإنساني، وفق اتفاقيات جنيف لعام 1949والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، يضع معايير واضحة لحماية المدنيين، بمن فيهم الصحفيون، ويحظر استهدافهم أو عرقلة عملهم ، كما أن محاولات تبرير استهداف الصحفيين، أو التشكيك في صفتهم المدنية، تتعارض بشكل مباشر مع المادة (79) من البروتوكول الإضافي، التي تؤكد على حمايتهم الكاملة أثناء أداء مهامهم.

إضافة إلى ذلك، فإن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يضمن حرية التعبير ونقل المعلومات، ما يجعل أي تضييق ممنهج على الصحفيين أو محاولات إسكاتهم خرقاً واضحاً للالتزامات الدولية.

وعليه، فإن هذا الموقع القيادي يمنح نقابة الصحفيين الفلسطينيين فرصة لتعزيز المسار القانوني في مواجهة هذه الروايات، عبر توثيق الانتهاكات، وتفنيد الادعاءات الاسرائيلية ، والدفع نحو مساءلة قائمة على الحقائق لا على السرديات السياسية.

وهنا لم يعد ينتظر الصحفي الفلسطيني منصة ليُسمع صوته، بل صنع صوته من قلب المعاناة
واليوم، هذا الصوت يجد طريقه إلى مواقع القرار، ليصبح أكثر قدرة على التأثير، وأكثر حضوراً في صياغة الخطاب الإعلامي العالمي ، إنها لحظة انتقال من الهامش إلى المركز، ومن الحضور الرمزي إلى الفاعلية الحقيقية.

وفي مواجهة روايات تقوم على التبرير والتضليل، تبرز قيمة الصحافة الحقيقية كالتزام أخلاقي قبل أن تكون مهنة ، فالصحفي الفلسطيني، بحكم تجربته، لم يكن أمامه خيار الحياد الزائف، بل كان عليه أن ينحاز للحقيقة، وأن يدافع عنها مهما كان الثمن ، وهذا الفوز يعيد التأكيد على أن الالتزام بالحقيقة، حتى في أصعب الظروف، هو ما يمنح الرواية الفلسطينية قوتها واستمراريتها.

كما أن هذا الإنجاز لا يأتي بمعزل عن سياق أوسع من الحضور الفلسطيني المتنامي في المؤسسات الدولية، لكنه يتميز بخصوصيته، لأنه يرتبط مباشرة بصناعة الوعي، وبكيفية فهم العالم لما يجري ، فحين تكون فلسطين حاضرة في مواقع التأثير الإعلامي، فإنها لا تدافع عن نفسها فقط، بل تساهم في إعادة التوازن إلى المشهد، وكشف الروايات التي حاولت طويلاً احتكار الحقيقة والمشهد .

ختاماً إنني كعضو في نقابة الصحفيين الفلسطينيين، أرى في هذا الفوز أكثر من إنجاز أراه لحظة كسرٍ لرواياتٍ حاولت أن تهيمن، ولحظة تثبيتٍ لحقيقةٍ لم تتغيّر ، فالرواية التي تُبنى على التضليل قد تصمد لبعض الوقت، لكنها لا تصمد أمام واقعٍ يُوثّق كل يوم، وأمام صوتٍ يرفض أن يُسكت.

نقابة الصحفيين الفلسطينيين لم تفز بمنصب فقط…بل انتزعت مساحة أوسع للحقيقة، وفتحت طريقاً جديداً للرواية الفلسطينية، لتُروى كما يجب:
واضحة… ثابتة… ولا يمكن تزويرها.



calendar_month07/05/2026 09:17 am