
بقلم الدكتور وسيم وني – عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين
لم يعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية مجرد اعتداءات فردية أو أعمال خارجة عن السيطرة بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة منظمة تتداخل فيها الأيديولوجيا الدينية المتشددة مع المشروع الاستيطاني والدعم السياسي والأمني، بهدف إعادة تشكيل الواقع على الأرض وفرض وقائع جديدة يصعب تغييرها مستقبلاً ، فخلف كل بؤرة استيطانية جديدة، وكل اعتداء على قرية فلسطينية، وكل محاولة للسيطرة على أرض زراعية، تقف منظومة متكاملة من الجماعات التي ترى في التوسع الاستيطاني مهمة عقائدية تسعى من خلالها إلى تحويل الضفة الغربية إلى مساحة خاضعة بالكامل للسيطرة الإسرائيلية.
الاستيطان.. من توسع عمراني إلى مشروع فرض واقع جديد
فقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً كبيراً في نفوذ الجماعات الاستيطانية المتطرفة التي لم تعد تكتفي بتوسيع المستوطنات القائمة بل تعمل على إنشاء بؤر جديدة فوق التلال والمرتفعات تمهيداً لتحويلها لاحقاً إلى مواقع ثابتة ضمن الخارطة الاستيطانية وتستند هذه الجماعات إلى خطاب ديني وقومي متطرف يعتبر الضفة الغربية، أو ما تسميه "يهودا والسامرة"، جزءاً مما تطلق عليه "أرض إسرائيل"، وترفض أي حل سياسي قد يؤدي إلى الانسحاب أو إقامة دولة فلسطينية مستفيدة من بيئة سياسية توفر لها الغطاء والدعم السياسي والمالي والأمني .
"فتية التلال".. الجيل الأكثر تطرفاً في الحركة الاستيطانية
تعتبر جماعة "فتية التلال" أو "شباب التلال" من أبرز التنظيمات الاستيطانية الناشطة في الضفة الغربية وهي شبكة غير مركزية تضم شباناً يقيمون في بؤر استيطانية ومزارع رعوية أقيمت على قمم الجبال ، ورغم عدم امتلاكها قيادة تنظيمية واضحة فقد نجحت في التحول إلى أداة فعالة داخل المشروع الاستيطاني عبر السيطرة على مواقع جديدة ثم الضغط باتجاه تثبيتها وشرعنتها لاحقاً ، وقد ارتبط صعود هذه الجماعات بفكرة السيطرة التدريجية على التلال، حيث تتحول المواقع الصغيرة التي يتم الاستيلاء عليها إلى نقاط نفوذ يصعب إخلاؤها مع مرور الوقت، لتصبح جزءاً من واقع جديد مفروض على الأرض.
أيديولوجيا تبرر السيطرة والعنف
تتبنى هذه الجماعات خطاباً دينياً قومياً متطرفاً يعتبر السيطرة على الأرض الفلسطينية واجباً عقائدياً ويحول الاستيطان من مشروع سياسي إلى "مهمة دينية" لدى أتباعه وتستند هذه الرؤية إلى دعم فكري من تيارات وحاخامات متشددين أسهموا في تكريس خطاب يبرر التوسع واستخدام القوة ضد الفلسطينيين.
كيف تتحول الأرض الفلسطينية إلى بؤرة استيطانية؟
تعتمد الجماعات الاستيطانية أسلوباً تدريجياً يبدأ بالسيطرة على موقع مرتفع أو أرض زراعية ثم إقامة خيام أو كرفانات قبل ربط المكان بالطرق والخدمات وتحويله إلى تجمع دائم ، وبالتوازي مع ذلك، يتعرض أصحاب الأراضي الفلسطينيون لضغوط متواصلة تشمل منع الوصول إلى أراضيهم والاعتداء على المزارعين وتخريب المحاصيل واقتلاع الأشجار بهدف دفعهم إلى ترك الأرض والسيطرة عليها لاحقاً.
"تدفيع الثمن".. العنف كأداة سياسية
إلى جانب "فتية التلال"، برزت مجموعات عرفت باسم "تدفيع الثمن"، تبنت منذ عام 2008 سياسة الاعتداءات الانتقامية ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم ، وشملت أعمالها إحراق المنازل والمركبات، واستهداف المساجد والكنائس وتخريب المنشآت واقتلاع أشجار الزيتون وكتابة شعارات عنصرية بهدف نشر الخوف والضغط على الفلسطينيين.
من مستوطن إلى عنصر مسلح
بعد الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023، شهد دور المستوطنين تحولاً جديداً مع توسع عمليات تسليحهم وإنشاء فرق أمنية داخل المستوطنات ، وأصبحت فرق الحراسة والتدخل السريع جزءاً من المشهد الأمني في الضفة الغربية، ما زاد من تداخل دور المستوطن المدني مع الدور العسكري، وأدى إلى تعقيد مسألة المساءلة القانونية عن الاعتداءات.
العنف والإفلات من العقاب
تكشف الوقائع أن اعتداءات المستوطنين أصبحت أكثر انتشاراً وتنظيماً، مستهدفة المدنيين والمنازل والمركبات والأراضي الزراعية ، وقد ارتبط اسم هذه الجماعات بعدد من الجرائم البارزة من بينها إحراق منزل عائلة دوابشة في قرية دوما عام 2015، وقتل الطفل المقدسي محمد أبو خضير عام 2014، إضافة إلى اعتداءات متكررة في مختلف مناطق الضفة الغربية ، ويشكل ضعف المحاسبة القانونية عاملاً أساسياً في استمرار هذه الظاهرة، إذ يشعر منفذو الاعتداءات بأن غياب العقوبات الرادعة يمنحهم مساحة أكبر لمواصلة عملياتهم.
ختاماً لم يعد ما يجري في الضفة الغربية مجرد تجاوزات فردية أو اعتداءات معزولة بل أصبح يمثل منظومة متكاملة من الممارسات المنظمة التي تتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني، وتسعى إلى تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة عبر سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة.
فالقانون الدولي لا يجيز الاستيلاء على الأرض بالقوة، ولا يمنح أي شرعية لسياسات الاستيطان أو الاعتداء على المدنيين كما أن مسؤولية القوة القائمة بالاحتلال لا تقتصر على إدارة الواقع الأمني بل تفرض عليها التزامات قانونية واضحة تتمثل في حماية السكان المدنيين، ومنع الانتهاكات، ومحاسبة مرتكبيها دون تمييز.
إلا أن استمرار حالة الإفلات من العقاب وتنامي ظاهرة المستوطن المسلح، وتداخل الأدوار بين الجماعات الاستيطانية والمنظومة الأمنية، يكشف عن تحول خطير يجعل من العنف أداة سياسية لإعادة تشكيل الجغرافيا وفرض حقائق جديدة على الأرض.
إن معركة الضفة الغربية اليوم لا تدور فقط حول حدود ومساحات جغرافية بل حول سؤال جوهري يتعلق بمستقبل العدالة والقانون: هل تُرسم خرائط المستقبل عبر الشرعية الدولية وحقوق الشعوب أم عبر منطق القوة والإرهاب وفرض الوقائع بالقوة؟
فحين يتحول العنف إلى وسيلة لتغيير الهوية والمكان تصبح مواجهته مسؤولية قانونية وأخلاقية وإنسانية لا تقع على عاتق الشعب الفلسطيني وحده بل على المجتمع الدولي بأسره دفاعاً عن مبادئ العدالة وحقوق الإنسان وحق الشعب الفلسطيني في أرضه وحريته وكرامته وبناء مستقبله الوطني.
04/08/2026 03:14 pm
.png)






