
بقلم عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين – الدكتور وسيم وني
لم تكن القدس يوماً مجرد مدينة فلسطينية وقعت تحت الاحتلال ولم تكن في أي مرحلة من تاريخها مجرد مساحة جغرافية تتنازعها الخرائط والسياسات والقرارات إنها قلب فلسطين الذي ظل ينبض حتى في أكثر اللحظات قسوة، وذاكرة شعب تختصر حكاية وطن كامل، ومدينة كلما اشتدت محاولات عزلها اتسعت أكثر في وجدان الفلسطينيين.
منذ النكبة عام 1948، دخلت القدس واحدة من أصعب مراحل تاريخها الحديث لم يكن ما جرى مجرد تغير في السيطرة على الأرض، بل بداية مشروع طويل حاول اقتلاع الفلسطيني من المكان وإعادة تشكيل المدينة وفق رواية جديدة ، سقطت القدس الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية وفقدت عائلات فلسطينية منازلها وأحياءها وأرزاقها، وتحول المكان الذي كان يحتضن حياة الناس اليومية إلى شاهد على التهجير والفقدان والانقسام ، ثم انقسمت المدينة وتحولت خطوط الهدنة إلى جرح مفتوح في جسدها عائلات تفرقت، وطرق أغلقت، وأحياء أصبحت بعيدة عن بعضها رغم قربها الجغرافي ومع ذلك بقيت القدس الشرقية تحمل روحها العربية الفلسطينية، وظلت البلدة القديمة بأسواقها وأزقتها ومقدساتها شاهدة على حقيقة لا يمكن لقرار سياسي أن يمحوها، وهي أن هوية المدينة أعمق من كل الروايات المفروضة عليها.
وفي العام 1967 دخلت القدس مرحلة جديدة وأكثر خطورة فبعد احتلال القدس الشرقية بدأ الاحتلال سريعاً في فرض واقع جديد على المدينة وكان هدم حارة المغاربة وتهجير سكانها واحداً من أكثر المشاهد دلالة على طبيعة المشروع القائم لم يكن الهدف السيطرة على الأرض فقط بل محاولة إعادة تشكيل الذاكرة والمشهد التاريخي والمعالم التي ارتبطت بحياة أبنا شعبنا الفلسطيني ووجودهم في المدينة ، ومنذ ذلك الوقت أصبحت حياة المقدسي معركة يومية معركة من أجل المنزل، ومن أجل الأرض، ومن أجل حق البناء، ومن أجل حرية الحركة، ومن أجل البقاء. توسعت المستوطنات وصودرت الأراضي وهدمت المنازل وفرضت القيود على حياة الناس فيما وجد الفلسطيني نفسه مطالباً بالدفاع عن أبسط حقوقه داخل مدينته التي يحبها
.
وفي أحياء القدس المختلفة من سلوان إلى الشيخ جراح ومن الطور إلى العيسوية وجبل المكبر لم يعد الصراع فكرة سياسية بعيدة عن حياة الناس أصبح حاضراً على أبواب المنازل وفي أوراق الملكية وفي قرارات الهدم وفي خوف العائلات من فقدان المكان الذي ولد فيه أبناؤها وعاش فيه آباؤهم وأجدادهم ، وفي قلب هذه المعركة بقي المسجد الأقصى المبارك عنواناً لا يمكن فصله عن القدس فالأقصى ليس مجرد مكان للعبادة فحسب، بل جزء من هوية المدينة وذاكرة الشعب الفلسطيني وضميره الوطني ومنذ جريمة إحراق المسجد الأقصى عام 1969، لم تتوقف الاعتداءات والاقتحامات ومحاولات فرض وقائع جديدة، لكن أبنا شعبنا الفلسطيني ظلوا يرون في الدفاع عنه دفاعاً عن القدس نفسها وعن حقهم في البقاء فيها.
وقد أثبتت محطات كثيرة أن الأقصى قادر على جمع الفلسطينيين حول قضية واحدة مهما تعددت الانقسامات والظروف فمن انتفاضة النفق عام 1996 إلى انتفاضة الأقصى عام 2000 وصولاً إلى هبة باب الأسباط عام 2017، كان المقدسيون يؤكدون في كل مرة أن العلاقة بين الإنسان ومقدساته لا يمكن فصلها بالقوة ، ومع بناء جدار الفصل دخلت القدس مرحلة جديدة من العزل، حيث لم يعد الجدار مجرد بناء إسمنتي يفصل بين الطرق والمناطق بل أصبح أداة تعيد رسم الجغرافيا وتفصل المدينة عن محيطها الفلسطيني الطبيعي ، وهنا تعقدت حركة الناس، وأصبح الوصول إلى القدس أكثر صعوبة وتعرض دورها الديني والثقافي والتعليمي والاقتصادي لمحاولات مستمرة من التهميش والإضعاف.
وفي الوقت نفسه تعرضت المؤسسات الفلسطينية للتضييق والإغلاق في محاولة لإضعاف الحضور الوطني داخل المدينة غير أن القدس بقيت تقاوم بطريقتها الخاصة ، فالمدرسة التي تفتح أبوابها والمتجر الذي يواصل صاحبه العمل والبيت الذي يتمسك أهله بالبقاء فيه والمسجد والكنيسة والمؤسسة الأهلية كلها تحولت إلى أشكال يومية من الصمود والدفاع عن هوية المدينة.
وفي السنوات الأخيرة أصبحت الشيخ جراح وسلوان نموذجين واضحين لمعنى المعركة الحقيقية على القدس ، لم تعد القضية مجرد ملف يناقش في المؤتمرات بل أصبحت معركة تجري داخل البيوت الفلسطينية نفسها، عائلات تواجه خطر التهجير وأطفال يعيشون تحت تهديد فقدان منازلهم، وأحياء تتعرض لمحاولات مستمرة لتغيير واقعها الديمغرافي والتاريخي.
وقد أعادت هبة الشيخ جراح عام 2021 التأكيد على حقيقة جوهرية وهي أن القدس لا يمكن عزلها عن فلسطين فما يحدث في بيت مقدسي يصل صداه إلى غزة ونابلس ورام الله وجنين وكل مخيم ومدينة وقرية فلسطينية، وعندما يواجه المقدسي خطر التهجير لا يبقى الأمر قضية عائلة واحدة، بل يتحول إلى جرح مفتوح في جسد شعب كامل.
ومنذ العدوان الإسرائيلي على غزة تصاعدت الضغوط على القدس وأهلها، واتسعت القيود على الوصول إلى المسجد الأقصى، وتزايدت الاعتقالات والإبعادات والاقتحامات والاستيطان لكن التعامل مع كل هذه الوقائع باعتبارها أحداثاً منفصلة يحجب الحقيقة الأكبر ، فالقدس تواجه مشروعاً متكاملاً يسعى إلى تغيير واقعها السياسي والجغرافي والديمغرافي ، كل منزل مهدد بالهدم وكل أرض تصادر وكل مؤسسة تغلق وكل عائلة تواجه خطر التهجير هي جزء من مشهد واحد يحاول إعادة تعريف المدينة بعيداً عن أهلها الأصليين.
لكن التاريخ يقول إن القدس لم تكن يوماً مدينة سهلة الانكسار ، فكلما اشتدت محاولات عزلها اتسعت في قلب فلسطين وكلما حاول الاحتلال فرض رواية جديدة عادت الذاكرة الفلسطينية لتؤكد أن للمدينة تاريخاً لا يبدأ بالاحتلال ولا ينتهي عنده وكلما حاولت القوة أن تجعل الفلسطيني غريباً في مدينته أثبت المقدسي أنه أكثر تجذراً في المكان من كل المشاريع التي جاءت إليه بالقوة.
إن القدس اليوم لا تحتاج فقط إلى استذكار تاريخها، بل تحتاج إلى حماية حاضرها ومستقبلها تحتاج إلى دعم أهلها وإسناد العائلات المهددة بالتهجير والدفاع عن مؤسساتها وحماية مقدساتها وتوثيق ما تتعرض له وإبقاء قضيتها حاضرة في الوعي السياسي والإعلامي والثقافي.
فالقدس لا يحميها الكلام وحده يحميها إنسان يرفض الرحيل، وعائلة تتمسك بمفتاح منزلها، وطفل يواصل طريقه إلى مدرسته ومصل يصل إلى الأقصى رغم الحواجز وتاجر يفتح متجره في البلدة القديمة رغم كل الضغوط ، وهنا تكمن الحكاية الحقيقية للقدس مدينة تعرضت لمحاولات لا تنتهي لتغيير وجهها، لكنها بقيت فلسطينية في وجدان أهلها، عربية في ذاكرتها، ومقدسة في ضمير الملايين.
ختاماً قد يستطيع الاحتلال أن يفرض واقعاً بالقوة لفترة من الزمن لكنه لم يستطع أن ينتزع من الفلسطيني حقه في الحلم ولا قدرته على الصمود ولا إيمانه بأن هذه المدينة ستبقى لأهلها.
فالقدس ليست مدينة تنتظر من يعيد إليها اسمها، لأنها لم تفقد اسمها يوماً إنها مدينة تعرف أهلها، ويعرف أهلها أن البقاء فيها مهما كان الثمن هو أعظم إعلان بأن التاريخ لا يكتب بالقوة وحدها، وأن مدينة بحجم القدس لا يمكن أن تقتلع من قلب فلسطين ، فالقدس ستبقى أكبر من الحصار وأعمق من الجدران وأقوى من كل محاولات تغيير وجهها... لأنها ببساطة قلب فلسطين، وكلما اشتد عليها حصار الاحتلال اتسعت أكثر في قلب شعبنا الفلسطيني.
27/08/2026 05:53 pm
.png)






