
بقلم عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين الدكتور وسيم وني
في القدس لا شيء يحدث بالصدفة فما يجري في المسجد الأقصى خلال مواسم الأعياد اليهودية يتجاوز حدود المناسبة الدينية ليكشف عن مسار أكثر حساسية يقوم على تكثيف الاقتحامات ومحاولة إدخال طقوس وممارسات جديدة إلى ساحات المسجد تحت حماية قوات الاحتلال ، وفي مقدمة هذه المشاهد تبرز السليخوت التي ترتبط في التقليد اليهودي بالتوبة والاستغفار. لكن انتقالها إلى داخل الأقصى يفتح بابًا واسعًا أمام سؤال يتجاوز الطقس نفسه. هل نحن أمام ممارسة عابرة أم أمام محاولة تدريجية لإعادة تشكيل المشهد داخل المسجد؟
هنا لم تعد القضية مرتبطة بمجرد دخول المستوطنين إلى باحات الأقصى فحسب فالمشهد يتطور عندما ترافق الاقتحامات طقوس دينية ومحاولات للصلاة والحضور المنظم وهنا تكمن حساسية المرحلة ، فأي ممارسة تتكرر بصورة منتظمة يمكن أن تنتقل من دائرة الاستثناء إلى دائرة الاعتياد وعندما يصبح المشهد مألوفًا تبدأ محاولات توسيعه وتثبيته باعتباره جزءًا من الواقع ، ولهذا فإن ما يحدث في الأقصى يحتاج إلى قراءة تتجاوز تفاصيل كل يوم وتنظر إلى الاتجاه العام للممارسات التي يجري تكريسها.
"الأعياد كمنصة لتوسيع الحضور"
مع حلول مواسم الأعياد اليهودية تتصاعد الاقتحامات وتزداد الدعوات المرتبطة بتوسيع الوجود اليهودي داخل المسجد ، وتكتسب هذه الفترة أهمية خاصة لأنها تجمع بين النشاط الديني والتحرك الميداني والحماية الأمنية ، وهذا التداخل يجعل المناسبة الدينية جزءًا من مشهد سياسي وأمني أوسع في القدس ، فالمشكلة ليست في ممارسة الشعائر الدينية داخل إطارها الطبيعي بل في محاولة نقلها إلى مكان ذي هوية دينية وتاريخية مختلفة وفرضها داخله بالقوة.
"السليخوت في قلب المشهد"
السليخوت طقوس ترتبط بموسم التوبة والاستغفار في الديانة اليهودية غير أن إدخالها إلى المسجد الأقصى يمنحها بعدًا مختلفًا عن سياقها الديني التقليدي فالمكان هنا هو جوهر القضية ، وعندما تنتقل ممارسة دينية إلى داخل الأقصى تحت حماية أمنية فإنها تصبح جزءًا من الصراع على طبيعة المكان وعلى قواعد استخدامه ومن هنا تكتسب هذه الممارسات أهمية تتجاوز عدد المشاركين فيها أو مدة وجودهم داخل المسجد.
"حماية أمنية وأسئلة أكبر"
ومع وجود قوات الاحتلال إلى جانب المستوطنين أثناء الاقتحامات والطقوس يجعل المشهد أكثر تعقيدًا ، فالحماية لا تبدو مجرد تفصيل أمني عندما تصبح مرتبطة بصورة متكررة بممارسات دينية جديدة ، وهنا يبرز السؤال حول ما إذا كانت القوة تستخدم فقط لضبط الحركة أم أنها تساهم عمليًا في تمكين ممارسات تسعى إلى تثبيت حضور جديد داخل المسجد ، إن تكرار هذا المشهد هو ما يجعل الملف مفتوحًا على احتمالات أكثر خطورة في المستقبل.
"القانون الدولي والوضع القائم"
القضية لا تقف عند حدود الموقف السياسي الفلسطيني فهناك أيضًا إطار دولي يرتبط بحماية القدس ومقدساتها وبالحفاظ على الوضع القائم فيها ، وقد أكدت قرارات اليونسكو المتعلقة بالمدينة القديمة في القدس وأسوارها أهمية حماية أصالة الموقع وسلامته الثقافية كما شددت قرارات اللجنة على ضرورة احترام الوضع القائم في المسجد الأقصى وعلى مكانته باعتباره موقعًا للعبادة الإسلامية وجزءًا من التراث العالمي ، كما أعادت اليونسكو في قرارات لاحقة التأكيد على أن الإجراءات التي تستهدف تغيير طابع القدس أو وضعها لا تنسجم مع قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وأبقت المدينة القديمة وأسوارها على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر ، ومن المنظور القانوني فإن أي تغيير في طبيعة الموقع أو وضعه التاريخي لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل ميداني بل يطرح أسئلة تتصل بحماية الممتلكات الثقافية وبالتزامات القوة القائمة بالاحتلال وباحترام القرارات الدولية ذات الصلة.
"التقسيم الزماني في دائرة الخطر"
من أكثر الملفات حساسية مسألة توسيع أوقات الاقتحام وفتح فترات جديدة أمام المستوطنين ، فالزمن داخل المسجد جزء من طبيعة إدارته ومن الوضع القائم فيه وأي تغيير متدرج في هذه المسألة يمكن أن يترك أثرًا عميقًا على طبيعة المكان ، ولهذا فإن الحديث عن السليخوت لا يمكن فصله عن محاولات توسيع ساعات الاقتحام أو الدفع باتجاه حضور يهودي أكثر انتظامًا داخل الأقصى ، فكل تغيير في الزمن قد يتحول لاحقًا إلى تغيير في قواعد التعامل مع المكان.
"موقف فلسطيني لا يحتمل التأويل"
الموقف الفلسطيني واضح في رفض أي محاولة لفرض طقوس دينية يهودية داخل المسجد الأقصى أو تغيير طبيعته الإسلامية أو المساس بالوضع التاريخي والقائم فيه.
"الأقصى مسجد إسلامي"
وهذه الحقيقة ليست مرتبطة بموسم ديني ولا بظرف سياسي ، كما أن الدفاع عن الأقصى يأتي في إطار أوسع يتعلق بحماية القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية والحفاظ على وجود الفلسطينيين فيها ، ومن هنا فإن مواجهة أي تغيير في هوية المدينة تحتاج إلى تحرك سياسي ودبلوماسي وإعلامي وقانوني متواصل وإلى إبقاء قضية القدس حاضرة أمام المجتمع الدولي.
"القدس ليست مسجدًا فقط"
الأقصى يقع في قلب مدينة تحمل إرثًا إسلاميًا ومسيحيًا ضاربًا في التاريخ ، ولهذا فإن أي تغيير في المشهد داخل المسجد ينعكس على صورة القدس نفسها ، فالمدينة ليست مجرد مواقع دينية منفصلة عن بعضها إنها نسيج تاريخي وحضاري متكامل تشكل عبر قرون ، وفي هذا السياق يصبح الحفاظ على المقدسات جزءًا من الحفاظ على هوية المدينة وعلى حق سكانها الفلسطينيين في البقاء فيها والحفاظ على طابعها التاريخي.
"المعركة الحقيقية هي منع الاعتياد"
أخطر ما يمكن أن يرافق هذه التطورات هو أن يفقد المشهد قدرته على إثارة الانتباه بسبب تكراره.
فما يحدث مرة قد يثير الرفض ..وما يتكرر قد يصبح مألوفًا...وما يصبح مألوفًا يمكن أن يتحول إلى قاعدة جديدة إذا لم تتم مواجهته سياسيًا وقانونيًا وإعلاميًا ، وهنا تكمن أهمية الوعي الفلسطيني والعربي والدولي ، فالقدس تحتاج إلى متابعة دائمة لا إلى ردود فعل موسمية.
ختاماً إن المسجد الأقصى ليس واقعًا قانونيًا يمكن تغييره بمجرد تكرار الاقتحامات أو فرض ممارسات جديدة بالقوة كما أن هوية القدس ووضعها التاريخي لا يمكن إعادة صياغتهما بإجراءات أحادية الجانب والموقف الفلسطيني يستند في دفاعه عن الأقصى إلى جملة من المرجعيات والقرارات الدولية التي أكدت ضرورة حماية المدينة القديمة ومقدساتها والحفاظ على وضعها القائم. وقد شددت اليونسكو في قراراتها على أهمية احترام الوضع القائم في الأقصى وعلى حماية أصالة القدس وتراثها الثقافي والديني ، وعليه فإن أي ممارسة تستهدف تغيير طبيعة المسجد أو فرض واقع ديني جديد داخله يجب أن تخضع للمساءلة السياسية والقانونية وأن تكون موضع توثيق ومتابعة أمام الجهات الدولية المختصة ، فالاحتلال لا يمنح حقًا قانونيًا في تغيير هوية المكان...والقوة لا تنشئ شرعية...وتكرار الإجراء لا يحوله تلقائيًا إلى حق مكتسب.
أما القدس فتظل قضية ترتبط بالقانون الدولي وبحماية التراث وبحقوق سكانها وبالحفاظ على مقدساتها ، ولهذا فإن الموقف الفلسطيني لا يقوم فقط على الرفض السياسي لما يجري بل يقوم أيضًا على التمسك بالمرجعيات القانونية الدولية التي تحمي المدينة ومقدساتها وتمنع تحويل الأمر الواقع إلى حقيقة قانونية.
وفي القدس قد تفرض القوة مشهدًا مؤقتًا.
لكن المشهد المؤقت لا يصنع حقًا دائمًا.
والاقتحام لا يصنع سيادة.
والطقس لا يصنع ملكية.
والأمر الواقع لا يتحول إلى شرعية لمجرد أنه تكرر.
هذه هي الحقيقة التي يجب أن تبقى واضحة في كل نقاش حول المسجد الأقصى والقدس.
20/09/2026 04:59 pm
.png)







