
الحياة برس - يعيش الفلسطينيون في البلدة القديمة بمدينة الخليل واقعاً متزايد الصعوبة، في ظل القيود العسكرية الإسرائيلية وإغلاق الشوارع والأسواق، وتصاعد اعتداءات المستوطنين الذين يتمركز نحو 500 منهم في قلب المدينة، تحت حماية قرابة 1500 جندي إسرائيلي، وفق تقرير نشرته صحيفة «الشرق الأوسط».
وتكشف تفاصيل الحياة اليومية في البلدة القديمة عن معاناة السكان الذين ما زالوا متمسكين بمنازلهم، رغم الحواجز وبوابات التفتيش والقيود المفروضة على الحركة، في وقت تحولت فيه شوارع وأسواق كانت تعج بالحياة إلى مناطق شبه خالية، وأُغلقت محال تجارية عديدة بفعل الإجراءات العسكرية وصعوبة الوصول إليها.
ويواجه الفلسطينيون الراغبون في التنقل داخل بعض أحياء البلدة القديمة عمليات تفتيش متكررة وتدقيقاً في الهويات، فيما أُغلقت شوارع رئيسية، بينها شارع الشهداء وشارع السهلة، أمام معظم السكان، بحسب التقرير.
السكان يتمسكون بمنازلهم رغم التضييق
ونقل التقرير عن سكان في البلدة القديمة تأكيدهم أن الاعتداءات والقيود الإسرائيلية تصاعدت بصورة كبيرة منذ السابع من أكتوبر 2023، مع زيادة الحواجز وإغلاق الطرق وتكرار الهجمات على المنازل والممتلكات.
وأكد فلسطينيون رفضهم مغادرة منازلهم، خشية الاستيلاء عليها من قبل المستوطنين، معتبرين أن تضييق الخناق على حياتهم اليومية يدفع باتجاه إفراغ المنطقة من سكانها الأصليين.
وتعود جذور الاستيطان داخل البلدة القديمة إلى عام 1978، عندما سيطر مستوطنون على مبنى الدبويا، الذي أصبح يُعرف لاحقاً باسم «بيت هداسا». وتوسعت البؤر الاستيطانية في السنوات التالية، بالتزامن مع إغلاق أسواق ومرافق تجارية وفرض قيود على حركة الفلسطينيين.
وبحسب مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، وصل عدد المحال التجارية المغلقة في البلدة القديمة إلى نحو 1829 محلاً، بينها 520 محلاً أُغلقت بأوامر عسكرية، فيما أُغلقت المحال الأخرى بقرار من أصحابها نتيجة الحواجز وإغلاق الطرق وتراجع القدرة على ممارسة النشاط التجاري.
الحرم الإبراهيمي في قلب الصراع
ولا تقتصر المواجهة على الشوارع والمنازل، بل تمتد إلى الحرم الإبراهيمي، الذي يشكل أحد أبرز المواقع الدينية والتاريخية في الخليل.
وقال مدير الحرم، الشيخ معتز أبو سنينة، إن المصلين والموظفين يواجهون إجراءات تفتيش ومراقبة مشددة، تشمل البوابات الإلكترونية والكاميرات وتدقيق الهويات، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات تؤثر في وصول الفلسطينيين إلى المسجد وأداء الصلاة فيه.
وأضاف أن القيود ازدادت بعد أكتوبر 2023، ووصلت، وفق إفادته، إلى منع الفلسطينيين دون سن 25 عاماً من دخول الحرم.
ويخضع الحرم الإبراهيمي لتقسيم مكاني وزماني منذ المجزرة التي ارتكبها المستوطن باروخ غولدشتاين عام 1994، عندما قتل 29 مصلياً فلسطينياً. وأعقب المجزرة فرض ترتيبات قسمت الحرم بين المسلمين واليهود، مع سيطرة إسرائيلية على نحو 63 في المائة منه، وفق ما أورده التقرير.
ويخشى الفلسطينيون أن يتحول هذا التقسيم إلى نموذج يُطبّق في مواقع دينية أخرى، وفي مقدمتها المسجد الأقصى في القدس المحتلة.
سموتريتش يدفع نحو تغيير واقع الخليل
وتزامنت هذه التطورات مع خطوات إسرائيلية جديدة لتعزيز السيطرة على البلدة القديمة والمواقع الدينية فيها.
وأعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، خلال زيارة للحرم الإبراهيمي، أن الموقع يمثل، بحسب وصفه، «أول ملكية سيادية للشعب اليهودي»، في تصريحات تعكس مساعي الحكومة الإسرائيلية لتكريس سيطرتها على المكان.
وكان سموتريتش قد أعلن في يونيو الماضي إلغاء الترتيبات المتعلقة باتفاقية الخليل، واتخاذ إجراءات لسحب صلاحيات التخطيط والبناء في المنطقة المصنفة H2 من بلدية الخليل الفلسطينية، بما يشمل البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي والمناطق التي توجد فيها المستوطنات.
وتأتي هذه الخطوات في سياق اتفاق الخليل الموقع عام 1997، والذي قسم المدينة إلى منطقتين؛ H1، التي تمثل نحو 80 في المائة من المدينة وتخضع لإدارة السلطة الفلسطينية، وH2، التي تمثل نحو 20 في المائة وتحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية عليها.
ورفضت الرئاسة الفلسطينية وبلدية الخليل الإجراءات الإسرائيلية، محذرتين من تداعياتها على الوضع القانوني والسياسي للمدينة والاتفاقيات الموقعة بشأنها.
الخليل نموذج لما قد تواجهه الضفة الغربية
ويرى سكان وناشطون أن ما يجري في الخليل يتجاوز الإجراءات الأمنية، ليشمل صراعاً على الأرض والهوية والوجود الفلسطيني، في ظل استمرار الاستيطان وإغلاق المحال والقيود التي تعرقل الحياة اليومية.
وبينما يواصل بعض السكان التمسك بمنازلهم رغم المخاطر، تبرز المخاوف من أن تؤدي السياسات الإسرائيلية المتصاعدة إلى مزيد من النزوح من البلدة القديمة، وتغيير طبيعتها السكانية والتاريخية.
وتبقى الخليل، بما تحتضنه من مواقع دينية وتاريخية وبؤر استيطانية متداخلة مع الأحياء الفلسطينية، إحدى أبرز ساحات الصراع على الأرض في الضفة الغربية، في وقت تتزايد فيه المخاوف الفلسطينية من اتساع إجراءات السيطرة الإسرائيلية لتشمل مناطق أخرى.
15/10/2026 03:49 pm
.png)







