الحياة برس - اسلام القانوع - اعتدنا ان نسمع عن ظروف الايتام في بلادنا, فمنهم من فقد والده او والدته او الاثنين معا, لكن المأساة الاكبر تكمن في ان يعيش اطفال ايتاما رغم ان اباءهم على قيد الحياة.فالأب تاركٌ طفله تلاطمه ظروف الحياة تارة يمينا وتارة شمالا يصارع الايام وحيدا, فالطفل الفاقد لدور والده الذي من المفروض ان يكون بجانبه, يعينه في تحقيق طموحاته ومواجهة صعوبات الحياة, وينفق عليه ويوفر له مستلزماته, اصبح هو المعيل للاب في حالات كثيرة يوفر له قوت يومه وحاجياته.في ساحة الجندي المجهول وسط مدينة غزة يقف الطفل محمد عبد القادر الذي يتسول المارة حتى اصبح التسول مهنة له, ولاخرين من اقرانه, بل ظاهرة باتت منتشرة بين الكثير من اطفال القطاع, التقته "الحياة الجديدة" وقال: "ان والدي لم يتعرف علي ولا على اخوتي وامي، مع انه يعيش معنا في نفس البيت, ويأكل من اكلنا الذي نشقى للحصول عليه ", مضيفا ان اباه يتحكم في النقود التي يحصل عليها جراء تسوله طوال اليوم.وتابع : والدي يأخذ ما اكسبه من التسول للانفاق على اسرته الثانية, مضيفا ان اباه طلق امه منذ سنتين وكون اسرة اخرى, وظل يستخدمه واخوته في التسول للحصول على المال ليعيش منه.اما الطفل مهند فقال :" لا ارى والدي سوى مرتين في اليوم, الاولى حين يأتي لايقاظي صباحا واصطحابي لبيع البالونات, اما الثانية عندما اعود في وقت متاخر من الليل لياخذ ما حصلته من المال بعد عناء يوم طويل ", موضحا ان والده يعاقبه اذا تخلف في يوم عن البيع, منوها الى انه يجبر في بعض الاحيان للضغط على المارة والتعرض للاهانات منهم لقبول الشراء منه حتى لا يتعرض للعقاب والتوبيخ من والده.وتروي الطفلة (ا) التى يرسلها والدها للتسول معاناتها وتقول: "يرسلني والدي لأوفر لأسرتي لقمة العيش, لانه لم يعد قادرا على جلب متطلبات الحياة الاساسية للاسرة, فأذهب الى الشوارع والبيوت واطرق الابواب للحصول على بعض الحاجيات ".وبحسرة تمنت لو انه لم يكن لها اب, فتنظر اليها المؤسسات وتساعدها, لانها تشعر بانها يتيمة فعلا.من جانبه اشار الناشط الحقوقي يوسف صافي الى ان التسول في شوارع قطاع غزة اصبح ظاهرة موجودة وبشكل كبير, واصفا اياها باخطر الظواهر الاجتماعية التى حلت على مجتمعنا, وخصوصا ان اعداد الاطفال المهملين من قبل والديهم ما زال في تزايد بشكل كبير.ورأى صافي ان خطورة هذه الظاهرة تكمن في ان الابناء اليوم اصبحوا هم المعيلين لاسرهم بل ولابائهم بشكل عام, مبينا ان الظروف السياسية والاقتصادية وتزايد حالات الفقر والبطالة, اضافة الى الحصار من العوامل الرئيسة في تزايدهم, مؤكدا ان هذه الظروف ليست مبررا لتدمير شريحة الاطفال وحرمانهم من حقوقهم الطبيعية, خاصة ان كثيرا منهم يتسرب من المدارس او لا يذهب للمدرسة ابدا.واكد ان الطفل الذي يتركه والده ولا يساعده في بناء شخصيته يصبح عبئا على المجتمع نتيجة غياب الاهتمام والرعاية له من قبل الاسرة, مضيفا ان ترك الاباء لابنائهم وعدم السؤال عنهم وتوفير متطلباتهم يدفعهم الى العمل, اما في التسول او البيع الذي يتعرض الطفل من خلاله للكثير من الابتزاز والذل ويفقده كيانه وشخصيته, موضحا ان هذا يتناقض مع قانون العمل الفلسطيني وقانون العمل الدولي وعمالة الاحداث, منوها الى انه لا يسمح للاطفال دون سن الخامسة عشرة بالعمل.وفي السياق نفسه اوضح الاخصائي النفسي اسامة حمدونة ان هذه الظاهرة تشعر الطفل انه يتيم وهو في الحقيقة ليس بيتيم, حيث ان والده موجود على قيد الحياة, لكن غياب الرعاية والاهتمام وانعدام دور الاب يشعره بذلك, مشيرا الى ان لهذه الظاهرة تاثيرات سلبية على الابناء في ظل حاجتهم الحقيقية الى اجواء نمو نفسي واجتماعي طبيعية, وهذه لا تواجد للطفل الا في وجود والديه حوله, وقيامهما برعايته وحمايته.واكد حمدونة ان الطفل الذي يتعرض لهذه الظاهرة يتبنى موقفا سلبيا تجاه والده, ما يؤدي الى حالة من التشوه النفسي لديه, مضيفا انه من المفترض ان يختزل الطفل مفهوما صحيحا عن الوالد ودوره، مبينا انه في هذه الحالة قد يؤدي غياب دور الأب الى تشكيل صورة مشوهة في ذهن الطفل عنه وتوتر في العلاقة بينهما مستقبلا.