الحياة برس - نكمل معكم الحلقة الثالثة من حلقات مقابر الأحياء ، التي تتحدث عن معاناة الاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الاسرائيلي ، مع الأسير المحرر : مصطفى ابو سيدو .كُنّا قد وصلنا في حديثنا من الحلقات السابقة من سلسلةِ مقابر الأحياء, إلى بعض صور الحياة اليومية للأسير الفلسطيني داخل السجون,  واليوم سَنُسَلّط الضّوْء على أشكال جديدة من المعاناة.أولاً / رحلةُ الموت -البُوُسْطَة :..تقوم إدارةُ مصلحة السجون الإسرائيلية بنقل الأسرى من سجن إلى آخر, أو من السجون إلى قاعات المحاكم بين الفترة والأخرى ، وهذه ما تعرف بالمصطلح العبري " البُوُسْطة "  وهي رحلة عذاب وموت بامتياز ، حيث يتم وضع عدد من الأسرى داخل حافلات نقل عسكرية، هي أشبه بالقبور المتحركة، لا سيّما أنّها مغلقة تماماً ولا يوجد بها نوافذ وتحتوي على ثقوب صغيرة من أجل دخول الهواء فقط ، علاوةً على أنّ الأسير يجلس في الحافلة على كرسي حديدي بَحْتْ ، مقيد اليدين والرجلين, علماً بأن هذه النقلية تستمر لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة في وسط الصحراء ، أو في ظل أجواء باردة لا يستطيع الأسيرُ على كلا الأمرين أن يتحمل مرارة وعذاب النقل ,ففي الصيف تصل درجة الحرارة داخل الحافلة ، إلى خمسين ، الأمر الذي يؤثر على صحة المعتقل ولا يتحمله إنسان ، فيكاد الأسير أن يدخل في مرحلة الإغماء ، نتيجة ارتفاع الحرارة والرائحة الكريهة التي تنتج عن عرق الموجودين في الحافلة، حتى أنّ العديد من الأسرى كانوا يسجدون سجدة شكر لله إذا ما انتهت رحلة عذابهم بسلام، الأمر الذي يعكس سياسة الإحتلال الاسرائيلية المتعمدة في إذلال الأسرى وقهر إرادتهم.ثانيا : زيارة الأهل :..يُسمح لذوي الأسير لزيارة ابنهم المعتقل كل أسبوعين مرة واحدة لا تتجاوز مدة الزيارة 45 دقيقة، حيث أنّ أهل الأسير يخرجون من بيوتهم في ساعات الفجر الأولى متجهين في حافلات نقل تابعة للّجنة الدولية للصليب الأحمر نحو السجون, يتعرضون خلالها على الحواجز العسكرية الإسرائيلية للتفتيش المهين لكرامة الإنسانية ،إلى أنْ يصلوا السجن الذي يقبع فيه ابنهم المعتقل ، فتبدأ مرحلة تفتيش أخرى من قبل شرطة السجن ويمكث لساعات طويلة جالسين في العراء دون توفير أماكن نظيفة وصحية تقيهم حر الشمس وبرودة الطقس، حتى أن الأهالي أكّدوا أنه لا يتوفر مراحيض لقضاء حاجاتهم في ساحات الإنتظار, ثم يسمح لهم على دفعات للدخول إلى غرف الزيارة التي يفصل فيها بين الأسير وأهله ألواح زجاجية كبيرة, لا يستطيعا أنْ يتبادلا الطرفان حديثهم, إلاّ عن طريق هواتف موجودة في كلا الجهتين, لافتين إلى أنّه في كثير من الأحيان يتم إرجاع الأهل عن باب السجن بعد رحلة سفر طويلة شاقة, ومنعهم من زيارة ابنهم المعتقل ، حتى أنّ الأسير في كثيرٍ من الأحيان كان لا يتمنى أنْ يأتيَ إليه أهله لزيارته، ليس عدم اشتياق لهم بل رأفةً وشفقة بأهله من ساعات العذاب الطويلة، وسرعان ما تنتهى دقائقُ الزيارة التي انتظرها الأسير وأهله بفارغ الصبر, لا سيما الأسرى الذين قد مضى على عدم زيارتهم سنوات طويلة, لتبدأ لحظاتُ الوداع من جديد, وأصعب ما في الزيارة تلك اللحظات, فيُسحبُ الأسير من قبل شرطة السجن أمام أهله, وهو ينظر إليهم نظرة حسرةٍ وألم, ليعيشَ بعدها ساعات بكاء وحزن, ليستذكر تفاصيل نظرات أمّه  الذي تمنى أن تحتضنه ولو لثواني محدودة، أو أن يُقبّلَ أبنائه الذين كبروا وهو بعيد عنهم, دون أن يعيش معهم أفضل لحظات طفولتهم.فصدق من قال" ملعون السجن والسّجان"