يوجد فيروس جنون عالمي. وهو يعربد ويهاجم الطبقة السياسية الحاكمة. خطير، هدام. وهاكم بعض ضحاياه في الزمن الاخير.
**الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القى الاسبوع الماضي خطابا قتاليا قوميا، لقب "الهاذي" بعيد عن استنفاد مضمونه المنكر. فقد فصل بوتين الابتكارات التكنولوجية الاخيرة للجيش الروسي، المأخوذة مباشرة من مسلسل العلم الخيالي. فقد بشر بأسلحة حديثة ليست في إطار الممكن التكنولوجي، أو جربت في الماضي وفشلت، أو كلفة تطويرها اكثر جسامة من أن يتحملها الاقتصاد الروسي المتعثر. ولاضفاء بعد إنساني لقصصه الخيالية، طلب بوتين من مواطني بلاده ان يقترحوا اسماء للصواريخ، للمتملصات وللغواصات غير المأهولة. كل هذا في دولة لن تنجح الصناعة المتطورة فيها حتى الآن في انتاج سيارة مسافرين، حاسوب شخصي، جهاز تلفزيوني أو هاتف ذكي.
**الرئيس الأميركي دونالد ترامب حط الارقام القياسية بذاته في ادارة شؤون البيت الابيض وشؤون أميركا، من خلال التصريح بالاقوال المتناقضة، الاوامر الرئاسية غير القابلة للتطبيق والتقلبات الشخصية. لقد انجرف ترامب إلى دوامة هوائية تلقي إلى الخارج بكل مقربيه وتهز مؤسسة الرئاسة. فوضاه الرئاسة لم تعد محصورة في تزلف هادئ للروس بتحقيق اعمال تجارية خاصة وبتغريدات غير ملجومة في ساعات الليل، بل اصبحت الغاية الوحيدة للرئاسة. انعدام الثقة فيه مطلقة لدرجة ان حتى الاسواق الاقتصادية الحساسة لم تعد تتأثر باعلاناته، تتنكر بسرعة لترهاته. لحظات سواء العقل لدى ترامب تقل أكثر فأكثر. الفراغ الكبير في قمة القوة العظمى العليا الديمقراطية الوحيدة في العالم، تقشعر له الأبدان.
**الرئيس الصيني شي جيفنغ، نشيط حزبي ثقيل اللسان وعديم الرؤيا الذي بصعوبة شق طريقه إلى المنصب العالي لرئيس القوة العظمى الاسيوية، طلب تغيير الدستور كي يضمن لنفسه سيطرة تامة على الدفة. وهو يسعى بقوة للعودة إلى الايام الظلامية لعبادة الشخصية، قمع الحقوق، عمليات التطهير الوحشية، والاضطهادات السياسية التي ميزت حكم قاتل الجماهير ماو. خبراء الصين في الغرب اصيبوا بالذهول، رغم ان سلوك شي شهد منذ زمن بعيد، ميول دكتاتورية متعاظمة. هذه لم تلجم، بل نالت الزخم فقط. واضح ان ليس الاعتبار الاقتصادي العقلاني هو الذي يدفعه للعودة إلى نظام الطغيان: السير البطيء، الحذر والمتردد نحو التحول الديمقراطي انتج للصين أربعة عقود من الصعود والازدهار غير المسبوقين. إذن ماذا هناك؟ الفيروس الغريب، أغلب الظن.
**رئيسة الوزراء تريزا ماي تجر بريطانيا العظمى، بخلاف كل منطق اقتصادي ومصلحة قومية إلى أزمة عميقة فقط لأنها هي نفسها والطبقة السياسية حولها غير مستعدتين لمواجهة نتائج استفتاء شعبي زائد، غير ديمقراطي وغير ملزم ادير في اجواء دعاية كاذبة. فهل هذا ضعف عقل أم ضياع عقل؟
**وغيره: الايطاليون يتوجهون اليوم (أمس) لان ينتخبوا بين احزاب اليمين الفاشي الجديد وبين الاحزاب الشعبوية الفاشية الجديدة، الموسولينية الجديدة. جنون. القيادة السياسية لبولندا التي كانت قبل سنة دولة نموذج اجتازت بنجاح زائد لتصبح ديمقراطية ليبرالية واقتصاد نامٍ، تدهور بلادها إلى كوابيس تاريخية، إلى نظام احادي الحزب كاسح وإلى عزلة قومية. على حكومة سلوفاكيا، كما يتبين، سيطرت مافيا صقلية. رئيس فنزويلا، التي يُغرق اقتصادها، يخترع "عملة بترو وهمية"، اختراع آخر كل غايته قمع وخداع الشعب. والقاتل من دمشق يواصل بقوة اكبر قتل شعبه.
وعندنا، من بالضبط يبدو هنا سوي العقل؟ رئيس الحكومة مشبوه باعطاء طيبات على شكل رشوة زوجته عقيلته؟ النواب احريديم الذين يضغطون للاقرار الفوري لقانون يعرف عبادة الرب كعمل يحرره من الخدمة في الجيش الإسرائيلي. رؤساء المؤسسة السياسية، بكل الوانها تقريبا، الذين يختارون الا يروا الاضطراب المتزايد في المناطق الفلسطينية، ويتجاهلوا الآثار المتعاظمة "للاحتلال المُفسد"، على حد تعبير تحذيرات المفكر يشعياهو ليفوفيتش ورئيس الحكومة ارئيل شارون، على اجهزة القانون، النظام والعدل في دولة إسرائيل. فيروس فتاك يؤدي إلى فقدان القيم والمعايير يدور في القمم السياسية العالمية ويوقع الضحية تلو الضحية. يبدو هذا كبداية لايام قاتمة.

calendar_month05/03/2018 12:04 pm