
بقلم: عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين – الدكتور وسيم وني
لم يكن موسم الأعياد العبرية هذا العام في المسجد الأقصى المبارك مجرد محطة جديدة في مسلسل الاقتحامات بل حمل مشهدًا أكثر كثافة اتسعت فيه أعداد المقتحمين وتنوعت ممارساتهم بالتزامن مع تشديد القيود على وصول المصلين الفلسطينيين إلى أحد أقدس أماكنهم الدينية ، وبحسب معطيات محافظة القدس فقد بلغ عدد قطعان المستوطنين الذين اقتحموا المسجد الأقصى خلال موسم الأعياد 11,409 مستوطنين بينهم 593 خلال رأس السنة العبرية، و1,678 خلال يوم الغفران، فيما شهد عيد العرش الذروة بـ 9,138 مستوطنًا خلال أيامه المرصودة.
هذه الأرقام لا تعكس وحدها حجم المشهد فالأهم كان في طبيعة ما رافق الاقتحامات من صلوات جماعية وسجود وترانيم ورقص وتصفيق ونفخ في الشوفار، إلى جانب إدخال كتب الصلاة وأدوات وقرابين نباتية مرتبطة بعيد العرش بينها سعفة النخيل وأغصان الآس والصفصاف والإتروج، فضلًا عن استخدام "التفلين" ، و بالطبع بحماية شرطة الاحتلال تحركت مجموعات متعاقبة وفق مسارات ومواعيد محددة تبدأ عادة من باب المغاربة وتمتد عبر أجزاء من باحات المسجد وصولًا إلى باب السلسلة. وهو ما يكشف عن اقتحامات ذات طابع منظم، لا عن دخول أفراد بصورة عشوائية أو منفردة.
وهنا المشهد الأكثر دلالة خلال موسم الأعياد حيث يتمثل في انتقال الاقتحام من مجرد دخول إلى ممارسة طقوس دينية علنية داخل باحات المسجد فقد وثقت وسائل الإعلام صلوات وسجودًا وترانيم وطقوسًا جماعية إلى جانب إدخال الأدوات الدينية ومشاركة حاخامات وقيادات من جماعات مرتبطة بما يسمى "الهيكل" وبرزت المنطقة الشرقية بصورة خاصة بعدما تحولت من محطة ضمن مسار الاقتحام إلى مساحة يتكرر فيها المكوث وأداء الطقوس والصلوات، وصولًا إلى المصاطب والمناطق المشجرة ومحيط مصلى باب الرحمة ، وهنا تتجاوز المسألة حدود الاقتحام ذاته لتلامس طبيعة الحضور داخل المسجد والمدة التي يمكثها المقتحمون والمساحات التي تتكرر فيها ممارساتهم.
بالطبع في الوقت الذي اتسعت فيه الاقتحامات والطقوس واجه أبناء شعبنا الفلسطيني في القدس قيودًا متزايدة على الوصول إلى المسجد ، وشملت الإجراءات منع مصلين من الدخول وإبعاد آخرين وفرض قيود على الحركة في البلدة القديمة ومحيط الأقصى إلى جانب التضييق على موظفي دائرة الأوقاف الإسلامية وهنا رُصد نحو 900 قرار إبعاد عن المسجد الأقصى منذ بداية عام 2026، فيما مُنع صحفيون وناشطون من الدخول والتوثيق، ما حدّ من حضور الكاميرا الفلسطينية داخل المسجد ، ولا تكمن أهمية ذلك في التغطية الإعلامية وحدها فالصورة القادمة من داخل الأقصى تمثل شهادة مباشرة على ما يجري في مكان شديد الحساسية دينيًا وتاريخيًا وسياسيًا وغيابها يترك مساحة أوسع للروايات التي تُنتج خارج المشهد الفلسطيني.
وطبعاً لا يمكن قراءة موسم الأعياد بمعزل عن التطورات التي شهدتها القدس خلال العام فوفق التقرير الربعي لمحافظة القدس، بلغ عدد المستوطنين الذين اقتحموا الأقصى خلال الربع الثالث من عام 2026 27,830 مستوطنًا، إلى جانب تسجيل 357 حالة اعتقال و73 قرار إبعاد، معظمها عن المسجد، و139 عملية هدم وتجريف، و140 اعتداء نفذه مستوطنون ، كما امتدت مظاهر التصعيد إلى محيط المسجد والبلدة القديمة، بالتزامن مع انتشار أمني وقيود على حركة الفلسطينيين، ليصبح الأقصى ومحيطه أمام مشهد متداخل بين كثافة الاقتحامات والطقوس من جهة، وتقييد الحضور الفلسطيني من جهة أخرى.
وهنا تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ظل التأكيد الفلسطيني والأردني على ضرورة الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى وعدم تحويل الاقتحامات إلى واقع دائم أو نقلها من مجرد دخول إلى ممارسة طقوس دينية جماعية وعلنية داخل باحاته ، ومع اتساع الطقوس وتكرارها بالتوازي مع تقييد وصول المصلين والصحفيين والموظفين الفلسطينيين، يتشكل مشهد جديد تتداخل فيه الأعداد مع الممارسات، والحضور مع الغياب، والاقتحام مع محاولة تثبيت صورة مختلفة للمكان.
ختاماً إن ما جرى في المسجد الأقصى خلال موسم الأعياد العبرية لا تختصره أرقام المقتحمين مهما كانت كبيرة فجوهر المشهد يكمن في ثلاثة مسارات متزامنة: ارتفاع أعداد الاقتحامات واتساع نطاق الطقوس والممارسات الدينية وتشديد القيود على الحضور الفلسطيني.
ومن هنا فإن السؤال لم يعد فقط: كم عدد الذين اقتحموا الأقصى؟ بل: ماذا يفعلون داخله وأين يمكثون، وما الذي يتكرر أمام أعين العالم ومن يُمنح حق الحضور والتوثيق ومن يُدفع إلى خارج المشهد؟...فالمسجد الأقصى ليس مجرد مساحة جغرافية تُقاس بعدد الداخلين إليها، وإنما مكان تتقاطع فيه الذاكرة والدين والتاريخ والهوية وما يتكرر في ساحاته اليوم لا يبقى بالضرورة حدثًا عابرًا إذ إن تراكم الممارسات، عامًا بعد عام، قد يصنع واقعًا جديدًا، فيما تصبح تفاصيل الحضور والغياب جزءًا من معركة أوسع على صورة المكان ومستقبله.
وفي القدس حيث تختزن الحجارة ذاكرة قرون قد تبدأ محاولات تغيير المشهد بخطوة ثم بطقس ثم بصورة تتكرر حتى تبدو مألوفة ولهذا فإن قراءة ما يجري في الأقصى لا تبدأ من عدد المقتحمين وتنتهي عنده بل من السؤال الأعمق: أي مشهد يُراد للأقصى أن يكون عليه غدًا؟
03/10/2026 09:13 pm
.png)







