مقالات رأي - الكاتب والباحث سليم الشماعي


في السياسة لا تُقاس قوة الحضور بعدد الأصوات التي ترتفع ولا بحجم الصور التي تتصدر المشهد ولا بكثرة البيانات التي تُكتب وتُتداول هنا وهناك ، فثمة حضورٌ آخر أكثر عمقًا وأشد تأثيرًا حضورٌ يُبنى بهدوء ويكبر بالتراكم وتكشف نتائجه الأيام حين تنحسر الضوضاء وتبقى الحقائق وحدها في الواجهة.

في هذا النوع من العمل يمكن قراءة تجربة سفير دولة فلسطين لدى الجمهورية اللبنانية الدكتور محمد الأسعد الرجل الذي اختار منذ تولّيه مهامه وخلال فترة قصيرة أن يجعل الدبلوماسية ممارسة يومية هادئة وأن يضع فلسطين في قلب مهمته وأولوياته وأن يتعامل مع موقعه لا باعتباره امتيازًا بروتوكوليًا فحسب بل مسؤولية وطنية تقتضي الانفتاح والحضور وبناء الجسور.

ففي زمنٍ بات فيه بعض الحضور العام أسيرًا للصوت العالي تبدو الدبلوماسية الهادئة أكثر حاجة من أي وقت مضى لأنها لا تُدار بمنطق الاستعراض وإنما بمنطق المعرفة الدقيقة بالناس وبموازين القوى وبحساسية العلاقات وبالقدرة على تحويل المساحات الصغيرة إلى فرصٍ سياسية أكبر.

فالدبلوماسية في جوهرها ليست صورةً خلف علم ولا مصافحةً أمام عدسات الكاميرات إنها فن إدارة المسافات وفهم التناقضات واكتشاف نقاط الالتقاء وصناعة الثقة حيث يبدو الاختلاف عميقًا.

ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة الدكتور الأسعد قائمة على قاعدة واضحة: أن يكون لفلسطين حضورٌ فاعل من دون أن تكون طرفًا في صخبٍ لا يخدمها.

فالعمل الحقيقي في السفارات كثيرًا ما يحدث بعيدًا عن الضوء في لقاءات مغلقة واتصالات هادئة ونقاشات طويلة ومحاولات متواصلة لفهم المواقف وفتح مساحات جديدة للحوار.

وهذا تحديدًا ما يجعل العمل الدبلوماسي الجاد مختلفًا عن الحضور الإعلامي العابر فالإعلام قد يصنع لحظة أما الدبلوماسية فتصنع مسارًا.

و من أهم المهام التي تواجه الدبلوماسية الفلسطينية في لبنان المحافظة على صورة الفلسطيني باعتباره صاحب قضية وطنية عادلة وفي الوقت نفسه إنسانًا يعيش بين اللبنانيين يحترم بلدهم ويتفاعل مع مجتمعهم ويتمسك بجذوره وحقوقه وانتمائه الوطني.

وهنا تصبح مهمة السفير أبعد من تمثيل دولة أمام دولة إنها مهمة إعادة تقديم فلسطين في كل لقاء وكل مساحة حوار وكل علاقة سياسية وإنسانية بوصفها قضية شعبٍ له تاريخ وحقوق وتطلعات وبوصف الفلسطينيين في لبنان مكوّنًا إنسانيًا واجتماعيًا يحمل فلسطين في وجدانه دون أن يفقد احترامه للبلد الذي احتضنه.

وقد أدرك الدكتور الأسعد في هذا السياق أن الصورة لا تُبنى بالخطابات وحدها وإنما بالسلوك، وبالعلاقات وبالقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف وبإيصال الرسالة الفلسطينية إلى حيث يجب أن تصل.

وبالطبع ثمة فارق كبير بين سفير ينتظر أن تأتيه العلاقات وسفير يذهب إلى صناعة العلاقات فالسياسة اللبنانية بتعقيداتها وتنوعها وتعدد مكوناتها تحتاج إلى قدرٍ عالٍ من المرونة والوعي والحكمة فالنجاح في بناء علاقة سياسية متينة لا يتحقق بمجرد اللقاء وإنما بما يتركه اللقاء من ثقة وما ينتج عنه من تواصل وما يفتح بعده من أبواب.

وفي هذا المجال نجح الدكتور الأسعد في توسيع دوائر التواصل مع شخصيات وقيادات سياسية لبنانية وفي بناء جسور مع مواقع وقوى مختلفة واضعًا فلسطين في مساحة الحوار بدل أن تبقى حبيسة الخطاب التقليدي.

إنها دبلوماسية تدرك أن المصالح قد تختلف وأن الرؤى قد تتباين لكن احترام الآخر والحوار معه لا يعنيان التخلي عن الثوابت.

بل ربما تكون هذه هي إحدى أهم قواعد السياسة: "أن تعرف كيف تختلف دون أن تقطع الجسور."

لكن الدبلوماسية لا تكتمل بالسياسة وحدها ، فالسفير الذي يستطيع الوصول إلى أصحاب القرار لكنه لا يستطيع الوصول إلى أبناء شعبه يظل جزءًا من المعادلة ناقصًا.

ومن هنا تكتسب العلاقة التي أقامها الدكتور الأسعد مع أبناء الشعب الفلسطيني في لبنان دلالة خاصة إذ أبقى باب السفارة مفتوحًا أمام من يقصدها وتعامل مع الناس باعتبارهم جزءًا من جوهر المهمة لا تفصيلًا هامشيًا فيها.

فالإنصات للناس ليس عملًا بروتوكوليًا واستقبال أصحاب المطالب والقضايا ليس مجرد واجب إداري إنه في جوهره اعتراف بأن الدبلوماسية الفلسطينية تبدأ من الإنسان الفلسطيني وتنتهي إليه.

وما قيمة السفارة إن لم يشعر الفلسطيني بأن خلف أبوابها من يسمعه ويحمل قضيته ويحاول أن يجد لها مكانًا في دوائر القرار والحوار؟

ويعد أصعب ما في العمل العام أن يحافظ المسؤول على هيبة موقعه دون أن يتحول الموقع إلى حاجز بينه وبين الناس وهذه معادلة دقيقة.

فالمسؤول يحتاج إلى الحضور لكنه لا يحتاج إلى الاستعلاء يحتاج إلى الحزم لكنه لا يحتاج إلى الانغلاق يحتاج إلى شبكة واسعة من العلاقات لكنه لا ينبغي أن يفقد بوصلته الأساسية.

وفي تجربة الدكتور الأسعد، يبدو هذا التوازن حاضرًا في طبيعة الحضور الذي اختاره لنفسه: قريبٌ من الناس، منفتحٌ على القيادات، حاضرٌ في المشهد، ومتمسكٌ بفلسطين باعتبارها البوصلة الأولى.

وهنا العلاقة الفلسطينية اللبنانية ليست علاقة عابرة فرضتها الجغرافيا بل هي علاقة صنعتها عقود من التاريخ والدم والتضحيات والذاكرة المشتركة.

ولهذا فإن سفير فلسطين في لبنان لا يحمل ملفًا دبلوماسيًا عاديًا.

إنه يتحرك داخل مساحة شديدة الحساسية تتداخل فيها القضية الفلسطينية مع التاريخ اللبناني ومع الوجود الفلسطيني ومع الذاكرة الوطنية ومع الملفات الإنسانية والاجتماعية والسياسية.

ومن هنا، فإن كل خطوة دبلوماسية ناجحة لا تُقاس فقط بما تحققه في لحظتها وإنما بما تضيفه إلى رصيد العلاقة بين فلسطين ولبنان.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي حضور دبلوماسي: هل يترك خلفه مزيدًا من الثقة؟ هل يوسع دائرة الأصدقاء؟ هل يحمي صورة القضية؟ هل يجعل فلسطين أكثر حضورًا واحترامًا؟ 


ربما يكون من السهل أن يصنع الإنسان حول نفسه ضجيجًا لكن الأصعب أن يصنع أثرًا.

والضجيج بطبيعته سريع، أما الأثر فيحتاج إلى وقت.

لهذا فإن الدبلوماسية التي تستحق التوقف عندها ليست تلك التي تستهلك نفسها في إثبات وجودها وإنما تلك التي تجعل وجودها محسوسًا في النتائج.

والدكتور محمد الأسعد في تجربته سفيرًا لدولة فلسطين لدى الجمهورية اللبنانية اختار هذا الطريق: أن يعمل أكثر مما يتحدث، وأن يترك للعلاقات التي يبنيها وللأبواب التي يفتحها، وللصورة التي يرسمها لفلسطين، مهمة الحديث عنه.

وليس المقصود هنا أن الدبلوماسية ينبغي أن تكون صامتة دائمًا بل إن الصمت حين يكون واعيًا قد يكون موقفًا والكلمة حين تكون محسوبة قد تكون قوة، واللقاء حين يكون في مكانه قد يساوي عشرات الخطب.

في النهاية، لا ينبغي أن يكون السفير هو القصة.

القصة هي فلسطين.

ولا ينبغي أن يكون الموقع هو الغاية.

الغاية هي خدمة القضية وأبناء الشعب.

ولا ينبغي أن تكون العلاقات السياسية مجرد شبكة من الصور واللقاءات.

قيمتها الحقيقية أن تتحول إلى جسورٍ تعبر من خلالها فلسطين إلى مساحات أوسع من الفهم والاحترام والتأثير.

وهنا تكمن قيمة العمل الذي يقوم به الدكتور محمد الأسعد في أنه يحاول أن يجعل من الدبلوماسية وسيلةً لحماية حضور فلسطين وتعزيز صورتها، وتقوية علاقاتها، وخدمة أبنائها بعيدًا عن الحسابات الصغيرة وعن الحاجة الدائمة إلى الأضواء.

"ففي السياسة، لا يكون الأقوى دائمًا من يتحدث أكثر بل من يعرف ماذا يقول ومتى يقول، ولمن يقول وماذا يفعل بعد أن ينتهي الكلام."

وفي زمن تتسابق فيه الأصوات إلى الواجهة يبقى هناك نوع آخر من الحضور حضور لا يرفع صوته، لكنه يفتح بابًا ويبني علاقة ويستعيد ثقة، ويضع فلسطين في المكان الذي تستحقه.

ذلك هو الاختبار الحقيقي للدبلوماسية: أن تعمل بصمت، وأن تتحدث بالنتائج وأن يبقى الوطن هو الاسم الذي يسبق اسم صاحبه.

وهكذا، بين هدوء الأداء وصلابة الموقف وبين انفتاح الباب وهيبة الموقع يمضي الدكتور محمد الأسعد في مهمته واضعًا فلسطين في المقدمة لأن السفير، مهما علا شأنه لا ينبغي أن يكون أكبر من القضية التي يمثلها.
calendar_month05/10/2026 10:10 pm