
نعيش اليوم في زمن الغربة، غُرباء في هذا العالم العجيب الغريب، المتُقلب، والمتغير ، والمتُحول مثل شهر شباط خباط ليس عليه رباط؛ وكأننا في وسط ظُلمت بحرٍ لُجيٍ متلاطم الأمواج يغشاهُ موجٌ من فوقه سحاب؛ ظلمات حالكاتٍ بعضها فوق بعض.
حينما يولد الإنسان في هذه الدُنيا الفانية تبدأ مراحل حياته تنطلق مُسرعةً من كونهِ طفلاً صغيرًا رضيعًا مولودًا يُلف بعد ميلادهِ في لفة كفولة بيضاء، ولا حول له ولا قوة، ولا يستطيع حتى إطعام نفسه؛ ثم ينتقل لمرحلة أُخرى شبلاً، أو زهرةً، ثم شابًا قويًا يافعًا نشيطًا نافعًا لنفسه، ولمجتمعهِ أو يكون العكس فاشلاً كسوُلاً ضارًا وبوالديه ليس بارًا؛ وبعد القوة، والفتوة، والشباب، والزهو، والعلو، والصعود تبدأ مرحلة الهبوط، مع التقدم في العمر وبعدها يشتعل الرأس شيبًا، ومن ثم لو قدر الحياة فيبلغ من الكبر عثيًا؛ وحينئذٍ يكون قد وهن العظم منهُ، وانحني ظهره، وقوامه الذي كان منتصبًا شامخًا فترة الشباب؛ حتى يرجع كيوم ولدتهُ أُمهُ، وربما يصير مريضًا طريح الفراش. "كما بدأكم تعودون"؛ وربما يصبح لا يستطيع أن يسقى نفسهُ شربه ماء، ومن ثم يأتيه الموت قال تعالى: "منها خلقناكم، وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم تارةً أُخرى"؛ وبعدما يموت يوضع في اللفة مرة ثانية، ولكنها هذه المرة تكون اللفة هي لفة الكفن الأبيض؛ وتلك الدنيا، بين لفة ولفة تأخذنا في لفة؛ ولو عاش الإنسان ألف سنة حينما يقترب أجلهُ يشعر كأن حياته كلها التي عاشها هي فترة قصيرة جدًا، كمن دخل من باب وخرج من باب أخر؛ لأننا غرباء في دنيا فانية غير باقية نحن فيها ضيوف، وسرعان ما تنتهي، وتنقضي، وأما دارنا الحقيقة التي لا نكون فيها غرباء ولا أشقياء هي الجنة العالية خالدون لا يرون فيها شمسًا ولا زمهريرًا؛ ولذلك العاقل يصحب في الدنيا ما يصحبه معه في قبره من عمل الصالحات، ويعيش في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل.
وفي هذه الدنيا تزداد غربة الإنسان المؤمن الصالح، غربة فوق غُربة حينما يعيش في وطن، ومجتمع يطفو فيه على السطح النفاق، والمنافقين، والشقاق، والنزاع؛ في مجتمع غريب عجيب لا ينزلوا الناس منازلهم، ولا يعطى العالم قدره!؛ في مجتمعٍ يكون فيه ضمير بعض أصحاب النفوذ، والقرار ، والسلطان، في حكم الميت، والضمير الغائب وأما الأخلاق عندهم فضميرٌ مستتر غائب نائم!؛ وكثيرًا ما تجد في هذا الزمان من يُوسد له الأمر ، وهو سفيه ليس أهلٌ له. ولا يستحقهُ، ولكن صعد إليه عنوةً أو بالواسطة، والمحسوبية أو الرشوة، أو من خلال نفوذه عبر المال، أو الجاه والقوة، والبطش، أو طرق أُخرى ملتوية؛ وقد تجد يلتف من حوله بطانة السوء من الأفاكين السفهاء الجُهلاء البُلهاء ممن انتفخت كروشهم، وجيوبهم بالمال الحرام، فدخلوا الحضيرة الكبيرة الخطيرة، وأكلوا من كل الفطيرة. وتستمر عجلة الحياة بالدوران فلا تتوقف بموت أحد، ونحن نعيش ما بين ماضٍ من الزمانِ، وآتٍ وقد كان أن بعض الناس قد حكمت بعض البلاد، والعباد، فكان منهم العادل السابق بالخيرات ومنهم الظالم لنفسه، ولشعبه كثير الهفوات، والزلات والسيئات، والسقطات؛ ومنهم من ملأت لقاءاته وتصريحاتهُ نشرات الأخبار، وكثيرًا ما شغل الشاشات ظهورًا، وحضورًا، وتصريحًا، يتلوه تصريح، مثل هبوب الريح؛ يعشق الظهور ؛ وأحيانًا تجدهُ منذُ ساعات الصباح يصيح صياحٌ، ويصرح كل يوم تصريح مُتقلب الأهواء، والمزاج، وغالبًا ما يكون تصريحهُ بعيدًا عن القول الصريح الصحيح؛ ففي زمن الغربة تتغير الأمور، وتتبدل الأحوال لغير حال؛ وقد يصعد قمة الهرم عُتلٌ مُحتال مُختال؛ ولكن دوام الحال من المحال؛ ومهما عاش الإنسان الحر الشريف العفيف المعطاء النقي التقي في عالم فيه الدجل، والدجالون والجهل والجاهلون، وفيه بعض التجار الفجار، وممن تولى المنصب الرفيع، وهو إنسان جاهل مُضيع للأمانة، وقد وسد الأمر له، وهو غير أَهلٍ لهُ؛ فتصبح الغربة في الدنيا أشد، وأنكى من ذي قبل؛ ويشعر فيها الإنسان المثقف المثابر الصابر العالم الحر الشريف الخلوق أنه غريب، ويعش في الدنيا غريب؛ فلا يساوم على مبادئ، ولا يبيع الوهم، ولا الشعارات الكاذبة الرنانة، ولا يتغير، ولا يتبدل عن مواقفه، ولا يشترى بالمال، ولا يباع حتى يخرج من الدنيا فيرتاح عند لقاء أرحم الراحمين، ويسعد بحسن الختام، وبمرافقة سيد الأنام ويسعد بصحبة سيدنا النبي الحبيب؛ فما أصعب هذا الزمان زمن الغربة الذي نحياه اليوم، والذي انقلبت فيه الموازين، واختلت المعاير ، وقد أصبح وكأنه الباطل حق، والحق باطل!؛ ويتكلم فيه الرويبضة من السفهاء في أمر عامة الناس، ويلبس فيه الفاجر عباءة الزاهد العابد أمام الناس؛؛!! وفي هذا الحال نقول على الدنيا السلام بين ماضٍ من الزمانِ وأتٍ. ..
الأديب الكاتب والباحث المفكر العربي والإسلامي
أ.د.جمال عبد الناصر محمد أبو نحل
رئيس المركز القومي لعلماء فلسطين والاتحاد العام للمثقفين والادباء العرب بفلسطين
09/10/2026 04:16 pm
.png)






