( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
ما زالت الانتخابات الأمريكية ضمن صراعات مناهجها وبرامجها ووعودها وخخخطها يؤثّر في الرأي العام الأمريكي ، بشكل خاص ، والرأي العام العالمي بشكلٍ عام ، وذلك نظراً لما تمثِّله الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى من دور حيوي على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية ، بخاصة جهة الإقتصاد العالمي ، لقد كان اهتمام الناخب الأمريكي ينصب في الأغلب على ما تتضمنه خطط المرشحين من العديد من البرامج التي تتعلَّق بالوضع الداخلي ، فإنَّ محاور السياسة الخارجية الأمريكية تبقى في بؤرة تركيز الحزبين الكبيرين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي المتناحرين على منصب الرئاسة في كل دورة انتخابية .
لقد حدَّد كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرشح الحزب الجمهوري للدورة الانتخابية لعام 2020 ، ومنافسة جو بايدن مرشح الحزب الديمقراطي معالم المنهج والمخططات لكلٍ منهما ، حيث تسعى حملة كل واحد من المرشحين لاستقطاب الناخبين من الشعب الأمريكي من خلال الدعاية المدروسة بعناية المترافقة مع الضخ الإعلامي الذي وقوده ما تتضمنه تلك من وعود . أمَّا ماكينة الإعلام لكل مرشح فإنها تسلِّط الضوء على أبرز مشاكل المجتمع الأمريكي الراهنة وتناقضاته والتي يتصدّرها تفشي فيروس كوفيد 19 )كورونا) حيث تجاوز عدد الوفيات قبل أسبوع أكثر من مئتي ألف أمريكي، وهذه مادة دسمة للمرشح الديمقراطي جو بايدن يستغلها بلا هوادة لمهاجمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتحميله مسؤولية كبيرة في فشل النظام الصحي في مواجهة الوباء .
ومن خلال متابعتنا الدقيقة لمجريات وتطورات الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية نجد أنَّ تحتل قضايا الاقتصاد الأمريكي مركز الصدارة في حملات المرشحين الجمهوري والديمقراطي الذين يدركون جيداً أهمية أداء الاقتصاد بمستويات معيشة الناخبين، ورضاهم عن هذا المرشح، أو ذاك. ويمكن للمرشح الذي لديه خطة اقتصادية مدروسة بعناية ترضي الناخبين وتلبي احتياجاتهم أن يحقق الفوز بسهولة. فكثيراً ما نجح مرشحون للرئاسة في ركوب موجة الاقتصاد لبلوغ المنصب لأنَّ أكثر ما يهتم به المواطن الأمريكي هو الاقتصاد والتجارة وتأمين كافة احتياجاته .وقد لا يتمكن المرشَّح الديمقراطي جو بايدن من تنفيذ الكثير من خططه الطموحة مع ارتفاع حجم الدين الوطني إلى مستويات عالية لم يشهدها التاريخ الأمريكي سابقاً . ومن المعروف أن المرشَّح الديمقراطي جو بايدن هو من أوائل الداعين لتقليص العجز خلال مسيرته السياسية.وتقوم خطة جو بايدن الاقتصادية على الدعوة لإنقاذ الطبقة الوسطى من أجل إنقاذ الولايات المتحدة الأمريكية. أما الرئيس دونالد ترامب فكان شحيحاً في عرض التفاصيل حول خططه ومنهجه للاقتصاد خلال فترة ولايته الثانية، باستثناء اقتراح ميزانية عام 2021 الذي صدر في شهر شباط 2020، قبل أن يفتك وباء كوفيد 19 ( كورونا ) بالاقتصاد.
ونظراً لأهمية الرعاية الصحية في الولايات المتحدة الأمريكية في ظل الظروف التي أوجدها تفشي وباء كوفيد 19 ( كورونا) ، نجد أنَّ كلاً من المرشحَين يحرص على منح هذا الهدف أولوية كبيرةعلى غيره. ويركِّز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مشروع موازنة عام 2021، على إجراء تخفيضات كبيرة في الإنفاق على الرعاية الصحية على مدى العشر سنوات المقبلة، لا سيما برنامج ( ميديكيد) بكلفة 900 مليار دولار، و(ميدكير) بكلفة 450 مليار دولار، وتطلب الموازنة تخصيص 94.5 مليار دولار لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية في الولايات المتحدة ، بانخفاض عشرة بالمئة عن المستوى الذي تم إقراره في عام 2020. ووعد دونالد ترامب مراراً بخفض أسعار الأدوية، لكنه لم يحقِّق نتائج مهمة حتى الآن.أما منافسه المرشح الديمقراطي جو بايدن فيستغل كل الفرص ليذكّر الأمريكيين بأنَّه كان بجانب الرئيس الأسبق باراك أوباما عندما تم توقيع قانون الرعاية ( أفوردابل كير أكت ) ، وتعهد بحمايته وتوسيعه. ويقول إنه سيلغي سقف الدخل الموجب للضريبة بنسبة 400%، ويخفض الحد الأقصى لكلفة التغطية إلى 8،50% من الدخل.وعلى صعيد الضرائب، افترضت إدارة الرئيس دونالد ترامب تمديد بنود ضريبة الدخل الفردي المدرجة في قانون التخفيضات الضريبية والوظائف الهائلة والتي من المقرَّر أن تنتهي في عام 2025. وستكلِّف هذه التخفيضات الضريبية الحكومة الفيدرالية 1.5 تريليون دولار بين عامي 2025، و2030، وفقاً للجنة الميزانية الفيدرالية.ويسعى المرشح الديمقراطي جو بايدن من جانبه لرفع الحد الأعلى لمعدل ضريبة الدخل من 37% إلى 39.6%، و الحد الأعلى لمعدل ضريبة الشركات من 21% إلى 28%. وفي حال فوزه سيعمل على تطبيق ضرائب الضمان الاجتماعي على الدخل الذي يزيد على أربعمائة ألف دولار، وضريبة أرباح رأس المال وتوزيعات الأرباح بشكلٍ مناسب ويطلق كلا المرشحين دونالد ترامب وجو بايدن وعوداً فضفاضة حول مشاريع البنية التحية الأمريكية باعتبارها واحدة من قنوات تنشيط الأداء الاقتصادي وبالتالي النشاط التجاري ، وخلق فرص عمل للأمريكيين. ويتحدث المرشَّح الديمقراطي جو بايدن عن خطة مدتها عشر سنوات بقيمة 1.3 تريليون دولار، ويقول إنَّ خطته ستخلِّص الولايات المتحدة من انبعاثات الاحتباس الحراري التي أوجدت خللاً في المناخ والطبيعة ، وتخلق فرص عمل للطبقة الوسطى. ويشمل الإنفاق حسب الخطة أربعمائة مليار دولار على برامج جديدة في مجال البحث والابتكار في قطاع الطاقة النظيفة .أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فإنَّه يفتخر بأنه وفَّر أكثر من ستة ونصف مليون وظيفة للأمريكيين خلال السنوات الثلاث الأولى من حكمه، لكن فيروس كوفيد 19 (كورونا) شطب الملايين من الوظائف، وقد يستغرق تعويضها وقتاً طويلاً. وتقوم فكرة دونالد ترامب لتحفيز الوظائف على فاتورة الإنفاق على مشاريع البنية التحتية البالغة تريليوني دولار.ويريد المرشح الديمقراطي جو بايدن من جانبه، توفير ملايين الوظائف للطبقة الوسطى من خلال خطته الخاصة بمشاريع البنية التحتية.
لقد شغل الجدير بالذكر أنَّ المرشَّح الديمقراطي جو بايدن كان قد شغل منصب نائب الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما لمدة ثماني سنوات، مع توليه بعض المسؤوليات الحساسة في السياسة الخارجية، بينما لا يزالالرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستمراً في شغل منصبه لأكثر من ثلاث سنوات حتى الآن.ويظهر تقدم الحملات أن كل منهما يحاول إبراز اختلاف نهجه في قضايا السياسة الخارجية. وأول اختلاف بينهما يرتبط بالعلاقات مع دول العالم، حيث يسعى بايدن لإعادة العلاقات الطبيعية مع حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية ، وإعادة الارتباط مع التكتلات الاقتصادية التي فك الرئيس دونالد ترامب الارتباط معها، مثل اتفاقيات باريس للمناخ،واتفاقية التجارة عبر المحيط الهادئ، واتفاق إيران النووي الذي ما زال في مثار الجدل الدولي .
 من ناحية أخرى، يمكن أن يزيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إذا ما تم انتخابه مرَّةً أخرى ، الضغط على حلف شمال الأطلسي ( الناتو) في ما يتعلق بمساهمات الدول الأعضاء الأخرى في الحلف، وسوف يمارس ضغطاً كبيراً على الأمم المتحدة كيلا تنفذ سياسات تتعارض مع السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية . وتشكل العلاقات الأمريكية مع جمهورية روسيا الاتحادية ، والصين، جزءاً مهماً من السباق نحو البيت الأبيض وإدارة دفة الحكم في الولايات المتحدة . فقد اتهم المرشح الديمقراطي جو بايدن خصمه بالتساهل مع روسيا، واتهمه بخدمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والسماح له بالتدخل في الانتخابات الأمريكية وهو أمرٌ خطير جداً . وفي ما يخص العلاقة مع الصين، فقد حرص المرشحان على تصعيد لهجة الخطاب ضد بكين خلال الحملات الانتخابية، خاصة ما تعلق بتفشي كوفيد 19 (كورونا). كما ازدادت حدة تسخين الهجوم بعد أزمة بحر الصين الجنوبي، والقيود التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على شركات التقنية الصينية.