( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
على الرغم من عراقة ما أنجزناه نحن العرب عبر تاريخنا الطويل للفكر العربي، الذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالحضارة العربية العريقة والحضارة الإسلامية، فإن هذا الفكر، ترهّل وتعطل لحقب زمنية طويلة، استمرت منذ سيطرة الاحتلال والاستبداد والقمع العثماني لوطننا العربي الذي دام أكثر من أربعمائة سنة ،مورست خلاله سياسة التجهيل والتتريك . فكان الانقطاع يكاد يكون كاملاً عن العطاء والإبداع، والمشاركة بشكلٍ فعّال في ركب الحضارة الإنسانية. وحين زحف الاحتلال الأوروبي الغربي، على وطننا العربي، كانت الأمة العربية قد أنهكها التعب من الاحتلالات والظلم والقهر والاستبداد ، وأصيبت بالضعف والوهن، ولم تكن في وضع يسمح لها بالتصدي للغزو أو لأي عدوان .لذا فقد ساد الجمود الفكري، وتوقف العطاء عند النصوص القديمة الباذخة ، واعتُمِدت المحاكاة والتقليد دون التحكيم والإعقال والتعقل ، وغابت روح المبادرة والعطاء .
ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، بدأت محاولات متتالية للإستقلال والانعتاق والتمرد على هذا الواقع المرير ، ليتبع ذلك بروز محاولات جادة،تسعى لتجاوز كل تلك العقبات والحواجز ، بخاصة في مصر والعراق وبلاد الشام، قادتها نخبة مميزة من المثقفين ورجال الفكر، طمحت إلى عصر تنوير عربي جديد.فكان أولهم الشيخ الإمام محمد عبده . وقد تأثر به كل من عبد الرحمن الكواكبي ، وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا ، وسعد زغلول .وعز الدين القسام ، وطه حسين ، وحافظ ابراهيم . وقاسم أمين. لقد دعا معظم هؤلاء إلى تغيّير بنيته العقل العربي .كالتي دعا إليها المفكر الدكتور محمد عابد الجابري . والمفكر الأنصاري وجميعهم دعوا إلى سيادة روح المحبة والتسامح، والانفتاح على الفكر الإنساني العالمي، وإعادة صياغة الموروث العربي الإسلامي الغني جداً ، بما يتماهى مع متطلبات النهضة العربية .
فقد نشطت حركة الترجمة،من وإلى اللغة العربية بشكلٍ كبير لمجموعةٍ من روائع التراث الإنساني السياسي والفلسفي والأدبي وتحديداً الغربي . وبرز رجال ونساء مصلحون، نادوا بالتحديث والتطوير وإزالة الفروق والتباين بين المذاهب الإسلامية، وتحرير العقل، من عوالق الجهل والخرافة والتخلّف وتحقيق التوازن بين العلم والإيمان، والقضاء على الجهل واستتباعاته.لكن تلك المحاولات، ظلّت معزولةً عن عوامل النهوض الأخرى في العالم . لقد تمترست النخبة على قلّة عددها التي كان لها الدور الريادي في عصر النهضة، بمواقعها في السفوح والقمم ، ولم تتمكن من النزول إلى الوديان والقاع أي إلى عامة الناس . فكانت النتيجة قطيعة معرفية ترافقت مع كثير من الأوضاع والمتغيرات الاجتماعية والثقافية والمعرفية التي تجري من حولها ومن داخلها.

 تلك المحاولات توقفت في وقتٍ لاحق ، بفعل العجز السياسي للنخب والقادة التي قادت عملية التغيير والتنوير ، وذلك بسبب تعثر مشروع الاستقلال عن الاحتلالات التي مارست أبشع عمليات القتل والتدمير والتخريب والتجهيل والفقر والقمع المنظم ، بخاصة بعد فشل ثورة أحمد عرابي في مصر ، وتوقيع اتفاقية سايكس بيكو عام ١٩١٦ ، وفشل الثورات العربية عام ١٩١٩ و١٩٣٩ في مصر، و١٩٢٠ م في العراق، وامتداد وانتشار الانتفاضة الفلسطينية عام ١٩٣٦ التي تم إجهاضها، وفشل الأحزاب السياسية العربية في القيام بدورها الريادي وتحقيق أهدافها. إضافةً إلى ما شاب الحياة النيابية في مصر وسورية والعراق ولبنان من تشويه وضعف وعدم انسجام .
ومع بداية النصف الثاني من القرن العشرين بدأت مرحلةً جديدة، بعد نكبة فلسطين عام ١٩٤٨، تمثّلت تلك المرحلة في انتقال قيادة المشروع النهضوي السياسي إلى مؤسسات الجيوش العسكرية العربية ، نتيجة الانقلابات العسكرية المتتالية ،والتي قادها ضباط برتب صغيرة ومتوسطة، في عدد من مراكز الإشعاع والنهضة العربية . وعلى الرغم من أنّ الحكام والقادة الجدد استطاعوا تحقيق بعض المكتسبات، وساهموا في تطوير الأنشطة الأدبية والفنية والإبداعية ، والانتشار الواسع للصحافة، ووسائل الإعلام المتنوعة، والانفتاح على الفكر الإنساني الواسع ، وعلى حركات التحرر الناهضة في الدول النامية أو دول العالم الثالث، إلا أن تلك التجربة، أصيبت بانتكاساتٍ مريرةٍ، وفشلٍ ذريع في تحقيق أهدافها حيث شكّلت هزيمة الخامس من حزيران عام ١٩٦٧ م ذروتها.

 . أيضاً وللأسف الشديد لم تشهد المرحلة التي أعقبت نكسة الخامس من حزيران تطوراً ملحوظاً إلى الأعلى، بل على العكس من ذلك هو الذي ساد وانتشر . فقد سادت منذ السبعينات في القرن الماضي ثقافة السوق، وسيطرت على كافة مجالات الثقافة والفنون والأدب والفكر، وتراجعت بشكلٍ كبير البصمات الجميلة والأصيلة من إبداعاتنا، وساد شله فقدان للبوصلة ، و خواء فكري نتج عنه انفصام مُرٌ وقاسٍ بين الحلم والواقع، وبات الحاضر معلقاً بين ماضٍ راكد وبين توقٍ للانعتاق والنهوض كالعنقاء التي تنتفض من رمادها وتعاود التحليق . نحو الالتحاق بركب الحضارة الإنسانية الصاعد.

 ومع ذلك بقيت العديد من المحاولات الجادة لإعمال الفكر، هنا وهناك. فمنذ الستينات من القرن الماضي، صدرت مجلة (المعرفة) في سورية عن الهيئة العامة للكتاب التابعة لوزارة الثقافة، ورأس تحريرها فؤاد الشايب. وقد استمرت في الصدور منذ عام 1962 حتى تاريخه، وقد عنيت بالثقافة والأدب والفكر.
كما صدر ويصدر عن اتحاد الكتاب العرب في سورية مجلة التراث ، ومجلة الفكر السياسي . ومجلة الموقف الأدبي . ومجلة تعنى بالترجمة وجريدة الأسبوع الأدبي، فضلاً عن مجلات عديدة محكّمة صدرت وتصدر عن جامعة دمشق مثل دراسات تاريخية على سبيل المثال لا الحصر.  

 وفي الكويت أصدرت إدارة الإرشاد والأنباء مجلة (العربي) ، الموسوعية عام ١٩٥٦
م، وكان أحمد زكي أول رئيس لتحريرها.كما أصدرت الكويت العديد من المجلات الهامة مثل عالم المعرفة ، وعالم الفكر ، والمسرح العالمي . والثقافة العالمية .أما في لبنان،فقد أصدرت دار الطليعة مجلة (دراسات عربية)، عام ١٩٦٤ م ، لكنها توقفت عن الصدور بسبب أزمة مالية حادّة ، كما توقفت لذات السبب، إصدارات موسمية، كمجلة (الفكر العربي) الهامة ، و( الموقف ) ، على الرغم من غزارة وثراء تلك المجلات وأهميتها، وحاجة القارئ العربي لها. ولعل مجلة ( المستقبل العربي) ، التي تصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية، هي المجلة الوحيدة التي صمدت أمام الأزمات الاقتصادية والمالية في لبنان، وذلك يعود لتبعيتها لمؤسسة قومية، تحظى بحضور ودعم عربي على نطاق واسع.كما لا يمكننا أن ننسى مجلة شعر التي أسسها الشاعر أدونيس وتوقفت عن الصدور .

 في مصر صدرت العديد من المجلات الفكرية المهمة، إبان الحقبة الناصرية، كمجلة (الطليعة) التي رأس تحريرها لطفي الخولي، ومجلة (مواقف ) التي رأس تحريرها أحمد بهاء الدين، لكنها انتهت مع التوجهات السياسية للقيادة المصرية التي تسلمت الحكم بعد رحيل عبد الناصر واستلام أنور السادات رئاسة البلاد . وكذلك أصدر مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية العديد من الدوريات والمجلات الفكرية . 
كما ارتبطت المجلات الثقافية والفكرية العربية عموماً مثل ( المقتطف ) و ( الهلال ) و ( الكاتب المصري ) و ( الرسالة ) و ( أبوللو ) و(الجامعة ) . إلى الآداب اللبنانية و ( الهاتف ) العراقية باتجاهات أيديولوجية ومشاريع ثقافية وفكرية . وربطت القارئ بتيارات فكرية وأدبية عالمية وعربية. بالإضافة إلى ذلك، جرت محاولات مماثلة في معظم الأقطار العربية، يصعب حصرها في هذه العجالة.

أما في العراق فقد صدرت مجلة (ألف باء) ، ومجلة (إكليل الورد) ، ومجلة( الشبكة) العراقية ، ومجلة( ليلى) ، و(مجلة) ومجلة ( الرائد) ومعظمها توقف عن الصدور . 

 خلاصة القول، إن ممارسة الفكر والثقافة والمعرفة ، ليست عملاً تجارياً، أو سلعةً تُباع . ولا يتوقع ممن ينخرط في معمعتهاويغوص في ثناياها،لديه القدرة على مواصلة السير في بحرها وعبر أمواجها المتلاطمة من غير مؤسسات أو مراكز أبحاث ودراسات ودعم حكومي. دليل ذلك هو صمود المجلات التي تصدر عن مؤسسات ثقافية حكومية مدعومة ، وغياب تلك التي تعتمد على المبادرات الفردية فقط . واستمرارها مهمة وطنية وقومية في آن ، إن أريد للثقافة والمعرفة أن تؤدي وظيفتها التنويرية، وتواصل مسيرتها بثبات ونجاح ودون تراجع .