عرفت الحضارة العربية الإسلامية أعلاماً كباراً في الأدب والفن والسياسة، ومن أهم شعراء الأندلس الشاعر يحيى بن الحكم الغزال الذي لقب بأمير شعراء الأندلس في القرن الثالث الهجري، كما لقب بـ(عرّاف الأندلس).
والشاعر الغزال هو يحيى بن الحكم البكري الملقب بأبي بكر الجيّاني نسبة إلى مدينة جيّان الأندلسية، ولد عام 150 للهجرة وتوفي عام 250 للهجرة. ـ حسب تأكيد الدكتور محمد صالح البنداق بعد تفحص المراجع التاريخية المتعددة ـ وينتهي نسبه إلى قبيلة وائل، وقد أطلق عليه الأمير لقب الغزال ـ بتخفيف الزاي ـ نظراً لوسامته وجماله. وكغيره من مثقفي عصره فقد نشأ الشاعر نشأة دينية، كما تعلّق بالفروسية ومآثرها، مشيراً إلى أن من مآثر هذه القبيلة خوضها معركة ذي قار قبيل الإسلام، وأن أبناءها تدافعوا مع الفتح الإسلامي شرقاً وغرباً وانتهى الأمر ببعضهم في غرب الأندلس وجنوبها ومنها مدينة (جيّان) حيث ولد الشاعر وإليها ينتسب. ومما شجعنا على تحديد عمر الشاعر قوله:
وما لي لا أبكي لتسعين حجة
وسبع أتت من بعدها سنتان
كما تحدث الأستاذ الدكتور إحسان عباس عن يحيى بن الحكم الغزال كواحد من الشخصيات العربية المثيرة للإعجاب، فقد قال في مقدمة كتاب أمراء الأندلس للكاتب الأستاذ محمد صالح البنداق (منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت 1979): (إن شخصية الغزال مثيرة للإعجاب والمعايشة، فهو يتمتع بصفات فريدة ومتنوعة، منها تمثله لأسس المخاطبة والحديث، وإبداء الرأي باستخدام فن التعامل الدبلوماسي في الحياة اليومية ببراعة قل نظيرها، كما يتصف بحسن الخلق، وقدرته على التخلص في المواقف الصعبة، وقدرته الفائقة على تجنب المآزق التي يمكن أن يقع فيها)، كما يصفه في مكان آخر بخفة الظل والصفاء النفسي، بل يرى فيه سراً أفاض عليه شيئاً من السحر والغموض حتى أطلق عليه الأندلسيون لقب عرّاف الأندلس)، وقد يكون ذلك ما حبب الكاتب الدكتور محمد صالح البنداق بتناول شخصية هذا الرجل. ومن المعروف عن يحيى بن الحكم الغزال أنه عايش خمسة من الأمراء الأندلسيين حيث قال:
أدركت بالمصر ملوكاً أربعة
وخامساً هذا الذي نحن معه
كما قال عنه ابن حيان (كان الغزال حكيم الأندلس وشاعرها، وعرّافها) ووصفه المؤرخون بأنه شاعر الأمير عبد الرحمن الثاني. ويرى بعض الباحثين إن لهذا الشاعر ديواناً مفقوداً ولم يبق لنا من شعره إلا ما تناثر في بطون الكتب. ومن أهم أشعار الغزال أرجوزته التي نظمها في فتح الأندلس مشيراً إلى أسباب الفتح والوقائع التي جرت بين المسلمين وأهل البلاد المفتوحة. ويرى الأستاذ محمد خليفة التونسي إن الغزال بأرجوزته تلك يعد من أوائل الشعراء الذين اتخذوا من التاريخ موضوعاً للنظم، كما قلده في ذلك الكثير من الشعراء.
كان الغزال على خلاف مع القضاة والفقهاء، وتناول بعضهم بنقده اللاذع وهم على ما هم عليه من النفوذ والسلطة، فقد قال فيهم:
لست تلقى الفقيه إلا غنيا
ليت شعري من أين يستغنونا؟
الأمر الذي أثار عليه حفيظتهم فاتهموه بالإلحاد والتشكك إلا أن ذلك لم يضعف من مكانته عند أمرائه. لكنه ارتحل بعد العديد من هذه الأحداث إلى العراق. فبعد أن وصل زرياب إلى الأندلس نال زرياب حظوة كبيرة عند أميرها عبد الرحمن الثاني مما أثار حفيظة الغزال فما كان منه إلا أن هجاه هجاء مقذعاً، الأمر الذي جعل زرياب يشكو الغزال إلى الأمير، فقرر الأمير نفي الغزال لولا تدخل أكابر القوم فعفى عنه. إلا أن ذلك جعل الغزال يفكر بمغادرة الأندلس إلى بغداد، وقد فعل. والجدير بالذكر أن شخصية الأمير عبد الرحمن الثاني تشبه شخصية الغزال في الكثير من الجوانب فكلاهما ينتمي إلى إحدى القبائل العربية المشار إليها، وكلاهما كان مقبلاً على الحياة، كما اتصفا بجمال الخَلق والخُلق. كان الأمير عبد الرحمن رجل دولة ودين، فبنى وأشاد البناء والمدارس والمراكز الصحية، بنى المساجد والجسور وضرب النقود، وبلغت الدولة في عهده مستوى رفيعاً من الحياة الاجتماعية حتى سميت أيامه (بالعروس). وكان يحيى بن الحكم الغزال رجل عقل ودهاء ودبلوماسية يدير شؤونه وشؤون من حوله بحنكة وذكاء شديدين.
وهنا نسلط الضوء على جانب من النشاط الدبلوماسي لهذا الشاعر.
نظرة سريعة على الدبلوماسية الإسلامية في العصور الوسطى:
إن أهم ما يلفت النظر هو الجانب الهام من علاقات الدولة الإسلامية في الأندلس بالعالم الأوروبي. والذي قد يغيب عن ذهن الكثيرين من مثقفينا. فقد كان الأمير عبد الرحمن الثاني ذا هيبة وقوة شكيمة، مسموع الرأي لدى مختلف الأمراء والملوك الأوروبيين، وهناك الكثير من الجهود الدبلوماسية التي قام بها أمراء الأندلس ومنها ما وصل إلينا ومنها ما لم يصل. لقد حاول إمبراطور القسطنطينية الاستعانة بإمارة الأندلس كي يخفف من ضغوط الجيوش العباسية عليه، ولذلك حاول أن يغري الأمير عبد الرحمن باسترجاع ملك آبائه من العباسيين. إلا أن الأمير صده صداً حصيفاً يدل على دبلوماسية عالية في هذا الشأن، وعليه فقد تم إيفاد العديد من السفراء بين الأمير والإمبراطور، وكان على رأس سفارة الأمير إلى القسطنطينية الشاعر يحيى بن الحكم الغزال، حيث سافر الغزال مصحوباً بالوفد البيزنطي إلى القسطنطينية، ولقي من الإمبراطور تيوفليس الحفاوة والاحترام والتقدير. وقد أعجب تيوفليس كما أعجبت زوجته بهذا الدبلوماسي الشاعر. حاول النورمانديون المعروفون بـ(الفايكونغ) غزو بلاد الأندلس، وهم أهل بحر وسفن، إلا أنهم ردّوا على أعقابهم ووجدوا الأندلس قلعة حصينة لا يقدرون عليها فلجؤوا إلى الحرب الدبلوماسية، وقد بادروا بذلك فأرسلوا وفداً إلى الأمير عبد الرحمن وطلبوا منه التعاون وإنشاء علاقات صداقة، فاغتنم الأمير عبد الرحمن الثاني الفرصة ورد على ذلك بأن كلف سفيره الناجح يحيى بن الحكم الغزال بمرافقة الوفد بمهمة دبلوماسية إلى بلاد الشمال الأوروبي حيث وجد في ذلك فرصة سانحة للتعرف على هذه البلاد ومعرفة ما هي عليه من قوة أو ضعف. ويكاد يجمع المؤرخون أن سكان الشمال الأوروبي ومنهم (الفايكونغ) كانوا نهابين وقتلة ومتوحشين. وهم قراصنة بحار، إلا أن بعض المؤرخين يرى أنهم كانوا رجال تجارة وفن، بل كانت لهم حضارة متقدمة على الحضارة المسيحية آنذاك وكانوا يعرفون بالمجوس، فما تركوه في شعرهم وأساطيرهم «الساغا» يدل على فكر واسع خلاق.
وصل الوفد بعد رحلة بحرية طويلة وشاقة لقي فيها الوفد الكثير من العواصف التي كادت تودي بحياتهم، وقد استقبلهم ملك النورمان أحسن استقبال. ولما علمت زوجة الملك بقدوم الوفد أصرّت على مقابلة رئيسه، وقد أبدى الغزال إعجابه بهذه الملكة، كما أعجبت به، ونمت بينهما صداقة حميمية حيث سمحت للغزال بزيارتها في الوقت الذي يشاء وقال فيها أكثر من قصيدة. نقتطف من إحداها هذه الأبيات:
يا نود يا ورد الشباب التي
تطلع من أزرارها كوكبا
يا بأبي الشخص الذي لا أرى
أحلى على قلبي ولا أعذبا
قالت أرى فوديه قد نوّار
دعابة توجب أن أدعبا

ولما فسر لها المترجم ذلك ازدادت إعجاباً بالشاعر وطلبت إليه أن يخضب شعره فقال في ذلك:
بكرت تحسّن لي سواد خضابي
فكأن ذلك أعادني لشبابي
لقد اختلف المؤرخون ـ كعادتهم ـ حول صحة هذه السفارة، ولكن المؤرخ فاريميوس وغيره من المؤرخين يرون صحة هذه الرواية، ويؤكد المؤرخ فاريميوس أن هناك علاقة خاصة جمعت بين ملكة الشمال والشاعر يحيى بن الحكم الغزال. ويجد في الاسم (نود) ما يؤكد صحة هذه الرواية لأن هذا الاسم وأشباهه من الأسماء تكاد تكون مقتصرة على الشمال الأوروبي.
ويعود الغزال إلى بلاده بعد أن أدى مهمته وأنجز سفارته. ويقدم تقريره إلى أميره عبد الرحمن الثاني. بعدها اعتكف على القراءة واللقاء بالأصدقاء . وقد خارت قواه في نهاية حياته نتيجة تقدمه بالسن وبذلك انتهت حياة يحيى بن الحكم الغزالي الذي عاش ما يقارب قرناً كاملاً من الزمن ترك وراءه خبرة عالية في الدبلوماسية والشعر ما زالت ماثلة أمامنا إلى اليوم.