( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
يوماً بعد يوم، يزداد التضخم ويتحول إلى أحد عناوين التنازع في الولايات المتحدة الأمريكية بين رؤيتين سياسيتين اقتصاديتين مختلفتين ومتضادتين: بين رؤية الجناح القوي داخل صفوف الحزب الديمقراطي الأمريكي الذي يدعو لإعادة البناء على نمط الـبيريسترويكا السوفيتية السابقة. لكن تحت عنوان: (بيريسترويكا أمريكية)، وذلك من خلال حزمتي تحفيز مالي ضخمتين، الأولى وافق عليها مجلس الشيوخ الأمريكي يوم 10 آب 2021م ، تحت مسمى مشروع قانون البنية التحتية، وقيمتها نحو تريليون دولار، وتستهدف إعادة بناء الطرق والجسور المتدهورة في معظم الولايات الأمريكية، وتمويل مبادرات المرونة المناخية وحالة الاحتباس الحراي ،والنطاق العريض الجديد للشبكة العنكبوتية الإنترنت، والثانية مرّرها مجلس النواب الأمريكي باسم قانون الإنفاق الاجتماعي العام وكذلك قانون المناخ، بكلفة إجمالية تبلغ نحو تريليوني دولار، انخفاضاً من ثلاثة ونصف تريليون دولار كان قد طلبها الرئيس جو بايدن، وهي بانتظار موافقة مجلس الشيوخ عليه. وبين رؤية الحزب الجمهوري، والقوى المحافظة عموماً، التي تحمّل الديمقراطيين وزعيمهم الرئيس جو بايدن، وحزم التحفيز التي يصرّون على تمريرها دون عوائق، مسؤولية وصول التضخم النقدي إلى 6.4% في شهر تشرين الأول 2021 م. وهدفهم هو استثمار قلق الشعب الأمريكي من ارتفاع الأسعار، خاصة في محال البقالة والسوبرماركت وأسعار البنزين والغاز والمازوت (الديزل)، في الانتخابات النصفية القادمة. ويقول المدافعون عن حزم التحفيز هذه، ومنهم اقتصاديون استراتيجيون كبار، إن أولئك الذين يلقون باللوم على الرئيس جو بايدن في ارتفاع التضخم النقدي في الولايات المتحدة الأمريكية، لا يذكرون أيضاً أنَّ الأجور أصبحت في الأشهر الثلاثة الماضية أكثر مما كانت عليه في العشرين عاماً المنصرمة، وأن ملايين الأمريكيين عادوا إلى أعمالهم من جديد نتيجة لسياسات إدارته، ويتجاهلون الفوائد المالية التي تحصلت عليها الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط من الإعفاء الضريبي لرواتب الأطفال، كما أنهم لا يقاربون الحقيقة نهائياً وهي أنَّ الشركات الكبرى ورؤسائها التنفيذيين الأثرياء يستغلون المستهلكين إلى أبعد الحدود .
من جهة آخرى هناك رموز كبار يواصلون توجيه سهامهم لحزم تحفيز الرئيس جو بايدن، وتحميلها مسؤولية التضخم. فكتب الاقتصادي الأمريكي (لاري سمرز)، الذي كان قد شغل منصب وزير الخزانة الأمريكية في الفترة من 1999 م إلى 2001م ، ومنصب رئيس المجلس الاقتصادي الاستشاري في إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما من 2009 م إلى 2010 م، مقالاً في صحيفة الواشنطن بوست في 17 تشرين الثاني 2021م ، وفي اليوم التالي 18 كانون الأول كتب ستيفن راتنر، وهو مدير أصول استثمارية في نيويورك، كان عمل مستشارا للرئيس الأسبق باراك أوباما، كتبا عموداً في صحيفة نيويورك تايمز، أكدا فيهما أن سبب وصول التضخم النقدي إلى 6.4%، هو حزمة الإنعاش الأمريكية التي قدمها الرئيس جو بايدن، وأقرّها الكونغرس الأمريكي في شهر شباط الماضي، والتي بالغت في تحفيز الاقتصاد الأمريكي، ما أدى إلى خلق مشكلة كبيرة وخطيرة مع التضخم. ولذلك، يتعين – كما قالا - على مجلس الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة لإبطاء الاقتصاد، معتبرين أن موقف الترقب والانتظارغير مسؤول وسيؤدي إلى مزيد من التضخم المالي مع الأيام .
إنّ التضخم النقدي تسلل إلى معظم بلدان العالم تقريباً، منذ بدء اضطراب سلسلة التوريد التي شملت المواد والمدخلات الصناعية وحالة موانئ الشحن، بسبب اندلاع جائحة كوفيد19(كورونا). حيث يستشعر المستهلكون في جميع أنحاء العالم ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار السلع والخدمات بشكلٍ عام، وهذا يشمل قوائم المنتجات الغذائية والطعام ، وأسعار البنزين والغاز والمازوت(الديزل)، والإلكترونيات والإيجارات وألعاب الأطفال، وكل شيء تقريباً تأثر بارتفاع تكاليف الشحن العالية، ونفاد المخزونات السلعية بسبب الإغلاقات، الكلية أو الجزئية بسبب انتشار فيروس كورونا، وكذلك بسبب جشع التجار واستغلالهم للظروف الاستثنائية التي يمر بها العالم، ما حوّل التضخم المالي إلى ظاهرة عالمية.
لكن التضخم يبقى قضية سياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، وخارجها أيضاً. فالبنوك العالمية المركزية تمتنع حتى الآن عن استخدام بعض أدواتها، مثل رفع أسعار الفائدة والفائدة المركبة ، للحد من التضخم، مخافة أن يؤدي ذلك إلى إضعاف الانتعاش الاقتصادي العالمي، والتأثير سلبياً في الحظوظ الانتخابية المقبلة. إنما، كلما طال التضخم إلى أمدٍ بعيد ، كلما تعيَّن على البنوك العالمية المركزية أن تتحرك بسرعة. ولكنها لا تستطيع الآن فعل ذلك قبالة نفوذ وقوة الشركات والبنوك الكبرى وسطوتها التي تشيع بأن كبح النمو سيؤدي لإحداث اضطرابات شديدة في الأسواق المالية، وقد ينتقل ذلك إلى الأسواق الناشئة، والأسواق الصغيرة والاقتصادات الأقل نمواً، ما سيتسبب بمزيد من الاضطراب والخلل بينما يحاول العالم التعافي من وباء كوفيد 19(كورونا) ومتحور (اوميكرون ).