
إن من يستقرء المسيرة الإنسانية ويدرك صيرورة وسيرورة الحضارات الإنسانية يكتشف أن الأمم والشعوب التي لها ذكرٌ في التاريخ عبر مسيرته الطويلة ،إنما هي أممٌ على درجةٍ كبيرةٍ من الإبداع ،سواء في المجال الفكري أو الفلسفي أو العلمي أو الفني. وبالنظر إلى أهمية الإبداع ودوره الكبير في وجود الأمة واستمراها ،فقد كان موضوع دراسة بعض العلماء والفلاسفة والمفكرين ،قصد تفسير طبيعته وبيان الدوافع والأسباب التي تحفِّز المبدعينَ وتدفعهم إلى الإنتاج الإبداعي بكل أجناسه.
نلحظ في هذا السياق أنَّ هناك العديد من الإشكاليات التي أثيرت بشأن تفسير ظاهرة الإبداع ،نذكر بعضاً منها على شكل تساؤلات : هل الإبداع عملية سحرية خاصة يمتاز بها عدد من البشر الذين يعيشون حالةً من الإلهامِ ؟ أو هو ظاهرة وضعية تتحدَّد بشروطها ومعاييرها الاجتماعية والأخلاقية ؟ بمعنى أشمل وأدق : هل الإبداع ينحدر من طبيعةٍ نفسيةٍ أم من طبيعةٍ اجتماعية ؟
هناك العديد من الآراء التي تتحدَّث عن أنَّ الإبداعَ من طبيعةٍ نفسية .أحد هذه الآراء يقول : إنَّ الإبداعَ من منظور النظرية النفسية ظاهرة يمكننا أن نجدها عند بعض الأفراد ولا نجدها عند أفرادٍ غيرهم ،بدليل أنَّ العباقرة الذين أسهموا بتغييرهام وكبير في تاريخ الفكر والحضارة الإنسانية ،يمتازون بخصائص نفسية مميزة، وقدراتٍ عقليةٍ كبيرةٍ جداً، وذكاء حاد ،وكلّ ما يشحذ الذات ويدفعها بقوةٍ إلى الإبداعِ من دوافعَ وانفعالاتٍ سارةٍ أو حزينةٍ أو مؤلمةٍ تساعد على انجاز العمل الإبداعي بدقةٍ ،وعلى أكملِ وجه. ومن الفلاسفةِ والمفكرينَ الذين أكّدوا أنّ الإبداع كشفٌ خاص يطالع النفس ويشرق في جوانبها فجأة ،عالم الكلام – حجة الإسلام – (أبو حامد الغزالي) حيث قال : ( إنَّ الإلهام كالضوء من سراجِ الغيبِ يقع على قلبٍ صافٍ لطيفٍ فارغ) .هذا التوصيف حول الإلهام لم يكن عبثاً أو عفو الخاطر ،بل جاء نتيجة علمٍ وخبرةٍ وفطنة ٍ من عالم الكلام الغزالي. ليس هذا فحسب، بل بل أكد عالم الطبيعة الفرنسي (فيليب هنري غوس) الفكرة نفسها حين قال : ( وأخيرا ، نجحت لا لأنني بذلت جهوداً مضنية جداً, ولكن بهبةٍ من الله، كأنَّ إشراقاً ونوراً حدث فجأةً وحل اللغز) .إذن الإلهام أو لحظة الإشراق هي لحظات قصيرة جداً تتفتق فيها عبقرية الإنسانِ بشكلٍ لافت عن إبداعاتٍ قد تحدث في لحظاتٍ مغايرة للمنطق والعقل ،فتكون أثراً لا يقاس على مثالٍ البتة .فقد ذكر الفيلسوف اليوناني أفلاطون في محاورة (أيون) والتي تحدث فيها عن الإلياذة وهوميروس. حيث قال : ( فما زال التأويل أصعب جانب من الجوانب الفنية بكلِّ تأكيد وإني لأرى في نفسي المقدرة على أن أتحدّث عن هوميروس أفضل من أيِّ شخصٍ آخر). كما قال أيضاً : ( إنَّ الشاعرَ كائنٌ أثيريّ مقدَّس، ذو جناحين ،لا يمكن أن يبتكر أو يبدع قبل أن يأتيه الإلهام ، فيفقد عقله وصوابه ، وما دام الإنسان يحتفظ بعقلهِ وجدليةِ منطقهِ فإنّه لا يستطيع أن ينظم الشعر البتة). و يقال أن الكاتب والمسرحي والمؤلف الموسيقي (ريتشارد فاغنر) سمع في منامه اللحن الأساسي الذي يتردَّد في افتتاحية رائعته الموسيقية (ذهب الرين). ويحكى عن الشاعر والناقد الانكليزي ( صموئيل تايلر كولردج) أنه كان يطالع ذات صباح فغلبه النعاس، ثم أفاق من نومه وأخذ يخطّ بسرعةٍ قصيدتهَ المشهورة ( قبلاي خان ) ومعها قصيدة كريستابل اللتان تملكان نفحةً رومانسيةً وهي رؤية في حلم حتى وصل إلى البيت الرابع والخمسين منها .ثم خمدت نار الإلهام فتوقف عن الكتابة وترك القصيدة ولم يعد لها قط . وقد وصف ستوبفوردبرووك القصيدتين بأنهما بدون منافس بسبب قافيتهم الموزونة الفاتنة وصياغتهم الخلَّاقة التي يتجلى فيها الإبداع. غير أنَّ الموهبةَ والإلهام بدون جهدٍ وعملٍ لا معنى لهما. فلقد عبَّرَ أحد أمهر العلماء الفرنسيين في مجال الرياضيات والفيزياء النظرية السيد (جول هنري بوانكريه) عن اكتشافاته الرياضية بأنها بدت له فجأة وفي مناسبات لم يكن يفكر أثناءها في هذه الموضوعات لكن كان هذا الحدث الهام بعد جهودٍ السنين الطوال، فتظهر له الحلول فجأة في صورة الهام غير متوقع ،لذلك قال : (إنَّ الحظَّ يحالف النفسَ المهيأة) . ويؤكد الفيلسوف الفرنسي ذو النزعة الحدْسية (هنري برغسون) أنَّ علاقة اللغة بالفكر هي علاقة انفصالٍ وتمايز، وأنَّ الفكر أسبق من الناحية الزمنية. كما أنَّ لعملية الإبداع أصولٌ نفسيةٌ عميقةٌ، وهي كثيراً ما تكون مصحوبةً بمظاهر نفسيةٍ انفعاليةٍ حادَّة ،إذ قال : (أن العظماء والعباقرة الذين يتخيلون الفروض، والأبطال، والقديسين الذين يبدعون المفاهيم الأخلاقية السامية، لا يبدعونها في حالةٍ السكون وجمود الدم ، وإنما يبدعون في جوٍ ساخنٍ وحماسيّ ،وتيارٍ ديناميكي تتلاطم فيه الأفكار والآراء والمفاهيم). أما مدرسة التحليل النفسي الغشتالية لمؤسسها الطبيب وعالم النفس النمساوي (سيغموند فرويد) فإنها تذهب إلى بيان أنَّ الإبداع ظاهرة نفسية لاشعورية ،فهو يرى أن التسامي هو المسؤول عن كل الانجازات الحضارية والإنسانية والأخلاقية التي قام بها الإنسان ، يقول : ( إنَّ مجمل الصراعات الجنسية الطفيلية والرغبات العدوانية الوحشية التي تؤدي إلى السلوك العصابي لدى من لا يستطيعون حلَّها حلاً صحيحاً، هي نفسها التي يجد المبدع حلاً لها عن طريق الإعلاء أو التسامي، فينشأ عن ذلك العديد من أشكال النشاط الإبداعي المختلفة) .
وهنا لا بد من القول أنَّ الأدلة التي أستند إليها القائلون بالطبيعةِ النفسيةِ للإبداع من علماء ومفكرين وفلاسفة وفنانين لا تشكّل دليلاً قاطعاً على صحة هذا الرأي، فالذكاء الفطري الحاد والموهبة إذا لم يجدا البيئة المناسبة والظروف المواتية التي ينموان فيها ، فإنها حتماً سيضمحلان وينكمشان. كما أنّ الإلهامَ والإشراقَ والنورَ ليسوا ضرباً من الوهمِ أو الخيالِ فهو مهما كانت صفته فإنَّ مصدره الواقعَ والحياة العملية ،إذ أنَّ المبدعَ وإن كان يتجاوز بخيالهِ الواقعَ نوعاً ما، إلَّا أنه ينطلق منه . كما أن تفسير الطبيب وعالم النفس النمساوي (سيغموند فرويد ) قال :لم تؤِكده التجربة العلمية .
أيضاً هناك رأي آخر يرى أنَّ الإبداعَ من طبيعةٍ اجتماعيةٍ غيرَ أنَّ المبدعَ في نظر الفلاسفةِ وعلماءَ الاجتماع ،لا يستمد مادة إبداعه من واقع المجتمع وموضوعيته فحسب , بل إنَّ نشاطه يعتبر بشكلٍ عام ظاهرةً اجتماعيةً مثلَ بقيةِ الظواهر الاجتماعيةِ الأخرى . وهذا ما يراه عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي ( إميل دوركايم ) مؤسس علم الاجتماع الحديث الذي وضع لهذا العلم منهجيةً مستقلةً تقوم على النظرية والتجريب في آنٍ معاً، فقد بيَّن (إميل دوركايم) أنَّ عملية الإبداع مهما تعدَّدت مجالاتها وفضاءاتها تظلّ تتحكم فيها شروطاً اجتماعية، لأنَّ الإبداع يتوقف من جهةٍ أخرى على حاجاتِ المجتمع ومتطلباتهِ، وعلى درجة النمو والتطور التي بلغها من جهة أخرى .فالإبداع في هذا السياق يعتبر تراثاً اجتماعياً تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل. وما دام الفرد من صنعِ الجماعةِ فلا بدَّ أن تكون سلوكاته ومنهجه الحياتي بما فيها السلوكات الإبداعية من نتاج المجتمع لأنّ (كلّ إناءٍ ينضح بما فيه). إن العلماء والفنانين لا يبدعون لأنفسهم وإنما وفق ما يتطلَّع إليه المجتمع وما يحتاجه أليه، وما يسمح به ضمن فضاءاتٍ محدّدةٍ .وكلّ تراثٍ علمي أو فنيّ مهما كان مستواه ،هو شاهدٌ على روحِ العصرِ والثقافة السائدة في المجتمع. فأدب الفروسية هو تجسيدٌ لطبيعةِ المجتمع القبلي ،وهو تجسيدٌ للشجاعة والبطولةِ، واختراع أدوات الحرب ووسائلها ما هو إلا وسيلةً للمحافظةِ على كيان المجتمع ومكوناتهِ . كما أنّ المصباح الكهربائي الذي اخترعه رجل الأعمال الأمريكي (توماس ألفا أيدسون) دعت إليه حاجة المجتمع للإنارة ، كذلك اخترع مولد الطاقة الكهربائية والاتصال الجماهيري وتسجيل الصوت .إضافةً إلى وسائل النقل.
بعد كل ما مرَّ معنا ، نستنتج أنّ عملية الإبداع لا تنطلق من العدم أبداً, بل لا بدَّ أن تستند إلى معطياتٍ متموضعةٍ في الواقع ومنطلقةً منه .فالمبدع ينتقي عناصر إبداعهِ من هذه المعطيات الواقعية .غير أنها غير كافية لوحدها فلا بدَّ أن ترتكز على القدرة الفطرية والذكاء الحاد والقدرة على استنباط واستنتاج الأشياء الهامة في الحياة ومن ثم الإبداع .
27/04/2022 02:42 pm
.png)






