بقلم عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين الدكتور وسيم وني 

لم يعد السؤال المتعلق بإجراءات الاحتلال في المسجد الأقصى سؤالاً إدارياً أو أمنياً عابراً بل أصبح مدخلاً أساسياً لفهم طبيعة الصراع على القدس وهويتها فكل تغيير يطرأ على أبواب المسجد الأقصى أو على آليات الدخول إليه لا يأتي بمعزل عن حسابات سياسية وأمنية ودينية متشابكة، بل يعكس رؤية الاحتلال لمستقبل المدينة ولموقع الأقصى في مشروعه الاستيطاني. 

ومن هنا، فإن المشهد في القدس لا يخضع لقواعد ثابتة أو معايير مستقرة إذ تتبدل الإجراءات باستمرار تبعاً للظروف الميدانية وحسب المناخ الاقليمي، وتُعاد صياغة القيود بصورة متواصلة بما يحقق هدفاً استراتيجياً واضحاً يتمثل في إحكام السيطرة على المسجد الأقصى، وتقليص الحضور الفلسطيني فيه، وتهيئة الظروف لفرض وقائع جديدة على الأرض بصورة تدريجية ومتراكمة والسيطرة التامة على القدس.

القيود في الأقصى.. سياسة متحركة لا إجراءات مؤقتة

 يعتمد الاحتلال في تعامله مع المسجد الأقصى على منظومة مرنة من الإجراءات تتغير أشكالها بشكل مستمر لكن جوهرها يبقى واحداً، فالقيود قد تظهر على هيئة تشديد أمني عند مداخل البلدة القديمة أو من خلال منع فئات عمرية محددة من الوصول إلى المسجد الأقصى، أو عبر احتجاز الهويات الشخصية، أو تكثيف عمليات التفتيش والاستجواب وفي أحيان كثيرة، لا تُعلن هذه الإجراءات بصورة رسمية، بل تُطبق ميدانياً بشكل مفاجئ، الأمر الذي يجعل الوصول إلى المسجد الأقصى مرهوناً بالتقديرات الأمنية الآنية ويحول أداء الصلاة إلى رحلة يومية مليئة بالعقبات والحواجز والتعقيدات.

 كما أن الاحتلال يلجأ أحياناً إلى التخفيف النسبي لبعض القيود، قبل أن يعيد فرضها بصورة تصاعدية وبشكل شديد عند أي تطور سياسي أو أمني، ما يؤكد أن السياسة المتبعة ليست رد فعل طارئاً وإنما أداة دائمة لإدارة الصراع داخل القدس.

 والسؤال هنا ما العوامل التي تتحكم بتشديد الإجراءات أو تخفيفها؟ 

وهنا سأقوم بعرض عدة نقاط :

 النقطة الأولى : التطورات الأمنية والميدانية : يُعد الواقع الميداني العامل الأكثر تأثيراً في طبيعة القيود المفروضة على الأقصى فعند وقوع عمليات أو اندلاع مواجهات أو تصاعد الدعوات الشعبية للنفير والرباط تتجه سلطات الاحتلال مباشرةً إلى فرض إجراءات أكثر صرامة، تشمل تشديد الحصار على القدس وزيادة أعداد القوات المنتشرة وفرض قيود إضافية على دخول المصلين، و حتى في فترات الهدوء النسبي لا تختفي القيود بصورة كاملة بل يجري استبدالها بأدوات أقل ظهوراً وأكثر استدامة. 

النقطة الثانية: الحسابات السياسية الإسرائيلية : ترتبط قضية الأقصى أيضاً بالتجاذبات السياسية داخل كيان الاحتلال فكثيراً ما تستخدم الحكومات اليمينية ملف القدس لإرضاء قواعدها الانتخابية والقوى الدينية المتشددة خاصة في أوقات الأزمات الداخلية أو التراجع الشعبي وفي مثل هذه الحالات، تصبح الإجراءات المشددة في الأقصى جزءاً من رسائل سياسية موجهة إلى الجمهور الإسرائيلي، أكثر من كونها استجابة لمستجدات ميدانية.

 النقطة الثالثة: مواسم الاقتحامات والأعياد اليهودية : تشهد الأعياد والمناسبات الدينية اليهودية عادةً تصعيداً واضحاً في القيود المفروضة على أبناء شعبنا الفلسطيني داخل القدس، حيث تتحول البلدة القديمة إلى ثكنة عسكرية شبه مغلقة وتُفرض قيود على الدخول وتُكثف الاعتداءات الشرطية عند أبواب المسجد الأقصى ويأتي ذلك في إطار توفير بيئة مريحة لقطعان المستوطنين التي تنفذ اقتحامات واسعة للمسجد الأقصى، في محاولة لتكريس وجود دائم داخل باحاته.

القيود متعددة الأشكال والهدف واحد 

لا تقتصر سياسة التضييق على قرارات المنع المباشر فقط بل تمتد إلى مستويات مختلفة ومتوازية فهناك قيود جغرافية تمنع الآلاف من أبنا شعبنا الفلسطيني من الوصول إلى القدس أساساً عبر الحواجز العسكرية ونظام التصاريح الصارم وهناك قيود زمنية تتحكم بأوقات الدخول والخروج، إضافة إلى القيود النفسية المتمثلة في التفتيش المهين والملاحقة والاعتقالات المتكررة ويُعد الأخطرفي ذلك البعد القانوني والإداري إذ يستخدم الاحتلال أوامر الإبعاد وملفات التحريض والقرارات القضائية لتفكيك الحضور الفلسطيني المنظم داخل المسجد الأقصى واستهداف المرابطين والناشطين وحراس الأقصى ، وبذلك لا يقتصر الصراع على المواجهة الميدانية المباشرة، بل يمتد إلى محاولة خلق واقع طويل الأمد يحد من الوجود الفلسطيني الفاعل داخل المسجد الأقصى المبارك. 


 بعد كل مواجهة.. تتبدل الأدوات ولا يتغير الهدف

 أثبتت التجارب المتعاقبة أن الاحتلال يعيد مراجعة أساليبه بعد كل هبة شعبية أو مواجهة واسعة في مدينة القدس فإذا واجه الإغلاق الشامل رفضاً واسعاً ينتقل إلى سياسة الإغلاق الجزئي وإذا لم تحقق القيود العمرية أهدافها يلجأ إلى الاعتقالات الوقائية أو الإبعادات الفردية وهذا يعكس عملية مستمرة من إعادة هندسة أدوات السيطرة بما يضمن تقليل كلفة الإجراءات على الاحتلال، وزيادة فعاليتها في الوقت ذاته. 

هل يعني تخفيف القيود حدوث تراجع حقيقي؟

 في كثير من الأحيان يُنظر إلى تخفيف بعض الإجراءات باعتباره تراجعاً إسرائيلياً، إلا أن القراءة المتأنية في ذلك تشير إلى أن ما يحدث غالباً هو إعادة تموضع وليس انسحاباً فعلياً فقد يُسمح لفئات إضافية بالدخول بينما تستمر الاقتحامات أو تُخفف القيود عند أبواب المسجد الأقصى مع الإبقاء على الحصار المفروض على محيط القدس والضفة الغربية، لذلك، فإن تقييم أي تغيير في الإجراءات يجب أن يأخذ بعين الاعتبار السياق العام، لا المظاهر الظاهرية فقط. 

السؤال الأخير كيف يمكن فهم أي إجراء جديد لسلطات الاحتلال على القدس؟ 

إن القراءة الدقيقة لأي قرار يتعلق بالأقصى تتطلب الإجابة عن عدة أسئلة أساسية: من هي الفئة المستهدفة؟ وما توقيت القرار؟ وما الذي يجري داخل المسجد الأقصى في الفترة نفسها؟ وهل هذا الإجراء مؤقت أم قابل للتحول إلى سياسة دائمة؟ فالإجراءات التي تبدو محدودة في ظاهرها قد تتحول مع مرور الوقت إلى واقع ثابت إذا لم تواجه برفض شعبي وسياسي وإعلامي مستمر.

  ختاماً يبقى المسجد الأقصى رغم كل محاولات الحصار والتقييد، عنواناً مركزياً للصراع على القدس والهوية والسيادة فالاحتلال يغيّر أدواته باستمرار لأنه لم يتمكن من حسم معركة الإرادة والانتماء ولأن الحضور الفلسطيني المتجذر في المدينة لا يزال يشكل العقبة الأبرز أمام مشاريع فرض الوقائع الجديدة ، ومن هنا فإن متابعة التحولات في القيود المفروضة على الأقصى ليست مجرد رصد لإجراءات أمنية متغيرة بل هي قراءة لمسار سياسي متكامل يستهدف إعادة تشكيل الواقع في القدس وبين تشديد مؤقت وتخفيف مرحلي، يبقى الثابت الأهم أن المسجد الأقصى سيظل محوراً حياً للهوية الوطنية والدينية، وأن الحفاظ على مكانته يبدأ برفض تحويل القيود الاستثنائية إلى أمر اعتيادي أو واقع دائم.
calendar_month23/06/2026 08:43 pm