
الحياة برس - يتعرض العديد من الأطفال الى ظاهرة التنمر والتي تعد من أكثر المظاهر انتشارا سواء في المدرسة أو في البيت أو الشارع , وهي تعرض الطفل للإيذاء الجسدي أو النفسي من خلال الضرب , والركل , وشد الشعر , والشتائم , والتهديد وغيره من الصور المختلفة , وتتنشر هذه الظاهرة بنسب عالية في كثير من بلدان العالم , في حين تشير الاحصاءات الى أن حوالي نصف الاطفال في العالم تعرضوا مرة واحدة على الاقل للتنمر خلال المرحلة المدرسية , وتنعكس ظاهرة التنمر بشكل سلبي على الأطفال المتنمرين فنجدهم يعيشون في حالة من القلق والخوف والعزلة والوحدة والتي قد تصل الى مرحلة متقدمة من الاكتئاب وبالتالي تؤدي بهم الى الانتحار .
وتري ياسمين عليان "دكتورة علم النفس التربوي "أن التنمر هو تعرض الطفل للإيذاء المتكرر سواء من طفل أو مجموعة من الأطفال, ويصدر بطرق عديدة مثل استخدام الإيذاء اللفظي كالسب والإهانة و الصراخ و السخرية وإصدار الألقاب , أو الإيذاء النفسي كالأفعال وإشارات التخويف والملاحقة والتهديد والتحكم واستفزاز الآخرين واضطهادهم والافتراء عليهم واصدر الإشاعات لإيذاء الضحية , أو الإيذاء الجسدي من دفع وركل وضرب وقذف الأشياء والتخريب والاندفاع والغضب والعصبية والعناد وعدم الرغبة في التعاون أو المشاركة مع الآخرين بهدف الأنانية والتسلط وحب التملك ونيل مكتسبات من الآخرين توقع الضحية للإيذاء النفسي والجسدي.
وتشير عليان إلى أن هناك استعداد فطري عند الطفل للدفاع عن نفسه وللبقاء على الحياة , وأن تجارب البيئة السلبية المكتسبة تعمل على تطوره ليتحول إلى طفل متنمر , وهو تعبير عن فشل البيئة المحيطة بالطفل سواء الأسرية أو المدرسية أو الاجتماعية الإعلامية في تلبية احتياجاته ورغباته النفسية والتربوية , ولإثبات ذاته يعبر عنها الطفل بالتنمر اتجاه من هم أصغر منه سنا أو أقل منه حجما وغالبا ما يكون الضحايا من الأطفال الخجولين ، وتقع المسؤولية الكبرى على كاهل الاسرة باعتبارها هي من ترعى الطفل وتوجهه فهي من تطور السلوك المتنمر عند الطفل والذي يصبح جزء من شخصيته المستقبلية التي قد تؤدي إلى ضياع المتنمر والضحية.
وتشير عليان انه يجب تحليل الأسباب التي دفعت الطفل للتنمر لتفادي تلك الظاهرة الخطيرة , والتي تتمركز حول التعرف على بيئة الطفل الثلاثية وهي : الأسرة , والمدرسة , والإعلام ، فنشأة الطفل في بيئة أسرية مفككة مليئة بالمشاحنات والاعتداءات والشتم والسب والضرب, تجعله ينظر للسلوك بأنه سلوك طبيعي يحوله في تعامله مع أقرانه لفرض احترامه بإيذائهم ويحصل على ما يريد وإلا سيكون ذليلا مما يوقع المتنمر بالقتل فيدخله جنوح الأحداث , وقد يوقع الضحية للأذى الجسدي والنفسي والصدمة ، وشدة عقاب الطفل بقوة بضربه أو شتمه تشعره بالقهر والإحباط والاكتئاب التي تولد لديه ردة فعل معنفة اتجاه الآخرين تشعره بالاهتمام والشعبية, وإهمال الأسرة للطفل بتلبية احتياجاته النفسية والمادية يجعله يتلذذ ويستمتع بإيذاء الآخرين كنوع من التعويض الذاتي ،والتدليل والحماية الزائد للطفل تشعره بالغرور والأنانية والنرجسية وحب الذات والتحكم فإذا رفض للطفل طلب سيصبح هائج وغاضب ويتصرف بعنف سواء اتجاه نفسه أو من حوله من المدرسة باعتباره انه هو صاحب السلطة المالية الأكبر، والغيرة الناتجة عن شعور الطفل بالحسد لمن هم أفضل منه ماليا واجتماعيا إلى جانب المقارنات الأهالي والمعلمين للأطفال والتمييز بينهم فيصبح تنمر الطفل بابتزاز الضحية وتمزيق ملابسها ورفع السكين أو إلقاء تسميات عليها للفت الانتباه ولتلبية احتياجاته النفسية بشعوره بالسلطة والمادية بالسرقة والابتزاز لسد جوعه ، وتزايد الطلاب داخل المدرسة يفقد المدرسة القدرة على ضبط الطلاب مما يزيد من نسبة الاعتداءات والتنمر وتقليد الطفل لنماذج سلوكية مثل عصبية أحد الوالدين أو المدرس أو شخصيات معنفه رآها عبر التلفاز , وفي أغلب حالات التنمر يكون بسبب إصابة الأطفال باضطرابات نفسية أو أمراض عقلية ونفسية تؤدي بهم إلى التنمر الشديد فقد يعتدي على الضحية جنسيا من أجل تهديده وابتزازه وقد تؤدي به الى القتل أو الانتحار .
وتؤكد عليان على أهمية عقد ورش تثقفية للأهالي والمعلمين للتعامل مع مشكلة التنمر عند الأطفال وتلبية احتياجاتهم النفسية و المادية , وتعزيز دور الرقابة الأسرية في مراقبة سلوك أبنائهم وتوعيتهم بخطورة مشاهدة الاطفال لأفلام العنف عبر التلفاز، وضرورة الحد من ظاهرة الضرب في المدارس واستبدالها بأساليب عقاب اخري ، وتوفير نماذج ايجابية للأطفال ليقتدوا بها سلوكيا ،وترك مساحة للأطفال للعب والتعبير عن أفكارهم وتفريغ طاقاتهم ومناقشتهم ، وضرورة التدخل الطبي النفسي في حالات التنمر الشديدة للضحايا والمتنمرين.
وترى سلوى الحداد " دكتورة المناهج وطرق التدريس " ان المدرسة تلعب دورا مؤثرا في تحويل سلوك الطفل من طفل حسن السير والسلوك الي طفل متنمر من خلال استخدام أساليب الضرب والشتم واستخدام أساليب العقاب غير الآدمية مما تجعل الطفل اكثر عرضه للتنمر, ،ويعد التنمر المدرسي بما يحمله من عدوان تجاه الأقران سواء أكان بصورة جسدية أو لفظية أو اجتماعية من المشكلات التي لها آثار سلبية سواء على المتنمر أو على ضحية التنمر، وكذلك على البيئة المدرسية وعلى المجتمع ، كما أن التنمر لا يلحق الضرر فقط على الجوانب الجسمية والنفسية للضحية بل يتعداه إلى مستوى تحصيله العلمي ؛ حيث أن خوفه من التنمر يجعله ينسحب من ممارسة الأنشطة المدرسية ويجعله يفكر بالتسرب او ممارسة بعض الاعمال الاجرامية التي لا يحمد عقباها .
وتضيف الحداد أن العنف داخل البيئة المدرسية وصل حد التوحش وانه لم يعد سلوكاً إنسانيا ؛ ولذا أطلق عليه ظاهرة "التنمر" وهناك دراسات عديدة أظهرت أن عدد طلبة ضحايا التنمر الذين يتسربون من المدارس في تزايد مستمر، كما يتضح من عدد من الدراسات إلى ان التنمر في المرحلة الدراسية المتوسطة أعلى منه في المرحلة الابتدائية بمعني أن التنمر قد يتنامى مع النمو الجسدي للطفل .
وتنوه الحداد إلى ان هناك العديد من الممارسات التي جعلت الطفل متنمر على سبيل المثال منها : ممارسات المعلمين والادارة المدرسية وذلك من خلال التمييز بين الطلبة في التعامل , واستخدام اساليب الضرب المبرح والاهانات اللفظية التي تفقد الطفل ثقته بنفسه وتفقده الاهتمام بالتعليم وحب المدرسة , وعدم مراعاة الفروق الفردية في القدرات والمهارات أثناء التدريس , واستخدام اسلوب المحاباة في الدرجات وهضم حقوق المتميزين بالإشادة والتقدير, كل هذه الممارسات والأساليب القمعية وغيرها تخلق ضحية جديدة من ضحايا التنمر .
وتؤكد الحداد ضرورة تزويد المربين وأولياء الأمور ومن يتعامل مع الطفل المتنمر بخصائص المرحلة العمرية والنفسية لتلك الشخصية وما يرافقه من انفعالات مختلفة قد تصيبه , وكيفية التعامل معه ومساعدته على تجاوز مشكلاته التي قد يقع بها , والعمل على تحويل اعتقاده وموقفة السلبي نحو نفسه ونحو الآخرين إلى اتجاه ايجابي من خلال إشراكه بأنشطة تعليمية وتربوية مفيدة تعمل على تفريغ طاقاته بشكل مثمر.
وترى نيرمين البورنو " دكتوراه تكنولوجيا التعليم " ان التنمر باتت ظاهرة يشتكى منها العالم ويعاني من اثارها الكثير , وان المدارس أصبحت محل عمليات تنمر يومية , وأصبح انتشار ظاهرة التنمر فيها امرا اثبتته العديد من الدراسات على مستوي العالم , ويبحث المهتمون بالعملية التربوية والتنشئة المجتمعية سبل علاجها لخطورتها , ولقد تغيرت النظرة للمشكلة من نظرة ترف تربوي وتكنولوجي الي نظرة جدية وحاجة ملحة وماسة لدراسة ظاهرة التنمر , والتي أصبحت الاكثر شيوعا في ظل العولمة , والانفجار المعرفي وثورة الاتصالات والمعلومات , الامر الذي يحتم على المختصين والباحثين والمعلمين والمربين واولياء الامور ان يولوا اهتماما كبيرا في تلك الظاهرة.
وتشير البورنو ان التنمر يعتبر سبب مؤثر في وجود العديد من المشاكل مثل تعثر الكثير من الطلاب دراسيا , وقد تدفع بالبعض الى كره الدراسة وتركها نهائيا , ونقص الدافعية وانخفاض التحصيل , والقلق وقصور في تقدير الذات والغياب المتكرر , والخوف والعزلة الاجتماعية .
وتضيف البورنو ان المشكلة تنمو يوما بعد يوم بخفية تامة في ظل إهمال الوالدين , وإهمال المدرسة والاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين الذين غاب دورهم في حل تلك المشكلة , وهذا الغياب له مبررات اهمها قلة خبره الاختصاصيين الاجتماعيين , وقلة المواد والامكانيات المادية التي تساهم في حل تلك الظاهرة.
وتنوه البورنو ان التكنولوجيا سلاح ذو حدين ولقد أظهرت العديد من الأبحاث بأن للتكنولوجيا آثار إيجابية وأخرى سلبية من حيث قدرة الأطفال على التفكير، فهي لا تؤثر فقط على طريقة تفكيرهم بل تؤثر أيضاً على طريقة نمو أدمغتهم وتطورها، ولقد ربط العلماء بين الاستخدام المفرط للتكنولوجيا مع رفع احتمال حدوث السلوكيات الخطيرة لدى الأطفال وغيرها من تقلبات المزاج، والتي تعمل على تكسير الروابط العاطفية بين الاباء واطفالهم , وقد اشارت العديد من الدراسات ان الاستخدام المفرط للتكنولوجيا يسبب في زيادة الدهون لدى الأطفال , بالإضافة الى تناقص ساعات النوم لديهم , وفي دارسة اخرى توصلت الي ان الاطفال الذين يستخدمون التكنولوجيا من بين 3 الي 4 ساعات في اليوم كانوا اكثر عرضة بنسبة 50% للوقوع في سلوكيات خطيرة كالتدخين او تعاطي المخدرات , وان الاستخدام المفرط للتكنولوجيا والعاب الفيديو والتي تحوي على مشاهد عنف قد تسبب في رفع معدل الادرينالين ومستوي التوتر لدي الاطفال وذلك لعدم مقدرتهم على تمييز حقيقة ما يشاهدونه .
وتؤكد البورنو ان تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يمكن استخدامها لمنع ومكافحة ظاهرة التنمر عن طريق الدعم والاستشارة خلال مواقع الشبكات الاجتماعية , وعن طريق تطبيقات الهواتف الذكية التي اسهمت في مساعدة أهل ضحايا التنمر عبر التواصل المباشر بالخط الساخن للتدخل في الازمة والحصول على المعلومات او للإحالات , وبالإضافة الي ذلك فان التطبيق استخدم بمثابة مجتمع عبر الانترنت بالنسبة للراغبين في تبادل القصص وللمتطوعين لمناقشة جهود التوعية الخاصة بهم , ويمكن ان تكون عنصرا ناجحا في مجال النهوض باستجابة مجتمع العدالة الجنائية للحد ومعالجة ومنع تفاقم ظاهرة التنمر لدي الاطفال .
ويرى ميثاق الضيفي" دكتور العلوم السياسية والاقتصادية " أن القضاء على ظاهرة التنمر لدي الطفل هي مسؤولية تقع على المجتمع لان الطفل هو احدي اهم لبنات المجتمع الاساسية , ويظهر التنمر من خلال استخدام اساليب عديدة منها : الإساءة الجسدية والجنسية والنفسية ، التي تبدأ من سوء المعاملة الوالدية الغير مقصودة ،ثم تتطور إلى الإيذاء لفرض السلطة من قبل الأقران وزملائه ويصبح على شكل ضرب وعنف جنسي وتهديدات وباستخدام الأسلحة النارية والسكاكين.
ويشير الضيفي الى ان عواقب التنمر خطيرة على الأمد الطويل ، لأنها تعمل على عرقلة نمو الدماغ في مرحلة البلوغ , إلى جانب مجموعة من المشاكل الصحية والعقلية والبدنية, وانها تؤثر على الصحة العامة وعلى التكاليف الاقتصادية المرتبطة بها ، بالإضافة لانخفاض الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية ورعاية الأطفال.
ويضيف الضيفي انه يمكن الحد من ظاهرة التنمر لدي الطفل , عبر تنفيذ استراتيجية للقضاء على أسباب التنمر الجذرية وعواملة , وذلك عن طريق تعزيز حقوق حماية الطفل من التنمر وتقليل العبء الذي يخلقه تنمر الأطفال في المجتمع والنظم الصحية ، واعتماد تشريعات تمنع مختلف أشكال التنمر والامتثال لها , والحد من تعاطي الكحول وتقييد وصول الشباب إلى الأسلحة النارية وغيرها من الأسلحة , و اعتماد قوانين تحظر أشكال التنمر اتجاه الأطفال كالاعتداء الجنسي وفرض العقوبات القاسية ضمن قوانين التي تحقق العدالة لمكافحة التنمر عند الأطفال , وضرورة ايجاد بيئة أمنه بهدف تعزيز وتطوير السلوك الايجابي والقضاء على العنف والعمل على انهاء الصراعات العنيفة والتخلي عن العنف الانتقامي . والعمل على تحسين الوضع الاقتصادي للأسرة لتعزيز الامن الاقتصادي والاستقرار للعائلة , وتيسير قوانين العنف والعمل على تأهيل الاحداث للجانحين في اطار نظام العدالة الجنائية , فضلا عن الانشطة الشاملة التي تشمل الخدمات الاجتماعية , والعمل على توفير بيئة مثقفة توعي الاطفال بقضايا العنف الجنسي وتعلمهم طرق حماية انفسهم .
ويؤكد الضيفي ضرورة القضاء على ظاهرة التنمر لدى الطفل وذلك في جميع القطاعات الصحية والتعليمية و العدالة والرعاية الاجتماعية والتمويل , والعمل على ايجاد البيئة المراقبة والواعية لكل بلد بما يتناسب مع هيكلها، وتطبيق قوانين العدالة بما تتناسب مع أشكال التنمر, وهكذا يتمثل الحل الامثل للقضاء والاسراع في حل مشكلة التنمر لدى الطفل .
وأكد الخبراء الأربعة على ان المسؤولية تقع على المجتمع المدني والمدرسة والبيت في محاربة الظاهرة , من خلال وضع خطط وبرامج علاجية للمتنمرين بالشراكة مع المختصين في علم النفس وتكنولوجيا التعليم , وتشجيع الضحايا على التواصل مع المختصين في حالة تعرضهم لسلوكيات التنمر , والعمل على تشديد المراقبة واليقظة التربوية للرصد المبكر لحالات التنمر لدى الاطفال.
28/10/2018 11:04 pm
.png)






