
من يقرأ عنوان المقال رُبَّما يعتقد للوهلة الأولى أن المقصود في "دار السلام" هي زنجبار (تنزانيا)؛ أكبر مدن البلاد التي تأسست في عام 1866م على يد السلطان العُماني/ ماجد بن سعيد _ والتي تعتبر مركزاً اقتصاديا نابضاً بالحياة يدمج ما بين الثقافة العربية، والإفريقية، والتي تشتهر بمينائها الحيوي، وأسواقها التقليدية العريقة، وشواطئها المطلة على المحيط الهندي، وإن دار السلام في الدُنيا تُعتبر جوهرة الساحل الشرقي لإفريقيا، ومدينة دار السلام هي القلب النابض لجمهورية تنزانيا، وواحدة من أسرع المدن نمواً في القارة الإفريقية؛ كما يعكس اسمها معناها الحقيقي كواحة للسلام والتعايش الثقافي بين مختلف الأعراق، والديانات.
ولكن ذلك ليس هو بيت القصيد، والهدف من هذا المقال، وإنما ما قيل، غير تمامًا عن ما سوف يقال؛ ومن المعلوم أن لكل مَقامٍ مقال، ومقالنا اليوم ليس عن دار السلام في الدنيا؛ وذلك لأنه يستحيل أن تبقى مدينة أو دولة أو أي بقعة حتى، وإن كانت مقدسة، ومكرمة، ومُعظمة في الدُنيا، واسمها دار السلام وتبقى أبد الدهر دارًا للسلام خالدةً مُخلدةً هي، وأهلها تتنعم، وتنُعم بالسلام، وبنعمة الأمن، والأمان طيلة الزمان!؛ لأن الدنيا دار ممر ، وليست بدار مقر ودرا ابتلاء، وعناء، وكبد، وليس بدار استقرار، والليالي الحلوة يتعبها ليال فيها الألم والبكاء في الخلوة؛ فلا تبقى الحلوى حلوى، ولا السلوى سلوى، ولا النجوى نجوى، فالشباب يهرم، والعمر لابد أن يأتي يوم وينتهي، ولابد من أن يفارق كل حبيب حبيبه، وكل خلٍ خليلهُ وكل صديق صديقهُ؛ وبعد كل العلو لكائنٍ من كان في الدنيا فلابد من النزول إلى القبر والذي إما أن يكون روضة أجمل من القصر ، أو حفرة مظلمة ذو منظر فظيع، ورهيب، ومخيف إنه القبر بيت الغُربة. وإننا نريد الوصول بعد كل ما سبق، وقيل عن دار الأمن، والأمان في الدنيا؛ نريد الوصول لدار السلام الحقيقة التي لا تعب فيها ولا نصب، ولا وصب؛ والتي يدعو الله عز وجل عبادة المؤمنين لداره الخالدة العظيمة الباقية السرمدية التي فيها جمال جليل جميل رائع إنها الجنة " دار السلام" قال تعالى عز وجل: ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [يونس: 25]؛ وجاء في الحديث الصحيح عن النواس بن سمعان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله ضرب مثلًا صراطًا مستقيمًا، على كنفي الصراط زُورانِ لهما أبوابٌ مُفتَّحةٌ على الأبواب ستور، وداعٍ يدعو على رأس الصراط، وداعٍ يدعو فوقه: ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾، والأبواب التي على كنفي الصراط حدود الله، فلا يقع أحد في حدود الله حتى يكشف الستر، والذي يدعو من فوقه واعظ ربه))؛ "قال البقاعي، وما قرر سبحانه هذه الآيات التي حذر فيها من أنواع الآفات و بيَّن أن الدار التي رضوا بها، واطمأنوا إليها، دارُ المصائب ومعدنُ المهلكات والمعاطب، وأنها ظل زائل؛ تحذيرًا منها وتنفيرًا عنها، بين تعالى أن الدار التي دعا إليها سالمة من كل نَصَبٍ وهَمٍّ ووصَبٍ، ثابته بلا زوال"؛ وقال البغوي في تفسيره: (سُمِّيَت دارَ السَّلامِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن دَخلَها سَلِمَ مِنَ البلايا والرَّزايا، وقيلَ: سُمِّيَتْ بذَلِكَ لِأنَّ جَميعَ حالاتِها مَقرُونةٌ بالسَّلام، فقال سبحانه: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ﴾ [الحجر: 46] ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ [الرعد: 23، 24] ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا ﴾ [الواقعة: 25، 26] ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾ [يونس: 10]، ﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾ [يس: 58]، وقيل: المراد بالسلام التحية، سميت بدار السلام؛ لأن أهلها يحيي بعضُهم بعضًا بالسلام، والملائكة تسلم عليهم؛؛ وقيل: لأن السلام هو الله تعالى، والجنة داره، وأُضيفت إليه سبحانه تكريمًا وتشريفًا؛ "والسلام" كلمة كُلٌّ يبحث عنها، فمنذ ولادة الإنسان إلى نهاية حياته، وهو يبحث عن السلام: في الدين، في الأهل، في الجسد، في الوطن، في البيت، في العلاقات، في كل مكان، وفي كل شيء؛ إذًا فلا عجب أن يُعِدَّ اللهُ لعباده دارًا اسمها السلام، فيها السلام الكامل الأبديُّ، ليجتهدوا في العمل لها، ويبذلوا الغالي والنفيس لأجلها؛ فدار السلام هي جنته التي يسلم فيها الناس من المصائب والهموم، ويسلمون من الموت وجميع المنغِّصات والمكدِّرات. قال أبو جعفر: "يقول تعالى ذكره لعباده: أيها الناس، لا تطلبوا الدنيا وزينتها، فإن مصيرها إلى فناء وزوال، كما مصير النبات الذي ضربه الله لها مثلًا، إلى هلاك وبوار، ولكن اطلبوا الآخرة الباقية، ولها فاعملوا، وما عند الله فالتمسوا بطاعته، فإن الله يدعوكم إلى داره، وهي جناته التي أعدَّها لأوليائه، تسلموا من الهموم والأحزان فيها، وتأمنوا من فناء ما فيها من النعيم والكرامة التي أعَدَّها لمن دخلها"؛ وقال ابن القيم: (هي أحَقُّ بهذا الاسمِ فإنَّها دارُ السَّلامةِ مِن كُلِّ بَليةٍ وآفةٍ ومَكرُوهٍ، وهي دارُ اللهِ، واسمُه سُبحانَه وتعالى السَّلامُ الَّذي سَلَّمَها وسَلَّم أهلَها)؛ أيها السائرون إلى الله، دونكم الجنة دار السلام فتهيئوا للدخول لها، قال تعالى: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ [الحديد: 21]؛ ﴿ لهم دار السلام ﴾ الجنة ﴿ عند ربهم ﴾ مضمونةً لهم حتَّى يُدخلوها ﴿ وهو وليهم ﴾ يتولَّى إيصال الكرامات إليهم ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ من الطَّاعات؛ ﴿ لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾، يَعْنِي: الْجَنَّةَ قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: السَّلَامُ هُوَ اللَّهُ، وَدَارُهُ الْجَنَّةُ وَقِيلَ: السَّلَامُ هُوَ السَّلَامَةُ، أَيْ: لَهُمْ دَارُ السَّلَامَةِ مِنَ الْآفَاتِ، وَهِيَ الْجَنَّةُ. جعلنا الله جل جلاله وإياكم جميعًا من أهل دار السلام الجنة، وممن يدخلوها بسلام، ومن الوجوه الناظرة لربها ناظرة في الجنة العالية دار السلام.
الباحث، والكاتب، والمحاضر الجامعي، المفكر العربي، والمحلل السياسي
الأديب الأستاذ الدكتور/ جمال عبد الناصر / محمد عبد الله أبو نحل
عضو نقابة اتحاد كُتاب وأدباء مصر، رئيس المركز القومي لعلماء فلسـطين
رئيس الإتحاد العام للمثقفين، والأدباء، والكتاب، والأكاديميين بفلسطين
رئيس مجلس إدارة الهيئة الفلسطينية للاجئين سابقًا، وعضو مؤسس في اتحاد المدربين العرب
وعضو نقابة الاتحاد الدولي للصحافة الإلكترونية
dr.jamalnahel@gmail.com
14/06/2026 12:16 pm
.png)






