الحياة برس - محمد زريد

 كشفت دراسة غذائية حديثة أجرتها مجموعة التغذية في دولة فلسطين بقيادة اليونيسف عن تغير مهم في الوضع الغذائي للأطفال في قطاع غزة، مع تراجع مستويات سوء التغذية الحاد في المناطق التي أمكن الوصول إليها، مقابل استمرار آثار طويلة الأمد لنقص الغذاء وسوء نوعيته على نمو الأطفال وصحتهم.

ونشرت اليونيسف نتائج المسح في 24 أغسطس/آب 2026، لتقدم أحدث صورة متاحة حتى 26 أغسطس 2026 عن الوضع الغذائي للأطفال في غزة. وأُجري المسح بين 31 مايو و15 يونيو 2026، وشمل 1,335 طفلاً تتراوح أعمارهم بين صفر و59 شهراً في 147 تجمعاً. 

12.2% من أطفال غزة يعانون التقزم


أظهرت نتائج المسح أن 12.2% من الأطفال دون سن الخامسة يعانون من التقزم، وهو أحد المؤشرات التي تعكس تأثير سوء التغذية والظروف الصحية المتراكمة على نمو الطفل خلال فترة طويلة.

وتشير اليونيسف إلى أن التقزم يختلف عن سوء التغذية الحاد؛ إذ يرتبط بتأثيرات تراكمية تمتد لفترة أطول، ولذلك فإن تحسن كمية الغذاء خلال فترة قصيرة لا يعني بالضرورة زوال آثار الأزمة التي تعرض لها الطفل في السنوات السابقة. 

وبحسب الأمم المتحدة، تعادل هذه النسبة تقريباً طفلاً واحداً من بين كل ثمانية أطفال في المناطق التي شملها المسح. 

انخفاض سوء التغذية الحاد إلى نحو 1.3%


في المقابل، أظهر المسح أن نسبة سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون الخامسة في المناطق التي شملتها الدراسة بلغت 1.3% عند استخدام المعايير التشخيصية الثلاثة المعتمدة في المسح.

وتعد هذه النسبة أقل بكثير من المستويات التي شهدتها غزة خلال ذروة أزمة الجوع في 2025، لكن اليونيسف تحذر من التعامل معها باعتبارها نهاية لأزمة سوء التغذية. 

ويعود جزء من التحسن، بحسب المنظمة، إلى زيادة وصول المساعدات والإمدادات التجارية بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وتوضح بيانات اليونيسف أن عدد الأطفال الذين كانوا يدخلون برامج علاج سوء التغذية الحاد وصل إلى نحو 17 ألف طفل في أغسطس 2025، قبل أن يتراجع إلى أقل من 3 آلاف طفل في مارس 2026 مع تحسن وصول المساعدات والإمدادات. 

المشكلة ليست كمية الطعام فقط


تكشف الأرقام أن التحدي الذي يواجه أطفال غزة لا يتعلق فقط بكمية الطعام المتاحة، وإنما أيضاً بنوعية الغذاء وتنوعه.

فقد أظهر المسح أن 73% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً تناولوا أطعمة غير صحية في اليوم السابق للمسح، بينما لم يحصل سوى 22.4% منهم على الحد الأدنى من النظام الغذائي المقبول.

وهذا يعني أن توفر الطعام لا يضمن بالضرورة حصول الطفل على العناصر الغذائية الضرورية للنمو السليم. 

الإسهال يصيب أكثر من ثلث الأطفال

وأظهرت نتائج المسح أن 37.1% من الأطفال دون الخامسة أصيبوا بالإسهال خلال الأسبوعين السابقين للمشاركة في الدراسة.

وتكتسب هذه النسبة أهمية خاصة في ظل الظروف الصحية والبيئية الصعبة في القطاع، إذ يمكن للأمراض المتكررة أن تؤثر في قدرة الطفل على الاستفادة من الغذاء وتزيد من مخاطر سوء التغذية. 

سوء تغذية بين الأمهات أيضاً


لم تقتصر نتائج الدراسة على الأطفال، إذ رصدت كذلك وجود سوء تغذية بين النساء والفتيات في سن الإنجاب، بما في ذلك النساء الحوامل والمرضعات.

وتظهر بيانات المسح أن 9.4% من النساء غير الحوامل وغير المرضعات عانين من سوء التغذية، بينما بلغت النسبة 7.2% بين النساء الحوامل والمرضعات وفق البيانات التي نشرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. 

ويحذر الخبراء من أن تغذية الأم ترتبط بصورة مباشرة بصحة الطفل، خصوصاً خلال الحمل والرضاعة والسنوات الأولى من حياته.

4% من الأطفال يعانون زيادة الوزن


ومن المفارقات التي كشفت عنها الدراسة تسجيل زيادة الوزن لدى 4% من الأطفال دون الخامسة.

وتفسر اليونيسف اجتماع التقزم وسوء التغذية الحاد وزيادة الوزن في المجتمع نفسه باعتباره مؤشراً على مشكلة في جودة النظام الغذائي، وليس مجرد نقص في السعرات الحرارية.

فالطفل قد يحصل على كمية كافية من الطعام، لكنه لا يحصل بالضرورة على البروتينات والفيتامينات والمعادن وغيرها من العناصر اللازمة للنمو. 

لماذا لا تعني الأرقام الجديدة انتهاء أزمة سوء التغذية؟


تشدد اليونيسف على ضرورة قراءة نتائج المسح بحذر، خصوصاً أن الدراسة أجريت في المناطق التي كان الوصول إليها ممكناً.

وقد استُبعد نحو 17% من سكان قطاع غزة، أي ما يقارب 358 ألف شخص، من إطار العينة بسبب صعوبات الوصول والأوضاع الأمنية.

ولهذا فإن نتائج الدراسة تمثل المناطق التي شملها المسح ولا يمكن اعتبارها إحصاءً وطنياً شاملاً لكل سكان القطاع. 

كما أن المسح يصف الوضع خلال الفترة بين 31 مايو و15 يونيو 2026، ولا يقيس ما حدث قبلها أو بعدها. وهذا مهم عند مقارنة أرقام الدراسة بالوضع الغذائي الحالي في نهاية أغسطس. 

ماذا حدث لأطفال غزة خلال أزمة الجوع؟


تأتي نتائج الدراسة بعد واحدة من أسوأ مراحل انعدام الأمن الغذائي التي شهدها القطاع.

ففي أغسطس 2025، أعلنت آلية التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC وقوع المجاعة في غزة، بينما كانت القيود على دخول المواد الغذائية والإمدادات تعيق برامج الوقاية من سوء التغذية.

وتقول اليونيسف إن برامج اكتشاف وعلاج سوء التغذية استمرت خلال تلك الفترة، لكن برامج التغذية الوقائية التي تمنع الأطفال من الوصول إلى مرحلة سوء التغذية الحاد تضررت بشدة بسبب نقص الإمدادات وإمكانية الوصول. 

الخطر الآن: عودة التدهور


رغم التحسن في بعض المؤشرات، تحذر اليونيسف من أن المكاسب الحالية هشة وقابلة للانتكاس إذا تراجعت المساعدات أو تعطلت الأسواق أو انخفض وصول الغذاء والوقود والمياه والخدمات الصحية.

وقال المدير الإقليمي لليونيسف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إدوار بيغبيدر، إن تحسن تغذية الأطفال مرتبط بوصول المساعدات والإمدادات التجارية، محذراً من إمكانية تراجع هذا التحسن خلال أشهر إذا لم تستمر إمكانية الوصول الإنساني والتمويل والأسواق العاملة. 

ماذا يحتاج أطفال غزة؟


لا تقتصر معالجة سوء التغذية على توزيع السعرات الغذائية، إذ تؤكد اليونيسف أن الأطفال بحاجة إلى غذاء متنوع ومغذٍ، ومياه آمنة، ورعاية صحية، وخدمات الصرف الصحي والنظافة.

كما دعت المنظمة إلى استمرار وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتوفير الوقود، وتمويل برامج التغذية والصحة والمياه والصرف الصحي، إلى جانب ضمان عمل الأسواق التجارية. 

وتعني الأرقام الجديدة أن الصورة في غزة أكثر تعقيداً من مجرد سؤال: هل انتهى الجوع أم لا؟

فمن ناحية، تراجع سوء التغذية الحاد بشكل كبير في المناطق التي شملها المسح، وهو تطور إيجابي. ومن ناحية أخرى، لا يزال التقزم وسوء جودة الغذاء والأمراض المتكررة وسوء تغذية الأمهات يشكلون تحديات كبيرة قد تؤثر في جيل كامل.

وتلخص اليونيسف المسألة بأن سوء التغذية الحاد يمكن أن يتحسن خلال أسابيع، لكن الأضرار الأوسع التي تراكمت لدى الأطفال لا تختفي بالسرعة نفسها. 

calendar_month26/08/2026 08:40 pm