
الحياة برس - لم يكن رحيل نابليون بونابرت عن مصر عام 1799 مجرد خطوة عسكرية عابرة، بل كان واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في تاريخ الحملة الفرنسية، بعدما قرر الجنرال الفرنسي مغادرة البلاد سراً والعودة إلى فرنسا، تاركاً خلفه جيشاً يواجه أوضاعاً عسكرية وسياسية بالغة الصعوبة.
وصل نابليون إلى مصر عام 1798 ضمن حملة عسكرية حملت أهدافاً تتجاوز السيطرة على الأراضي المصرية، إذ أرادت فرنسا ضرب المصالح البريطانية في المنطقة وتهديد الطريق المؤدي إلى الهند، بينما كان بونابرت نفسه يرى في الحملة فرصة لبناء مجد عسكري ينافس أمجاد القادة التاريخيين.
لكن المشروع الفرنسي اصطدم سريعاً بواقع مختلف. ففي أغسطس/آب 1798، تمكن الأسطول البريطاني بقيادة الأدميرال هوراشيو نيلسون من تدمير الجزء الأكبر من الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير البحرية، الأمر الذي عزل القوات الفرنسية في مصر عن فرنسا وقطع عنها خط الإمداد البحري الرئيسي.
ولم تتوقف المشكلات عند هذا الحد، إذ واجهت الحملة مقاومة محلية، واندلعت ثورة القاهرة، كما تعثر نابليون في حملته على بلاد الشام بعدما فشل في الاستيلاء على عكا، في وقت تفشى فيه الطاعون بين الجنود.
وبحلول عام 1799، بدأت أخبار مقلقة تصل إلى نابليون من فرنسا، حيث كانت الجمهورية تمر بأزمة سياسية وعسكرية. ومع إدراكه أن مستقبله السياسي قد يكون في باريس أكثر منه في مصر، بدأ التفكير في العودة بشكل سري.
رحلة سرية من الإسكندرية
في أغسطس/آب 1799، اتخذ نابليون قراره بالمغادرة، لكنه لم يعلن الأمر على نطاق واسع داخل الجيش. وفي 22 أغسطس/آب، غادر الإسكندرية على متن السفينة "لا مورتيير"، برفقة عدد محدود من مساعديه، متوجهاً نحو فرنسا في رحلة بحرية محفوفة بالمخاطر بسبب وجود الأسطول البريطاني في البحر المتوسط.
ترك نابليون قيادة القوات الفرنسية في مصر للجنرال جان بابتيست كليبر، الذي لم يكن راضياً عن الوضع الذي وجده بعد توليه القيادة. فقد كانت الحملة تعاني نقصاً في الإمدادات والمال، فضلاً عن تراجع أعداد الجنود واستمرار المواجهات مع القوى المحلية والعثمانية والبريطانية.
ورغم ذلك، لم يكن رحيل نابليون يعني نهاية الحملة فوراً. فقد تمكن كليبر من إعادة تنظيم القوات الفرنسية وخاض معركة عين شمس عام 1800، قبل أن يدخل في مفاوضات لإنهاء الوجود الفرنسي في مصر.
نابليون يعود إلى باريس
كان حساب نابليون السياسي مختلفاً عن حسابات جيشه. فقد وصل إلى فرنسا في وقت كانت فيه الجمهورية تعاني أزمة سياسية عميقة، وسرعان ما استغل حالة الاضطراب ليقود انقلاب 18 برومير في نوفمبر/تشرين الثاني 1799.
وأطاح الانقلاب بحكومة الإدارة، ليتولى نابليون منصب القنصل الأول، فاتحاً الطريق أمام صعوده السياسي الذي انتهى لاحقاً بتتويجه إمبراطوراً على فرنسا.
أما الحملة التي تركها وراءه، فواصلت القتال في مصر تحت قيادة كليبر ثم الجنرال عبد الله جاك مينو، قبل أن تنتهي بانسحاب القوات الفرنسية من البلاد عام 1801.
وفي يونيو/حزيران 1800، اغتيل كليبر في القاهرة على يد سليمان الحلبي، وهو طالب سوري قدم إلى مصر خلال فترة الاحتلال الفرنسي. وبعد مقتله تولى مينو قيادة الحملة حتى نهايتها.
وهكذا تحولت مغادرة نابليون لمصر إلى نقطة فاصلة في مسيرته؛ فقد كانت بالنسبة إليه بداية مرحلة سياسية جديدة قادته إلى السلطة، بينما تركت خلفه حملة عسكرية أنهكتها الحرب والمرض والعزلة، وانتهت بعد نحو ثلاث سنوات بانسحاب الفرنسيين من مصر.
وتظل واقعة مغادرته الإسكندرية مثاراً للجدل التاريخي، بين من يراها قراراً سياسياً ذكياً أنقذ مستقبل نابليون، ومن يعتبرها تخلياً عن جيش وضعه في واحدة من أصعب المغامرات العسكرية الفرنسية خارج أوروبا.
27/08/2026 12:33 pm
.png)






