( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية وتتويج جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية ، وما تخلّل تلك المرحلة من استحقاقات وتداعيات سلبية .تبدأ مرحلة جديدة يمكن أن نطلق عليها مرحلة المواجهة للعديد من المعضلات والمشاكل الصعبة والتي استعصت على الحل التي تعاني منها الولايات المتحدة الأمريكية وهي كثيرة ، وتكاد لا تُحصى. 
      وفي طريقه إلى البيت الأبيض بعد تنصيبه مباشرةً. غرّد الرئيس جو بايدن على تويتر مؤكداً أنه لا يوجد وقت نضيّعه عندما يتعلق الأمر بمواجهة الأزمات المستعصية التي نواجهها . وهكذا فقد بدأت قراراته بالصدور من البيت الأبيض على التوالي، محاولاً إزالة إرث الرئيس السابق المعزول دونالد ترامب . وهو إرث ثقيل . فقد وقّع على ١٥ أمراً رئاسياً ، للتخلص من تبعات السياسات البراغماتية التي قام بها دونالد ترامب . وعلى الرغم من أهمية الأوامر الرئاسية التي وقّعها هناك أمر رئاسة هام هو إقرار سلسلة من الإجراءات الضرورية لمواجهة فيروس كوفيد ١٩ وكوفيد ٢٠ المستجد (كورونا ) الذي أزهق حياة أكثر من أربعمائة ألف مواطن أمريكي ، تضمنت فرض ارتداء الأقنعة لمدة مائة يوم . كما شملت تلك الأوامر قضايا استراتيجية هامة ، من ضمنها العودة للانضمام لاتفاق باريس للتغيير المناخي . والذي هذه تقليص انبعاثات الكربون. كما تضمنت الأوامر الرئاسية تحقيق المساواة بين المواطنين الأمريكيين بمختلف أعراقهم وأثنياتهم وأديانهم ، وإلغاء قرار الرئيس السابق دونالد ترامب بمنع المواطنين من العديد من الدول الإسلامية من الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية . كما ألغى الرئيس جو بايدن تمويل بناء الجدار العنصري على حدود المكسيك . كما وضع الرئيس جو بايدن استراتيجية هدفها بالدرجة الأولى إعادة حضور الولايات المتحدة الأمريكية العالمي . وبشكل خاص في القارة الأوروبية . وإعادة الاعتبار للعولمة ، واعتماد سياسة الانفتاح الاقتصادي ومنظمة التجارة العالمية التيتراجع دورها في أثناء رئاسة دونالد ترامب. ونحن في هذا الصدد نتساءل هل ستتكفل سياسة الرئيس جو بايدن الجديدة بحل جميع المشكلات المستعصية والمعضلات التي تواجه الولايات المتحدة وتعيد الاعتبار لحضورها على المسرح العالمي ؟ 
هذا التساؤل يحمل معنى متضمناً هدفه تحميل الرئيس السابق دونالد ترامب مسؤولية قراراته التي أدت إلى كل هذا الخراب وتراجع موقع الولايات المتحدة في السياسة الدولية .وبالتالي موقعها في صراع القوة العظمى . على الصعيد الدولي . وهو قول لا تؤبده الوقائع ولا تدعمه . لذا فتراجع الولايات المتحدة في موازين القوة العالمية ليس من صنع دونالد ترامب .بل هو نتاج تراكمات طويلة زمنياً. وصعود تكلمت وقوى دولية جديدة بدأت بالافصاح عن نفسها مع بداية القرن الواحد والعشرين . فقد أشار كبار المفكرين الأمريكيين . أمثال : هنري كيسنجر ، وصاموئيل هنتغتون .عن نهاية الأحادية القطبية . كما أشار المفكر الأمريكي من أصل ياباني فرانسيس فوكوياما إلى نهاية التاريخ . جميعهم بشّروا عن اقتراب نهاية الأحادية القطبية وظهور أقطاب دولية جديدة تنافس الولايات المتحدة في موازين القوة الاقتصادية . بل يمكننا أن نحسب للرئيس السابق دونالد ترامب أنه حاول جاهدا الحد من الاندفاع والتطور الاقتصادي الصيني . لكن تلك المحاولات لم تنجح في تحقيق أهدافها . في الحقيقة كنا نراقب التطورات بدقة منذ بداية القرن ٢١ الذي أشارت الكثير من أحداثه واستحقاقاته واستتباعاته بأنّ هناك خطاً بيانياً متصاعداً بشكلٍ متسارع للقوة الاقتصادية الصينية . يقابله خط بياني منحدر للأسف لنظيرتها الولايات المتحدة الأمريكية . وأنّ كل السياسات التي تبنتها إدارات الولايات المتحدة المختلفةلم تستطع أن تلغي قانون الدورة التاريخية ، التي تؤكّد ما يردده المتصوفون بأنه : ( ليس بعد الكمال والاكتمال سوى النقصان) .  
  من هنا ندرك حجم المشاكل المعقّدة والمستعصية التي تواجه إدارة الرئيس جو بايدن لعلّ أهم تلك المعضلات هو انقسام المجتمع الأمريكي وهو تمزّق لن يكون من السهل رتقه. فالعنصر البشري الأبيض الذي سيطر على مواليد الحكم والثروة أكثر من أربعمائة سنة . لن يقبل بسهولة التخلي عن مواقعه السياسية والاقتصادية لمصلحة إثنيات وأعراق أخرى .
   وربما يفسّر لنا ذلك، كيف أن خمس وسبعين مليون من الأمريكيين قد منحوا أصواتهم في الانتخابات الرئاسية الأخيرة للرئيس السابق دونالد ترامب، على الرغم من فشله في معالجة الانهيارات التي تسببت بها جائحة كوفيد ١٩ وكوفيد ٢٠ المستجد (كورونا) .

      وإذا ما تمكّن الرئيس جو بايدن من الحصول على موافقة الكونغرس ومجلس الشيوخ، لإعفاء أحد عشر مليون مهاجر غير شرعي، ومنحهم الجنسية الأمريكية، فإنّ ذلك سيوسّع بالتأكيد الفارق الديموغرافي بين المواطنين البيض والمكونات العرقية والإثنية الأخرى، ويضاعف من حدّة الانقسام داخل المجتمع الأمريكي الذي بات مهزوزاً من هذه الزاوية 
. والمعضلة المستعصية لا تختزل هنا، في صراع بين المكونات الاجتماعية الإثنية الأمريكية، فحسب، بل هي أزمة سياسية وبنيوية خطيرة بكل المقاييس. إن الخلل الديموغرافي لمصلحة المكونات الاجتماعية الإثنية ، من غير الجنس الأبيض تعني تراجع نفوذ الحزب الجمهوري داخل الولايات المتحدة ، وعدم قدرتهِ على الحصول على الأغلبية الواسعة من أصوات الناخبين للأبد. أما بالنسبة إلى الجمهوريين، فإن هذا الواقع يأخذ مكانه كبيرة في ظل انقسام الجمهوريين، وتلويح الرئيس السابق دونالد ترامب بتأسيس حزب جديد، سيأخذ حصة كبيرة من نصيب الحزب الجمهوري أي يحدث إنشقاق داخل الحزب ، بما يجعل من الحزب الديمقراطي الحزب الأقوى، ومن غير منازع على الإطلاق .

 هذا الواقع السياسي الجديد والذي تطوّر بشكلٍ متسارع في الولايات المتحدة الأمريكية ، يعني فيما يعنيه، أنَّ النظام الديمقراطي الذي ينص عليه الدستور، حيث تداول السلطة، سيكون مغيّباً إلى حين ظهور حقائق أخرى.

 في المقابل، هناك حزب قوي كما أشرنا أعلاه ، لكنّه مترهل إلى حدٍ كبير، حيث يضم بين صفوفه أعضاء من أقصى اليمين وأقصى اليسار، وهو تحالف هش، مهدّد بالتفكك والتشتّت . وربما يكون تفكّكه هو المدخل العقلاني لإنقاذ الديمقراطية، بنسختها الأمريكية، لكنّ ذلك لا يبدو متاحاً، في الوقت القريب. فمهرجان النصر وضخامة الميديا حوله ، واحتكار الديمقراطيين للسلطتين التنفيذية والتشريعية، سيطيل أمد وحدة الحزب الديمقراطي الحاكم برئاسة جو بايدن ، لكن إلى حين.