( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
أخطر ما تعرًّضت له الشعوب التي عانت من ويلات وقهر وظلم الاستعمار والاستعباد ،بذريعة التفوق العرقي (الإثني) والديني( الثيوقراطي) ، هو قبولها وامتثالها لما يُقال عنها دون مراجعة، وتلك أطروحة بالغة الأهمية والتأثير الكبير في مجمل حركات التحرر ، وحروب الاستقلال في العالم المعاصر، ساهم مفكرون كبار أمثال المفكر الجزائري مالك بن نبي أحد رُوّاد النهضة الفكرية الإسلامية في القرن العشرين ، والفيلسوف الاجتماعي والطبيب النفسي فرانز عمر فانون، ( 20 حزيران 1925 ــ 6 كانون الأول 1961 ) م ،الذي عُرِف َبنضاله من أجل الحرية ،وضد التمييز والعنصرية.وغيرهما في دحض ونقض خرافة الدم الأزرق أو الجينات الآرية! حيث كان الإسبان أول من أعطى العالم فكرة أنَّ دم الطبقة الأرستقراطية طبقة النبلاء ليس أحمراً بل أزرقاً.مع أنَّ هناك تفسيراً آخر لفكرة الدم الأزرق هو أنَّ معدَّل( الهيموفيليا) مرتفع جداً بين العائلات الملكية . 

العنصرية والتمييز العنصري هي ممارسات تقوم على اضطهاد وتهميش فئات أشخاص ومجموعات بشرية لأسباب منها العرق أو اللون أو الدين أو الثقافة. وقد تصل هذه الممارسات السلبية القاسية إلى استخدام العنف والإرهاب والقتل بطرق وحشية ، كما حصل مع المواطن الأمريكي جورج فلويد.
والعنصرية تتخذ أشكالاً وصوراً متعددةً كالعنصرية ضد السود في الولايات المتحدة وغيرها من بلاد العالم ،وضد اليهود والمهاجرين في أوروبا ، وضد الفلسطينيين في إسرائيل. وهناك عنصرية وتمييز عنصري متعدِّد الأوجه في الدول العربية. وقد يستهدف السلوك العنصري شخصاً أو جماعةً أو مؤسسةً. ومن أعمدته وضع قوانين تعطي امتيازات لفئاتٍ معينة منافع وتحرم الباقين منها.
ولو صدّق العرب ما كتبه عنهم العديد من المستشرقين مثل الفيلسوف الفرنسي جورج باتاي الذي تأثر في كتاباته بالفيلسوف الألماني نيتشه وبالنزعة السوريالية،أو الفوق واقعية التي تهدف إلى التعبير عن العقل الباطن بصورة يعوزها النظام والمنطق ،وحسب مُنظّرها أندريه بْرِيْتُون.وما كتبه المستشرق برنارد لويس اليهودي البريطاني الذي وضع خطط التقسيم والتفتيت لوطننا العربي،لما تقدموا خطوةً واحدةً نحو المستقبل ، لأنَّ هؤلاء المفكرين ومن اقتفوا خطاهم لخًّصوا العقل العربي والثقاقة العربية بأنهما يشبهان ثمرة الصُّبير،أو التين الشوكي ، وهذا ما قاله بالفعل توماس طومسون لسيدة عربية قروية حين رآها تقشِّرُ ثمرة صُبَّير، وما يحدث في مثل هذه الحالات أن الشعوب إما أن ترضخ للتعريفات التي تحشرها بين أقواس بشكل قسري ، وتنزع عنها آدميتها الإنسانية أو تتمرَّد وتُعلن العصيان، والعصيان العرقي ( الإثني ) والديني ( الثيوقراطي) أهم وأشد نفوذاً وقوّةً في آثاره السلبية من أي عصيان آخر ،حتى لو كان عصياناً مدنياً، لأنَّه يبرهن عملياً على ضعف وخلل وهشاشة المنهج الذي أفرز مقولاتٍ سامَّة تُصنِّفُ البشر في خاناتٍ وجداولتصنيفات عنصرية ( أبارتهايد ) ، ويكون الاحتكام لنسقها وتراتبيتها العرقية أو اللونية، ولتراتبها الديني الثيوقراطي الطائفي .
      لقد بلغ هذا الخلل البنيوي حداً دفع أحد قادة الجيش الفرنسيين الذين اقترفوا مذبحةً كبرى، وُصِفَت بأنها إبادة جماعية ( جينوسايد ) في الجزائر إلى القول بأنَّ الدماغين العربي والفرنسي إذا طُبخا في إناءٍ واحد ، فسوف يتجمَّع الحساء حول كلِّ منهما بطريقة مختلفة .المقصود هنا وجود عقليتين متباينتين في الجوهر حول المسألة الإنسانية من الناحية العنصرية . لقد حكمت الدول الغربية على شعوب العالم الثالث بالتخلف والتقهقر إلى الوراء ، أو على الأقل بالجمود في مكانها دون تقدُّم ، بسبب أنانيتها واستئثارها بالإنسانية، عليها أن تتطور على أساس الاكتفاء الذاتي الجماعي. إنَّ العمل العظيم والهام الذي يبتغي إعادة إدخال الإنسان المقهور الذي تم تصنيفه أنه من دول العالم الثالث إلى العالم، الإنسان كلَّهُ، إنما يتم بمعونة الذات الغربية بعقليتها ورؤيتها تجاه الآخر ، التي كثيراً ما تحالفت، للأسف الشديد، مع الآخر الغربي ـ العالمي في معضلات ومشكلات المستعمرات. ومن أجل تحقيق ذلك لابد أن تقرر الذات الغربية أولاً ، أن تستيقظ من سباتها، وأن تنفض أدمغتها، وأن تغيِّر بنيتها العقلية والمعرفية ، وأن تكف عن تمثيل ذلك الدور غير الإنساني الذي تستعذب تمثيله من دون أدنى شعور بالمسؤولية، وهو دور المرأة الجميلة النائمة في الغابة! 
     إن الأشكال الوحشية التي يجسدها وجود المحتل على الأرض من بشاعةٍ وقسوة قد تزول زوالاً تاماً. والواقع أن زوالها هذا لا يعدو كونه تخفيضاً للنفقات التي ينفقها المحتل( المستعمِر) ، ولا يعدو كونه إجراءً إيجابياً من أجل الحيلولة دون بعثرة قواه وطاقاته ، ولكن الشعب الخاضع للاستعمار لا يلبث أن يدفع ثمن ذلك باهظاً من دمه وجهده وأملاكه وكرامته ، يدفع ثمنه مزيداً من تحكم الاستعمار وتلاعبه بمصيره. لذا يصير لزاماً علينا تذكير الشعب بأمثلة تاريخية تساعده على الاقتناع بأنَّ مهزلة التنازل هذه ، وبأن تطبيق مبدأ التنازل هذا، قد أديا إلى سيطرة الاستعمار سيطرة قاسية اتسمت بالعنصرية والوحشية ، وإن كانت أخفى، إلا أنها أكمل وأشمل وأعم .والمؤسسات بأن الدول الاستعمارية ترفض الاعتذار أو ما يشبه الاعتذار. من هنا يجب أن يعرف الشعب وأن يعرف مجموع المناضلين في شتى بقاع الأرض ذلك القانون التاريخي، وهو أن هناك تنازلات ليست في حقيقتها إلا أغلالاً لاإنسانية.

     لقد حفلت الساحة الأدبية بالكثير من القصائد التي كُتِبَت في مديح أيدي الخادمات الآسيويات والإفريقيات لأنها السبب في نعومة أيادي النساء الغربيات،لأنهنَّ كنَّ يعملنَ خادمات للنساء الغربيات ، إنها مدرسة تأسست على المركزية الأوروبية والعقيلة الغربية ،وتهميش كل ما عداها بحيث يبقى الشرق شرقاً، والغرب غرباً ولا يلتقيان ، كما لو أنهما مستقيمان متوازيان تبعاً لمقولة الكاتب والشاعر والقاص البريطاني روديارد كبلينغ الشهيرة.صاحب كتاب الأدغال . الذي يقول إنَّ العصيان العرقي صحوةٌ للتعبير عن حضاراتٍ وثقافاتٍ عريقة، وهي أيضاً بلوغ سن الرشد الفكري والثقافي الذي ينهي استراتيجيات التبعية والاستلاب والهيمنة .