( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
من المستدرك لقراءة مفهوم التحديث بشكل عام وللاستعمال السائد والشائع لهذا المفهوم ،والالتباس الذي يحيط بدلالاته ، فإنه من الضروري أن نرجع إلى المفهوم حتى نتمكن من وضعه في إطاره السوسيو ـ تاريخي والمعرفي الأبستيميلوجي . لقد انتشر استعمال مفهوم التحديث في العلوم الاجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية .أي في نفس الوقت الذي بدأت النظريات والدراسات المتعلقة بالتحديث تعرف رواجاً في أوساط الباحثين الأمريكيين بالخصوص . وقد أصبح هذا المفهوم من مفاهيم «الموضة» ، بعد حصول أغلب المجتمعات المستعمرة على استقلالها . ويقوم هذا المفهوم على عدة ملابسات نظراً لرواجه لدرجة أصبح معها يدل على كل شيء وعلى لا شيء في آن واحد . وغالباً ما يتم خلطه بمفاهيم أخرى كالتغريب والتحضير والتصنيع والتنمية والنمو، والبناء الفوقي , والبنية التحتية إلخ ... 
حيث أنه لا بد من معرفة أن الكلمات في المرحلة الاستعمارية كانت تنعت الآخر أكثر مما تعبر عنه . إنها كانت تصفه من الخارج . وكان «الأهلي» موضوع الخطاب ولم يكن يساهم في إنتاجه. إن النظرة الغيبية للمجتمعات المسيطر عليها من قبل الاستعمار قد مرت عبر مراحل متنوعة تتميز بالمصطلحات المستعملة لنعت هذه المجتمعات . فمن الشعوب «المتوحشة» في القرنين السادس والسابع عشر تم المرور إلى الشعوب «البدائية» عند بداية القرن التاسع عشر مع ظهور النظريات التطورية، وبعدها إلى الشعوب «المتخلفة» أو «العالم الثالث» في نهاية الأربعينات، وأخيراً إلى الشعوب «السائرة في طريق النمو» أو «النامية» في السبعينات من القرن الماضي. في هذا الإطار المفاهيمي وفي هذا الجو الفكري والعلمي تمت الدراسات الأولى حول التحديث. وينطلق النموذج القاعدي لهذه الدراسات من الافتراض القائل بأن الشروط التي تسمح بنمو مجتمع حديث ومتحرك وقادر على النمو تكمن في الرفع المستمر من مردوية المؤثرات السوسيوديمغرافية أو البنيوية من جهة، وفي التحطيم الكلي لكل العناصر التقليدية من جهة أخرى. فانطلاقاً من هذه الفرضية ستهتم البحوث بمشكل الانتقال من محيط «تقليدي» إلى إطار «حديث ». وعلى الرغم من الدينامية المميزة لبعض هذه الدراسات فإنها كانت تعتبر المجتمعات «التقليدية» كمجتمعات لا تاريخ لها . إن تاريخها يبدأ باندماجها في النظام الرأسمالي العالمي وبيتحقيقها «للإقلاع الاقتصادي» . ويبقى التاريخ إذن بالنسبة لهذه المجتمعات هو اللحاق بالمجتمعات الغربية، و «التحديث» هو تتبع مختلف المراحل التي أدت بالغرب إلى التصنيع. وتبدو المركزية العرقية جلياً في الفكرة التي تقول إنه على «الأمم الجديدة » أن تتبع نموذجاً واحداً وفريداً للتنمية هو نموذج الأمم الغربية المصنعة . ولم تكن هذه المجتمعات تشكل بالرغم من تنوعها التاريخي والحضاري سوى مجموعة سينتهي تنوعها بعد الوصول إلى المرحلة الأخيرة : « الحداثة على النموذج الغربي ».
1 ـ المميزات العامة لنظريات « التحديث » : لقد بين عالم الاجتماع الفرنسي ومؤلف كتاب ( الأنثروبولوجيا التطبيقية (روجيه باستيد ) أنه تتم العودة غالباً مع نظريات التحديث إلى الصور التطورية للمرحلة الفيكتورية أي القرن التاسع عشر . وقد رأى جان كوبانز مؤلف الكتاب الشهير بعنوان (الانثروبولوجيا والامبريالية ) . في هذا التصور نظرة استعمارية جديدة: « هناك تطابق وظيفي بين النظرية التطورية ، التي تفضل الإنتاج الأسمى لهذا التطور (الحضارة الغربية) والإيديولوجيا الاستعمارية التي تبرر ممارستها بكونها « رسالة حضارية »، ومرور من حالة أدنى إلى حالة أرقى » .هذه هي النظرة الموجهة لأغلب الدراسات حول التحديث . إنها تنطلق من ثنائية تقوم على عزل نمطين اجتماعيين ثابتين وقارين : مجتمع « تقليدي » ومجتمع « حديث » أو «عصري » .ومن أبرز ممثلي النظريات التحديثية نجد د. ليرنر. لقد قدم ليرنر نظرية للتحديث تقوم على تركيب المواقف المشتركة إزاء وسائل الاتصال لشعوب الشرق الأوسط . وقد لخصها فيما يلي : « إن نموذج السلوك المميز للمجتمع الحديث يمتاز بالتطابق الوجداني( empathie) الذي هو قابليته لإعادة تنظيم الأنا بكيفية سريعة ، لهذا فإن تحديث المجتمع قد تضمن ذلك التغير السيكولوجي الكبير الذي سميناه بالحركية النفسانية » .يبقى التحديث بالنسبة(لليرنر) يعني « نمطاً من الحياة التشاركية »، ويرى في تأثير وسائل الإعلام أحد العوامل المحددة لتغيير المواقف . وتعلم وسائل الاتصال الجماهيرية إدراك الأوضاع المتنوعة وتهيأ لتجارب جديدة ومختلفة، وهذا ما سماه ليرنر ( بالحركية النفسانية ) psychique) ( Mobilité ومن هنا فإنها تعد للمشاركة السياسية التي يعتبرها أساسية في عملية التحديث . وقد اعتبر( ليرنر) من أبرز ممثلي التطورية الأحادية الخط وذلك لتأكيده بأن المجتمع التقليدي سينقرض ليحل محله المجتمع الحديث و « المغترب » : « إن الأفراد الذين هم في طريق التحديث يعتبرون أقل تعاسة، وكلما تم تحديث المجتمع المحيط بهم بكيفية سريعة زادت سعادتهم إن المجتمع التقليدي بالشرق الأوسط في طريق الانقراض لأنه لم تعد هناك عملياً إلا فئة قليلة من الناس تتشبث بالعيش وفق قواعده » . وفي نفس الاتجاه يمشي تصور( سميث وانكليس) . لقد أراد هذان الباحثان تقديم سلم للمواقف التحديثية باعتباره كونياً وصالحاً مهما اختلفت الحضارات . ويعني هذا أنه صالح لتصنيف سكان أي مجتمع كان في هذا السلم المحدد بواسطة قطبين متنافرين : التقليدي والحديث. وقريباً من هذين الباحثين نجد مقاربة (شنايبيرغ ). لقد قام شنايبرغ بوضع مجموعة من مقاييس التحديث انطلاقاً من دراسة لعينة من سكان تركيا وحاول إيجاد الارتباط فيما بين هذا المقاييس . وكان هدف هذه المقاييس هو قياس الموقف الحديث من استعمال وسائل الاتصال وروابط القربة والبنية النووية للعائلة والعلمانية وتوجيه البيئة وسلوك الإنتاج و الاستهلاك وقد حاول ( كوسفيلد ) انطلاقاً من دراسات إثنوغرافية خاصة بالهند انتقاد الباحثين السابقين، وخصوصاً انتقاد ما سماه بأخطاء النموذج الخطي الذي استعمل لوصف وتحليل الانتقال من المجتمع التقليدي إلى التحديث . كما اعتبر أنه من الخطأ افتراض أن التقاليد سيتم تعويضها حتماً بقيم جديدة، لأن القديم يمكن أن يتعايش مع الجديد . وإذا قمنا بتقييم عام لكل هذه الدراسات فإنه بإمكاننا أن نقول بأن أغلبها قد انطلق من يقينيات خاطئة في بناء نظرية التحديث . فمن ( ليرنر ) إلى ( شنايبرغ ) وغيرهما ممن لم يتم ذكره نجد نفس المسبقات :
ـ على المستوى المنهجي، نجد أن الإيديولوجيات التي تؤطر اختيار المؤشرات الدالة على التحديث سهلة التشخيص، لأنه إذا قمنا بتفحص اللائحة الوصفية للمواضيع التي تم البحث فيها بواسطة سلم التحديث الفردي فإننا نتوصل إلى الاستنتاج التالي : إن القطب الذي اعتبر « بالحديث » ليس شيئاً آخر سوى تلك اليوتوبيا الليبرالية المميزة « للمواطن » المسؤول والفعال الذي يوجد في وضعية تنافس متساوٍ مع الآخرين وغير مكترث برأي الآخرين ولا بالمؤسسات التي لا تتوافق ونظرته للعالم . يعني هذا أن الباحثين المذكورين قد تبنوا نظرة ذات قطبين : يعتبر الفرد « عصرياً » أو «حديثاً » حسب المقاييس المسبقة للباحثين الذين يغضون النظر عن وجود انعدام التماسك في السلوكات والتصورات إزاء عملية التحديث المفروضة من الخارج لدى سكان المجتمعات النامية .
ـ على المستوى النظري : تقوم هذه النظريات والمقاربات بإقحاك تشويهات ممنهجة وذلك بعزل الاختلافات في المواقف إزاء التحديث عن الشروط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتكونها وفعلها من هنا تتجلى اصطناعية وعدم تماسك هذه التقاربات، وكذلك فراغ محتوى المصطلحات التي يودون تحليلها « كالتحديث » و « التقليد » . ويبقى في النهاية أن التقدم يقاس بالإرادة أو الإمكانية في تبني قيم ومؤسسات غربية .