( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
حفلت حياتنا الفكريةِ والثقافيةِ والمعرفيةِ حضوراً كبيراً على الساحةِ العربيةِ والعالمية.فقد شاركت من خلال اهتمامي وسعيي من أجل الأفضل في العديد من المؤتمرات والندوات الفكرية والمنتديات الثقافية . بخاصة تلك التي تبحث عن حقوق الإنسان ،ورعاية الأقليات وإنصافهم ، والتمكين للديمقراطية، وتحرير المرأةالعربية ،وكانت السمة العامة لمعظم تلك الفعاليات وتلك الندوات أنَّه ينتهي تأثيرها بعد انتهاء عقدها. أو أبعد قليلاً. كل هذا وقضايا كثيرة أخرى تدفعنا نحن معشر الكتَّاب والمثقفين والصحافيين أن نتصدى لحقيقية هذه الظاهرة السلبية ، دون أي مواربة ، ودون الحديث عنها بشكلٍ عام. من هنا أجد لزاماً أن أتطرَّق بشيء من التفصيل في هذا الشأن .وأقدِّم بعض الملاحظات التي أراها من وجهة نظري متناسبةً مع الموضوع . ففي كثيرٍ من الأحيان تُعقَد العديد من اللقاءات التي تفتقر للمتخصصين في شأنٍ ما.وتكونُ السمةُ العامةِ لتلك اللقاءاتِ عموميةً تشملُ معظمَ الفعالياتِ المتواجدةِ في اللقاء . تتردَّد خلالها عباراتٌ طنانةٌ رنَّانةٌ ، تمتزج مع مديحٍ منقطع النظير، لشخصٍ ما دون الوصول لحلٍ عقلانيّ ومنطقي لتلك المشكلة ،بخاصة بعد أن يتم تشخيص المشكلة وشرحها بالتفصيل الشديد المُمل للحالة المُراد حلَّها ، لأنَّ معظم ممن يحضرون الورش الفكرية والمنتديات المتنوعة ،بمستوياتها المتعدِّدة ،لا يكونون متخصصين فيما يتم طرحه أمامهم. لأنَّ حالة الاستعراض تكون سيدة الموقف، مع طرح قضايا هامشية لا تدخل في صلب الموضوع ، وهكذا تنتهي اللقاءات دونَ الوصولِ إلى حلٍ نهائي وينتهي اللقاءُ ليظهرَ بشكلٍ لافت في وسائل الإعلام ويُتلى في المنابر السياسية الحزبية الخاصة والعامة ،وحتى أمام الجمهور، وكلَّه يوحي بأنَّ حل المشكلةِ قادمٌ ، لكنه لن يأتي ، لأنَّ اللقاء كان عملياً هو مجرد حوار فقط . بينما نريد بشكلٍ عملي إيجاد حلول عملية للقضايا والمسائل التي تتصدى لها تلك المنتديات الفكرية من وقتٍ لآخر، وأنا أدعو هنا أن يتم عقد اللقاءات على شكل طاولةٍ مستديرةٍ مغلقةٍ ، يشارك فيها المختصون من الشباب الذين يبحثون في عمق الموضوع .فضلاً عن عدم تمتع تلك المنتديات بالحرية الفكرية وحرية التعبير ،واتخاذ الآراء والمفاهيم والعبارات ضمن الإعتراف بالآخر وبحقه في التعبير عن آرائه وأفكاره ،التي تبقى حبيسة الهامش المسموح فيه ، وفي كثيرٍ من الأحيانِ تتجاوز ذلك لتتحوَّل إلى سلسلةٍ من النفاق السياسي الرخيص من أجل إرضاء شخص ما ، وإصدار بيان ختامي مسبوك بطريقةٍ خاصة ،ومكتوبٌ بلغةٍ مقعَّرة ، يرضي أولي الأمر منهم ، لكن كل هذا لا يحل المشكلة على الإطلاق وتبقى المشكلة تدور في طواحين الهواء .دون حلٍ أو معالجةٍ صحيحةٍ .
لقد تم الحديث في السنوات الأخيرة عن حقوق الإنسان ، و الاهتمام برعاية الأقليات وحمايتها ، والتمكين للديمقراطية في البلاد ، وتحرير المرأة من كل القيود والعوائق التي تقف في وجهها ، وهنا أجدني أطالب بقوةٍ في هذه النقطة بالذات بأن تكون هناك هوامشٌ واسعةٌ لحريةِ التفكير وإعمال العقل ، خصوصاً في القضايا المتصلة باستشراف المستقبل وما يحمله لنا،لأنَّ الدراساتِ الاستباقيةِ أصبحت ضرورية وملحَّة،فالمستقبل يطلُّ علينا من خلال الحاضر الذي نعيشه، كما أنَّ إيقاع الحياة ووقعها يبدو شديد التعقيد والسرعة، وتحمل الأيام القادمة الكثير من المفاجآت التي يصعب التنبؤ بها، لذلك كلَّه فإنَّ مناقشة البحوث العلمية ومراكز الدراسات والأبحاث المتصلة بمستقبل الإنسان وحياته في كافة المجالات أصبحت أمراً ضرورياً جداً لا ينبغي تجاهله أو تخطيه . من هنا وجب علينا انتقاء العناصر المشاركة الفاعلة في كل ندوةٍ أو ورشةٍ فكريةٍ متخصصٌ يحتاج بالدرجة الأولى إلى من يفهمون طبيعة العصر ويدركون التحديات المحيطة بالمواطن بشكلٍ خاص والإنسان بشكلٍ عام ، ويدركون أيضاً المخاطر المنتظرة من قضايا رئيسية هامة ، مثل فشل تطبيق الديمقراطية ، وتلوث البيئة ، وتغير المناخ ، ومشكلات العالم الرأسمالي، فضلاً عن نقص الطاقة النظيفة ، وندرة المياه الضرورية في بلداننا ،والصراعات الحادّة القائمة حولها .فالعالم الذي نعيش فيه معرَّض للمخاطر باستمرار والمستقبل يبدو قاسياً وغامضاً ، وجملة ما نراهُ ينذرُ بحدوث صراعاتٍ ومشكلاتٍ كبيرة لا حدود لها .وما عانته البشرية جرّاء جائحة كوفيد 19 ( كورونا ) قد نشر الرعب والخوف في قلوب البشر على كافة انتشارهم في الكرة الأرضية . وأصيب الوطن وضٌرِبَت الوطنية في معاقلها ،وخسر العالم خساراتٍ فادحة لا يمكن تعويضها بسهولة ويسر . من هنا ندرك جيداً لماذا نحن قلقون من المستقبل وقابل الأيام ، لأننا لا نعرف ماهو مخبأ لنا وللبشرية بشكلٍ عام . لذا فنحن مطالبون بتكريس الأبحاث والدراسات المختصة ،وتوظيف ورش العمل حمايةً للأجيال القادمة،وذلك من خلال الاعتراف الكامل بالمشكلات القائمة والأزمات المتفاقمة القادمة بل والتداعيات المتوقعة لها. من هذه الرؤى نستطيع أن نقرِّر أنَّ وطننا العربي ينبغي أن يستجمع قواه من جديد ، وأن ينهض كالعنقاء ، وأن يعطي البحث العلمي ما يستحقه من اهتمامٍ ورعايةٍ مع نهضة تعليمية وتثقيفية عصرية مبنية على أسس متينة.