( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
في الاستقصاء عن المخبوء لجذور الثقافة العربية داخل العقل الحضاري الحديث، وضمن البحث المستمر عن الحقيقة، تنقيبًا يتجاوز ذاته دون نهاية في تفسير العالم ومستوياته المختلفة، وذلك رغبة في إدراك نهائي يتهرب دائمًا منا، كانت الثقافة العربية في الأزمنة السابقة تتجلى في تصور ذاتها ذاتاً كاملة متكاملة، لأنها تتطلع إلى إدراك مبادئ الواقع. واليوم تتجلى في قوانين الجوهر والكينونة، مفصحة عن ذاتها من خلال دمشق التي احتضنتها طوال دهور متجلية على العالم كعاصمة للثقافة العربية الأصيلة في العام 2008 وما زالت تنحو باتجاه تعزيز ذلك الاحتضان، حيث تشهد سورية ثورة في الإصلاح والبناء والتطوير والتحديث، تستند هذه الثورة على أسس اللقاء مع الآخر والتماهي مع المُختِلف تحت سقف الثقافة العربية الأصيلة والثقافة الوطنية التي تمتاز بإنسانيتها العالية، وتحت عنوان الوطن للجميع؛ أي لجميع من يبنيه ويحميه، والدين لله.   

 الثقافة العربية الأصيلة المترافقة مع العقل العلمي والحضاري الحديث، أصبحت تعادل تحوّلها أو صيرورتها الخاصة، طبقًا لقوانين المعرفة التي تصل إليها أو تحققها في مرحلة معينة تتميز بميزة رئيسية وهي الاكتمال؛ حيث يبدو أن ما كان قد وصل من عدم الاكتمال المعرفي داخل الثقافة العربية كان متحولاً باستمرار، يبني على ما حققه في توسيع نطاق منجزاته إلى ما لا نهاية له، من دون أن يطمع في إقامة نظام مغلق من القوانين الكاملة المتكاملة بشكل نهائي، كما يمكن القول إن الثقافة العربية الأصيلة المترافقة مع العقل العلمي الحضاري الحديث أصبحت تعادل تحوله أو صيرورته الخاصة. إنها ثقافة تتحول باستمرار، لأن المعرفة التي تحققها تخضع دائماً للأسئلة التي يطرحها، وهي أسئلة تحفز عليها باستمرار جدلية هذه المعرفة نفسها؛ فطالما أن الواقع الثقافي يجدد فضول المشتغلين فيه في الأسئلة الجديدة التي يحفز عليها، يصبح من المستحيل تصوّر الوصول إلى ثقافة متكاملة تطابقيًا بشكل نهائي. فالثقافة العربية الأصيلة المترافقة مع العقل العلمي الحضاري يمكن أن تصبح كاملة فقط مع بلوغ التطور الإنساني نهايته. فالإنسانية يجب أن تكون قد استنزفت قواها وإمكانياتها تمامًا، والإنسان يجب أن يكون قد حصر كل كفاءة خلاّقة، والواقع يجب أن يكون قد وصل إلى حالة لا تعرف أي تنافس أبداً كي يمكن لمنجزات الثقافة العربية أن تكون نهائية، وبالتالي تتجلى في دمشق كعاصمة لها وكمركز فكري وثقافي ومعرفي عمره أكثر من سبعة آلاف عام، منح البشرية أهم منجز إنساني وهو الأبجدية الأولى، كما شهدت سورية بمدلوها الأعم والأشمل - سورية الكبرى - مهبط الرسالات السماوية، ومركز إشعاع حضاري لا يمكن إغفاله. 
          إن الاتجاه الاختباري والبحث في نظرية المعرفة والثقافة العربية الأصيلة كان يسير ضد هذه الجوهرية في العلوم والمعارف والثقافة المغايرة. حيث برزت أشكال عديدة من التناقض والدحض عند الآخر لثقافة ومعرفة عربية ضاربة في جذور التاريخ. فقد تجلت أفكار نفي الآخر عندما تَّم إحالة معظمها إلى عناصرها التي عدَّت تقليدية، كتنوعات جوهر مادي لا يمكن تحويلها، وإعادة النظر من جديد في جذرية المعرفة الكلاسيكية، إن تفاعل الثقافة العربية مع المحيط قاد العقل وتطبيقاته إلى عتبة وما وراء عتبة عالم جديد من الاحتمالات غير المحددة. فالرؤى الحديثة للثقافة العربية الأصيلة كانت تعني في الواقع، حالة تدعو إلى إعادة نظر مستمرة ليس فقط في الجزئيات؛ بل في جوانب أساسية. فعلم الصيرورات الكونية أصبح هو نفسه علماً في صيرورة أو تحولية. متمثلين لأقوال سادت في ظل اللا يقينيات المحتمة مثل: (كن على استعداد دائم لتغيير أي مفهوم كان).(دمشق الآن وفي زمن الانحطاط الثقافي والارتداد نحو القطرية ) بدأت بتقويض تدريجي لمذهب العناصر التقليدية، عندما تبين أن بعض هذه العناصر الثابتة المزعومة كانت تتعرض للتحول؛ أي أنها لم تكن جوهراً ثابتًا كما كانت تقول ثقافة الآخر عن ثقافتنا، دمشق الآن في حالة مواجهة حقيقية مع ثقافة اتسمت بالسلفية السلبية، ومواجهة مع مفاهيم الثقافة الوهابية، ومواجهة مع ثقافة الإخوان المسلمين، ومواجهة مع ثقافة الليبراليين العرب الجدد، جميع تلك الثقافات هدفت وتهدف إلى إلغاء الآخر وتكفيره، واعتبار ما يحمله ويتفاعل معه من ثقافة الآخر الإيجابي هي ثقافة انحطاط، مع أنها ثقافة إنسانية رفيعة مشهودٌ لها عبر تاريخ إنسانية الإنسان في هذه المنطقة.  
       لقد سادت الداروينية وسلّطت مبدأ الصيرورة أو النظرة التاريخية على شاشة أوسع بكثير مما كان وكانت تعني في الواقع بانوراما أو مشهداً تاريخياً تطورياً للكون كله. يشمل ما قبل التاريخ كما يشمل التاريخ. لقد عززت الداروينية المذهب الطبيعي الذي تبلور في عصر الأنوار، وسجلت انتصاراته في الفكر الحديث، هذا المذهب يعني فصل الطبيعة عن الله، وإخضاع الروح للمادة، وإقامة قانون ثابت كشاهد على ذلك. إنها تحوّل روح الثقافة إلى قوالب نظرية جامدة يتم البحث والاستقصاء عن جزئياتها مثل المادة. هنا تبدو فكرة الصيرورة بمعناها الأساسي في نقل اهتمامات العقل ومشاغله من الثابت إلى المتحول. الداروينية تعبّر عن ذلك بطريقة مثلى. وكانت تجسيداً حياً رائداً له. في كتاب حول تأثير داروين على الفلسفة. كتب الفيلسوف جون ديوي قائلاً:(إن المفاهيم التي سادت فلسفة الطبيعة والمعرفة طوال ألفي عام ، التي كانت مألوفة كأساس للعقل، استندت على افتراض يقول بتفوق الثابت والنهائي، وعلى اعتبار التغير والنشوء كمظاهر خلل ووهم، في نقضه للثبات المطلق، ومعالجة الأشكال التي تعد كنماذج للثبات والكمال، كظواهر تنشأ وتزول، قدَّم كتاب " أصل الأنواع " أنموذج تفكير كان يعني نهائياً تغيير منطق المعرفة، وبالتالي تغيير معالجة الأخلاق السياسة والدين .
الواضح بجلاء أن هناك كشفاً جديداً واكتشافاً باهراً لحقيقة الذات بما هي إرادة فاعلة ومستقلة، كشفاً لحقيقة وبنية الثقافة العربية الأصيلة بعد نفض غبار الحقد والإلغاء من الآخر. لقد تضمن برنامج احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية ومن قبلها حلب عاصمة للثقافة الإسلامية، والاهتمام باللغة العربية، وكذلك تعزيز ثقافة المقاومة، رغبة القيادة والقائمين عليها تبيان ضرورة الكشف عن شؤون الثقافة العربية الأصيلة، وتحقيق تاريخيتها عبر مشاركة واسعة. اتسعت لثقافة عمرها آلاف السنين. هناك رغبة شديدة وأكيدة بالانغماس في التجربة التاريخية والارتماء فيها، بعد سقوط الأوهام حول إمكانية الاستفادة من خبرة الآخر(( النزيهة وإحسانه)). ولقد تجلت روح هذه المغامرة بالثقة العظيمة بالنفس وبتاريخنا وثقافتنا وحضارتنا العربية والإسلامية العظيمة. 
        لم يخل تاريخنا العربي من أية إرهاصات تنويرية؛ بل إن هذه النويات التنويرية لم يقيّض لها أن تتبرعم وتثمر؛ فجذور الصراع بين المنظور العقلاني للتاريخ والوجود، وبين المنظور اللا عقلاني تعود إلى جذور كل الثقافات بما فيها الثقافة العربية والإسلامية؛ فإذا كانت الأنوار هي يناعة العقل وحيوته وجرأة النقد، فإن تاريخنا لا يخلو من هذه المحطات المضيئة. واعتبار إنعاش الثقافة العربية هو واحد من يناعة العقل العربي المعاصر وحيويته. لا شك أن المقصود في طرح مسالة الثقافة المرتكزة على بنية العقل والعقلانية على هذا المستوى التأسيسي. أي بوصفها مصدر مذهب معرفي أخذ شكل التيار الصاعد والعارم الذي سيطر على العقل وإعادة تأسيسه وتكوينه في الثقافة الغربية، وأنتج إشكاليات ومفاهيم وطرائق بحث وعمل جديدة هي التي طبعت المدنية الغربية الراهنة. وككل رؤية تأسيسية ارتبط صعود هذا التيار الابستمولوجي بترسيخ عدد معين من المسلمات الأولية. وعلى عدد معين من الفرضيات، وعدد آخر معين من المبادئ والقواعد والتقنيات التي ينبغي الالتزام بها عندما نريد أن نتقرب من الواقع أو نتحدث عنه. ومن هذه المسلمات وحدة الثقافة العربية الأصيلة والثقافة الوطنية التي حاول البعض عبر اشتراكهم مع الآخر في الخارج زعزعة بنية مرتكزات المنعة الوطنية في سورية. ومن تلك المسلمات أيضاً وحدة العقل البشري أو إشراك الناس في قواعد واحدة للنظر. مما يعني انه لو أمكن الكشف عن قواعد عمل العقل ونظمت الثقافة والمعارف الإنسانية جميعاً تبعًا لها؛ فإن كل إنسان مهما كان أصله ووضعه لا بد أن يفهمها. فالثقافة العربية الأصيلة هي ثقافة إنسانية بالدرجة الأولى. ومن ميزاتها السامية أنها لا تنفي الآخر على غرار ما ورد عند صموئيل هانتغتون عندما طرح موضوع "صراع الحضارات"، لأن الحضارة الغربية غير مؤنسنة بالمطلق، وكذلك كما ورد عند فرانسيس فوكوياما في ( نهاية التاريخ). ولأنها تحمل في تطورها العلمي والتكنولوجي العديد من أشكال التدمير البشري المنظم. إن المدينة العربية بعامة والمدينة السورية بخاصة حملت بين طياتها أساس التفاهم الاجتماعي والمحاكمة الإنسانية والاتفاق، وهذه إحدى الإجابات العقلية على الصدامات الطائفية والمذهبية والدينية والعرقية الخطيرة التي مزّقت خلال قرون عديدة المجتمع الأوروبي، وطبعت كل تاريخه الوسيط بطابعها، حتى الثورة الصناعية والسياسية الحديثة. ولم يلغ هذا بالضرورة وسائل الإدراك الأخرى، ولكنه جعل من العقل أو القواعد العقلية أو القيم العقلية نوعاً من الوصاية والضمانة لصحة ما ينتجه الوحي والدين والحدس، وكل الطرق الأخرى غير المعتمدة على العقل كمصدر لمعلوماتنا وآرائنا وعلى الطريقة العقلية. الأمر اللافت أننا نشارك بقوة وفاعلية في غرناطة تلك المدينة التي حملت إرثًا إنسانيًا وعلميًا عظيمًا. ما زال بريقه يخطف الأبصار حتى هذه اللحظة. وهذا يعبّر عن أن المبدأ في اعتبار المدن العربية عواصم للثقافة العربية الأصيلة هو البعد القومي في الوجود العربي. وقدرة العقل العربي على معرفة الواقع معرفة موضوعية؛ أي مستقلة عن الهوى الفردي والفئوي، وبالتالي لديها الحد الأدنى من المصداقية وإمكانية التحقق من صحتها وتعميمها وإحراز تراكم دائم فيها. وهذا المبدأ الذي شرّع لنشوء الثقافة العربية الأصيلة على الأرض العربية بكل معاييرها وأساسها القومي النابض بالعطاء مدى التاريخ. على الرغم من الكبوات التي تعرّض لها الوطن العربي من خلال الغزو الخارجي الذي يحمل بداخله بذور النفي للآخر وحضارته الإنسانية العريقة. نحن مدعوون لحوار حضاري إنساني مشترك يهدف إلى تحقيق الدين لله والوطن للجميع الذين يبنونه بصدق وثقة، ويحمونه بكل ما أوتوا من حبٍ للوطن ولثقافته الإنسانية العظيمة.