( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
ازداد التحالف الصيني ـ الروسي يوماً بعد يوم. حيث تجلى مؤخراً بالاتفاق لإجراء مناورات عسكرية ضخمة بمشاركة عشرة آلاف جندي من القوات البرية والجوية الروسية والصينية، عبر إنشاء مركز قيادة مشترك أجري التدريب بداخله، بحيث تشمل المناورات الاستطلاع المشترك والإنذار المبكر،إضافةً إلى الهجمات الإلكترونية والمعلوماتية، وتنفيذ الضربات العسكرية الاستراتيجية المشتركة. وقد تم تقسيم القوات المشاركة في المناورات إلى ثلاثة عشر تشكيلة برية، وفرقتين جويتين، مشيرةً وزارتي الدفاع في روسيا والصين إلى استخدام طائرات مقاتلة ،ومدفعيات متوسطة وبعيدة المدى في التدريبات. الجدير بالذكر أنَّ هذه المناورات تبعث رسائل قوية عن قدرة الجيشين على التعاون المشترك، ضد المخاوف بشأن زعزعة الأمن والاستقرار في آسيا الوسطى، والتصدي لأي محاولة تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية لاحتلال بعض مناطق شرق آسيا.هذه التدريبات العسكرية المشتركة بين القوات الروسية والصينية ، تنطلق في غضون الأيام المقبلة، بمنطقة نينجشيا ذاتية الحكم شمالي الصين، بعدما أعلنت وزارة الدفاع الصينية إجراءها في النصف الأول من شهر آب الجاري.هذه التدريبات وحسب العديد من المراقبين تأتي في وقت يزداد فيه التوتر الكبير بين البلدين والولايات المتحدة الأمريكية .
وجاء الإعلان عن التدريبات العسكرية بين بكين وموسكو ، بعد أيام من تحذير الرئيس الأميركي جو بايدن من اندلاع حرب عسكرية شاملة في المنطقة ، في ضوء تزايد التوترات مع جمهورية روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية بسبب سلسلة حوادث سيبرانية استهدفت الوكالات الحكومية والبنية التحتية للدولة الأميركية.
من الواضح أنَّ الصين تتحرك في عدة مسارات خلال هذه الفترة الراهنة . المسار الأول سياسي، والمسار الثاني عسكري استراتيجي، إذ بات من الواضح أن القيادة الصينية بدأت تنشط سياسيا في مناطق مختلفة من العالم، وتمثل هذا في زيارات كبار المسؤولين الصينيين لعدة دول، وما يدور من تحركات في شرق المتوسط.لقد أرسل قادة البلدين من خلال هذه المناورات رسائل صريحة للرئيس الأمريكي جو بايدن لذا فإنه بالنسبة للمسار العسكري فهو يشير بوضوح إلى بداية تحرك عسكري واستراتيجي في القيام بتدريبات عسكرية نوعية ومناورات عسكرية مشتركة عالية المستوى، والقضية ليست في وجود جمهورية روسيا الاتحادية فحسب، إنما في الرسالة غير المباشرة التي تبعثها الدولتان بقوة إلى الولايات المتحدة الأميركية في هذا التوقيت بالذات .
الواضح أنَّ هناك مصلحة صينية روسية لتقريب وجهات النظر بينهما ،ومحاولة الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية، ويبدو أن هناك أهداف استراتيجية صينية ـ روسية لإعادة هيكلة النظام الدولي الجديد، بحيث لا يكون هناك قطباً واحداً أميركيا يهيمن على مقاليد الأوضاع في عالم ما بعد جائحة ( كوفيد 19) كورونا، إنما هناك مساعٍ جادة للبحث عن دور استراتيجي أكثر قوة لجمهورية الصين الشعبية وإعادة هيكلة السياسة الخارجية لجمهورية روسيا الاتحادية في أقاليم متعددة بالعالم.
لقد اتفقت الصين مع روسيا ليس فقط في إجراء تدريبات ومناورات عسكرية نوعية ، ولكن على إعادة هيكلة النظام الدولي. وهكذا ستكون الولايات المتحدة الأميركية في مأزق، خصوصا أن إدارة الرئيس جو بايدن الحالية لم تقدم رؤية أو تضع تصوراً لبناء نظام عالمي جديد.لأنَّ التدريبات العسكرية سيكون لها تأثيرات وتداعيات خطيرة جداً في الفترة المقبلة، لأنها غير مسبوقة، وتدور في مسارح عمليات عسكرية متعددة، وتحدد أهدافاً عسكرية واستراتيجية متوسطة وطويلة المدى على العالم . ولأن هناك العديد من المخاوف الأمريكية من أن يكون التحالف الروسي الصيني مقدمة لتحالف استراتيجي ممتد ودائم. 
من جهتها الولايات المتحدة الأمريكية لا تنظر إلى التدريبات العسكرية الصينية ـ الروسية المشتركة بعين الرضى، فكلا البلدين خصم عنيد ذو إمكانيات هائلة وجبارة، وإذا اجتمعا، فإن المعادلة ستختل بقوة لغير صالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، خصوصاً أن هذه التدريبات تتزامن مع الانسحاب الأمريكي السريع من أفغانستان وازدياد تردي الوضع الأمني والسياسي وحتى الاقتصادي، مع سقوط معظم المناطق في قبضة حركة (طالبان) الإسلامية .
إنّ جيوش العالم الضخمة والقوية لا تقوم بالمناورات المنفردة أو المشتركة للترفيه عن الجنود، أو للاستعراض العسكري الفارغ، فكل عملية تمرين مسلح محسوبة بدقة داخل المؤسسات العسكرية لمختلف الدول، حتى يحقق هدفه المنشود ويوصل الرسالة إلى من يهمه الأمر. ولا شك في أن الروس والصينيين عندما خططوا لهذه المناورات ، كانوا يحسبون الولايات المتحدة الأمريكية هي (العدو المفترض)، بالنظر إلى المشاحنات والتوتر الشديد القائم بين الطرفين، وسط حالة من الارتباك الدولي الكبير التي سببتها جائحة ( كوفيد 19 ) كورونا، والتطورات السياسية والعسكرية المتسارعة في أكثر من منطقة. وربما تكون هذه التدريبات عادية في نظر بعض المراقبين بشكلٍ عام ، ولكن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ، فهي تحمل أكثر من رسالة،وأكثر من معنى . ولا شك في أن البنتاغون سيخطط لعمل يكون رد فعل لهذه التدريبات ، وأنّ الجيش الأمريكي سيسارع إلى ترجمتها للاستنتاج واستخلاص العبر ، ومعرفة كافة الأسلحة المشاركة والقدرة التكنولوجية التي تم استخدامها في المناورات ومدى جدواها . ووضع الخطط والمشاريع المضادة إن وجد إلى ذلك سبيلاً.