( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
من المؤكد أنّ المال السياسي يشكل تحدياً حقيقياً بالنسبة للقادة والنخب السياسية في كل دول العالم ، بخاصة في الدول الغربية التي تحمل راية الديمقراطية ةتحرص على وضع قوانين صارمة وضوابط بشأن علاقة المال بالسياسة .فعلى الرغم من وجود انسجام وتوافق عام من أجل محاربة الفساد والمفسدين ، إلا أن ظاهرة حضور المال بشكلٍ طاغٍ في السياسة لا يتم التعامل معها حتى الآن في الدول الغربية التي تتمتع بسمعة عالية في مجال الديمقراطية بوصفها تمثل مشكلة عامة تستوجب تدخل قيادات وهيئات المجتمع ومؤسساته التمثيلية من أجل التعامل معها بشكل جدي من خلال القوانين والتشريعات الناظمة ، يتجاوز مجرد التنديد بالتجاوزات والخروقات التي تحدث هنا وهناك، ولأنه لا يمكن أن تكون الممارسة السياسية فعّالة وقادرة على تحقيق مراميها وأهدافها دون مصادر مالية وتمويل كافٍ . لا تستطيع الأحزاب والتنظيمات والقوى السياسية الحصول عليها من دون تدخل قوي وفاعل من خارج المنظومة السياسية ودائرتها المركزية .
لقد عصفت في العديد من دول الغرب الديمقراطي الفضائح المالية ذات الطابع السياسي وتلوث عالم السياسة غير مرة ، لأنه يوجد صعوبات كبيرة جداً تعترض عملية مراقبة تدخل المال في الشؤون السياسة، الأمر الذي يتطلب القيام بإعادة تغيير وجهات النظر وإعادة التفكير المستمر في العلاقة ما بين السياسة والمال ، لذلك فإن المفكر والفيلسوف الفرنسي (جاك شوفالييه (Jacques Chevalier‏ أو ( جان جاك شوفالييه ) مؤلف كتاب (تاريخ الفكر السياسي) يؤكد على أن نظرية التمثيل تستند إلى فضيلة أساسية وضرورية تتعلق بشكلٍ مباشر بوضع المسؤولين بعيداً عن كل احتجاج، لأنهم إذا كانوا يمارسون السلطة ويعملون على قيادة البلاد فإنهم لا يفعلون ذلك من أجل حسابهم الخاص وتحقيقاً لمصلحتهم الذاتية والشخصية، ولكن لصالح كل المجموعة الوطنية، ومع ذلك فإن الفيلسوف جان جاك شوفاليي لا يستبعد أن تفتح هذه النظرية إمكانية حدوث فجوة كبيرة وواسعة .وربما استثناءً عندما لا يخدم الممثل عن الشعب أو المسؤول عن المصلحة العامة أو يجمع بين مصلحته الشخصية (الذاتية) ، والمصلحة العامة انطلاقاً من إرادته الخاصة ومصالحه الذاتية الأنانية والشخصية.
ومن الواضح أن مثل هذه الممارسات تخدع، كما يشير إلى ذلك العديد من المفكرين والفلاسفة وكبار المثقفين ، المبادئ السامية التي تحيل إليها الوظيفة التمثيلية في البرلمان أو الحكومة أوالدولة، وتؤدي بالضرورة إلى إصدار أحكام معيارية وقياسية وسياسية ، وأخلاقية، وقضائية ، بشأن قضايا وجنح وجرائم مالية وسياسية مثل الاستغلال غير المشروع للممتلكات العامة والممتلكات الجماعية، واستغلال المناصب ،والاتجار بالنفوذ، وتشجيع الفساد والمفسدين ، والتهرب الضريبي ، والغش في الصفقات العمومية، تحويل الأموال العامة. وهي كلها تجاوزات وفضائح كبيرة وخطيرة تتصدر أخبار وسائل الإعلام وكل وسائل الميديا ، وتستقطب اهتمام الرأي العام في أعرق الديمقراطيات الغربية التي تتغنى بالشفافية والعمل الجاد البنَّاء للدولة والمجتمع على حدٍ سواء. والتي تحرص على الفصل الصارم بين السلطتين القضائية والتنفيذية.
لقد أكَّد العديد من المراقبين والباحثين والخبراء الاستراتيجيين الفرنسيين، أنَّ تاريخ الممارسة البرلمانية في العديد من الدول الأوروبية الديمقراطية ،ومن ضمنهم فرنسا أنَّ هناك دائماً تأرجحاً بين الاستعمال الجيد، والاستعمال السيئ للمال العام، وما شهدناه من حراك برلماني فرنسي منذ بداية القرن العشرين الماضي أنَّ هؤلاء النواب عملوا على ترسيخ امتيازاتهم الخاصة ، ومضاعفة المنح المالية المخصصة لهم وكانت ضخمة . وتطور الأمر خلال السنوات الأخيرة إلى درجة اعتماد نواب البرلمان الفرنسي تعويضات مالية ضخمة مخصَّصة لمعاونين لهم يساعدونهم على جمع ملفات ووثائق ومعلومات دقيقة تتعلق بتأدية مهامهم الرقابية على أكمل وجه ،وفسح ذلك المجال واسعاً لحدوث تجاوزات خطيرة من قبيل ما حدث مع المرشح السابق للرئاسة السياسي الفرنسي العضو في حزب التجمع من أجل الجمهورية (فرانسوا فيون François Fillon‏) الذي قام بتعيين زوجته كمعاونة له. وقد حدث أمر مشابه لذلك الحدث مع النواب البريطانيين في أيار عام 2009 م بعد قيام البعض منهم باستعمال الاحتياطي المالي الخاص بالبرلمان لأهداف شخصية تماماً. الواضح أن هناك تبريرات كثيرة من قبل المسؤولين الفاسدين الذين يستخدمون المال السياسي لمآربهم الخاصة . تلك التبريرات تحاول التغطية على عمليات استخدام المال في الشؤون السياسية نتيجة الصعوبات الكبيرة التي تصاحب عملية تحويل بعض التجاوزات المالية الخطيرة إلى مشكل عام بدون تغطية إعلامية مكثفة ودون تدخل الميديا بكل فروعها ، مستغلين التعقيدات القانونية والإدارية المصاحبة لعملية المطالبة بتدخل مؤسسات الرقابة، إضافةً إلى عدم المبالاة النسبية للجماهير بمثل هذه الظواهر على أهميتها .