( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
استمر الجدل حول موضوع الهوية ما يزيد عن ربع قرن من الزمن في وطننا العربي . وشغل حيزاً كبيراً في الفكر والثقافة ،وفي دراسات علوم السياسة والاجتماع والقانون ،سواء على المستوى الداخلي العربي أو الإقليمي أو المستوى الدولي في إطار مجتمعات متعددة الهويات والتكوينات ،أو في إطار احتدامات وصراعات ساخنة تخدم مصالح دولية وإقليمية ،ولأنَّ موضوع الهوية التي تسير في إطارها المفاهيمي غائم ، فإنه يتوجب علينا أن نتطرق بشكلٍ سريع إلى أنواع الهويات المتعددة مثل : (الهوية الثقافية، الهوية السياسية،الهوية التاريخية، والهوية الشخصية والجماعية ،والدينية).
كما أنَّ موضوع الهويّة الذي احتل مساحةً واسعةً من الجدل والنقاش في الأدب السياسي، خصوصاً البحث من جانبه الفكري والاجتماعي والثقافي ،أنتج آراء ومفاهيم جديدة مغايرة. لأنَّ هذا الجدل قد احتدم إلى حدود كبيرة في ستة عقود الأخيرة ، الأمر الذي دفع شعوباً وأمماً عديدة وجماعات كبيرةٍ وصغيرة لتخوض صراعاً حاداً باسم (القومية العربية) أحياناً، أو باسم (اللغة العربية) أو باسم (الدين) في أحيان أخرى كثيرة . 
وفي جميع الأحوال كانت الخصوصية أمراً ملازماً لكل حديث عن الهويّة الرئيسية ،إذْ سرعان ما طفحت كيانات وكتل وجماعات على السطح بعد طول كبت وقهرٍ وشعور بالتمييزوتفضيل أحدها على الآخر، في مجتمعات كانت الصورة الواحدية والرأي الواحد تطغى عليها وتحمل عنوانها.
لقد ساهم تفكيك الأنظمة الشمولية في بعض بلداننا العربية بانتعاش مسألة الهوية بشكلٍ واضح وفاضح في الآن ذاته ، كما أنَّ بعض الكيانات الخاصة شعرت بالانعتاق من كل ما يكبلها من قيود. لأنها تتطلَّع ليكون لها شأنٌ كبيرٌ في المستقبل، وشكلاً من أشكال الاستقلالية بشكلٍ عام . وأن تحافظ على كينونتها وخصوصيتها التي تجمعها وتعطيها كيانها الخاص، لا سيّما بعد تهميش وإلغاءات متعددة . ومحاولات إدماج وصهر لتلك الكيانات بمزاعم شتى، وهو ما يمكن أن يكون وراء اندفاع الكيانات والهوّيات الفرعية، الجزئية، في البحث عن أسلوب أو طريق جديدة لتحقيق ذاتها بشكلٍ عملي وواقعي ،والتشبّث بخصوصياتها بعد طول معاناة أن شعرت بالعداء المستحكم ،أو أن تكون قد شعرت بالفوقية والاستصغار واستعلاء الآخرين عليها وكانت قد عانت منه، وقد تسبّب الفعل القاسي ، ومن ثم ردّ الفعل، في خلق فتن ومشاكل ونشوب حروب أهلية مدمرة ،وتهجير قسري وتغيير ديمغرافي على أسس طائفية وإثنية ، وإبادات للأفراد والجماعات وحتى الحيوانات ، تارة بحجة الحفاظ على الهويّة التي يُراد اختراقها وانتهاكها من قبل الكثيرين ، لا سيّما الهوّيات الكبرى، وتارة بزعم تحقيق الهويّة بكل مكوناتها والتمسّك بها بشكلٍ قوي ، خصوصاً للهوّيات الفرعية، التي يراد تذويبها أو إخضاعها أو حتى التخلص منها وهذا أمرٌ ملموس بشكلٍ قوي في بعض البلدان العربية !  
إنَّ هذا يفرض علينا تساؤلاً مشروعاً وهو : إذا كانت تحدّيات الهويّة تحدياً داخلياً مبني أساساً ومستمراً لاحتدام الجدال والنقاش والسجال والنزاع وحتى الصراع، لماذا يبقى الموقف من الحقوق والحريات، وبخاصة من مبدأ المساواة التامة والمواطنة الكاملة شيئ معيق ؟؟؟ ، هذان الركنان هما ركنان أساسيان من أركان الدولة العصرية وليس الدولة الحديثة فقط ، هو العامل الحاسم في الاحتدام والتصادم والتناقض والتناحر الخطير أحياناً، فإنّ التحدّيات الخارجية بمجملها لم تكن بعيدة عن ذلك، لا سيّما تداخلاتها وتأثيراتها العديدة والمختلفة، وبالتأكيد فقد استثمر العنصر الخارجي إثارة النعرات الطائفية والإثنية والقبلية والعشائرية ،وتأليب البعض على البعض الآخر، والتدخّل السافر بحجة حماية هذا الفريق أو ذاك، لا سيّما للكيانات الفرعية، والهويات الصغرى. خصوصاً إذا شكّلت الكيانات الأساسية أو الهويات الكبرى ذات الصفات العامة، عنصر تحدٍّ للقوى المهيمنة والمتنفّذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية، التي بإمكانها التأثير عليها بشكلٍ مباشر، وذلك بالعزف على هذا الوتر الحساس للهويات الصغرى أو الهوّيات الفرعية، التي ستضعف الكيانات الكبرى، على الرغم من تماسكها وقوتها ،وهو ما يمكن أن يكون ( كلام حق يُراد به باطل)!، خاصةً إذا تعرّضت وحدة الدولة للتمزّق والانقسام . والمجتمع يتعرّض لحالةٍ من التجزيء والتشظي والتفتُّت!.ولكن هل يمكن الحديث عن (هويّة متكاملة) أو (هوية ثابتة) أو دون تغيير أو تبديل ، باعتبارها معطىً ساكناً أبدياً وسرمدياً، حتى وإن كانت بعض عناصر الهويّة الثابتة أو المتكاملة قابلة للثبات أكثرمن غيرها مثل الدين أو اللغة؟ أم أنّ الهويّة بشكلٍ عام تخضع طواعية ودون مقاومة لنوعٍ من التغيير في الفهم والمعرفة العقلانية أولاً. وفي التفسير والشرح ثانياً، وحتى لو بقيت الجذور والأصول قائمة دون تغيير، فإنَّ بعض عناصر الهويّة بكل تلاوينها مثل العادات والتقاليد والفنون بكامل أطيافها وأنواعها ،فإنها تتطوّر بشكلٍ أو بآخر ،وتكون أكثر عرضةً للتغيير إضافة أو حذفاً ،بخاصة علاقتها مع الثقافات والهوّيات الأخرى استعارة أو تأصيلاً ،وهذه لا تأتي دفعةً واحدةً بطبيعة الحال ،بل تتم عملية التحوّل الدراماتيكية بصورةٍ تدرّجية، تراكمية، طويلة الأمد، وتسير في خطاها دون تردُّد .والأمر ينطبق أيضاً على تفاعل وتداخل الهوّيات بعضها مع بعضها الآخر، خصوصاً من خلال عناصر التأثير القوية جداً سياسياً واقتصادياً وثقافياً. 
وبسبب نظرة الاستصغار إلى الهويّات الفرعية، والتراكم السلبي عبر زمنٍ طويل ،وعدم الإقرار بالتنوّع الثقافي الضروري والهام ، وعدم الحصول على الحقوق التي ترتّبت عليها ،فإن ذاك الشعور كان فادحاً، في حين شعرت بعض الهوّيات الكبرى بقوتها وسطوتها بشكلٍ عام ،وأدركت محاولة الهويّات الفرعية أو الهويات الصغرى التمسّك بخصوصيتها وفضائها الخاص المحدود، وكأن هيبتها بدأت تتصدّع وتتشرذم بحكم الثقافة الاستعلائية السائدة من الهويات الكبرى ،أو من حاول توظيفها لخدمة أغراض سياسية محدّدة تخدمها ،سواءً كانت طائفية أو دينية أو إثنية أو غير ذلك، الأمر الذي ساهم بشكلٍ كبير على الانكفاء من جهة. والتشرنق والتخندق أوالانغلاق والتعصب الشديد، وضيق الأفق إزاء الآخر تصل إلى رفضه بل محاربته من جهة أخرى،بخاصة عندما تفكَّكت الدولة وضعفت ووصلت إلى حد الهشاشة، وفقدت معنى وحدتها الوطنية في ظل الكثير من المعادلات المستجدة وبخاصة للمكونات الهوياتية المختلفة . 
       وبدلاً من طلب الخضوع أو الاستكانة أو محاولة السيطرة والتسيّد من جانب الهوّيات الكبرى أو من يدعي تمثيلها من الفئات المهيمنة على الهوّيات الفرعية، الذي كان ناجماً عن الشعور بالتفوّق أو الأغلبية الساحقة في المجتمع والدولة أو ادعاء الأفضليات لجماعة على حساب جماعة أخرى ،فإن نزعات رفض التعايش والإندماج وعدم الرغبة في التبادل الثقافي والمعرفي والفكري والإنساني .ورفض التواصل مع الآخر ،كانت قد تمت بالمقابل بشكلٍ عنيف .وكرّد فعل لمحاولات السيطرة والهيمنة أو فرض الإرادة عليها وعدم الامتثال لمبدأ المساواة بين المواطنين على حدٍ سواء، وهذا ما شاهدناه في العديد من بلادنا العربية وتحديداً الدول الشمولية .وبالطبع فإنّ الأساس الفكري والاجتماعي لمثل ذلك النهج، إنما ينجم عن سياسة براغماتية تهدف إلى عدم الإقرار بالتنوّع والتعددية بين أفراد الشعب ،والحق في الاختلاف في الرأي والموقف من القضايا اليومية والقضايا المصيرية . وتتّجه مثل هذه السياسة المصلحية وردود أفعالها القاسية والعنيفة صوب العزلة والقطيعة وفقدان صيغة الحوار ،بدلاً من التعايش والإندماج وتحقيق المشترك الإنساني.