( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
أكد الرئيس الأمريكي جو بايدن أنّ الارتفاع الحالي لمعدل التضخم المالي في الولايات المتحدة مؤقت،وإنه أكد لجيروم باول رئيس مجلس الاحتياط الاتحادي (البنك المركزي) الأمريكي احترامه لاستقلال المجلس. وأنه اتخذ الخطوات التي يراها ضرورية لدعم تعاف اقتصادي قوي ومستدام.كما أكد الرئيس جو بايدن إن الزيادات الأخيرة في الأسعار (مؤقتة) على الرغم من المخاوف من ارتفاع معدل التضخم، فقد أكَّد مكتب الميزانية في البيت الأبيض، في مقترحه لميزانية الدولة العامة ،توقع تضخماً بنسبة 2.1% في عامي 2021م ، و2022 م. كما أنّ متوسط التضخم في الولايات المتحدة لعام 2021 م نسبته 3% كان قد توقعه في شهر آذار لعام 2021 م بنسبة 2.2%. في حين جاءت النسبة مخالفة وغير مطابقة لكل هذه التوقعات حيث وصلت إلى نحو 5.4% . وهل التضخم المالي فعلاً مؤقت وسيعود إلى مستواه ما قبل جائحة كوفيد 19 (كورونا) ، يدور حول الهدف المراد تحقيقه الذي أعاد تحديده السيد جيروم باول رئيس مجلس إدارة الاحتياطي الفيدرالي يوم 27 آب عام 2020م، وهو ما نسبته 2%، وهو معدل وسطي نوعاً ما ،من دون إعطاء تعريف محدد للمتوسط الحسابي الذي كان يقصده، والتضخم بنسبة 3.2% على مدى خمس سنوات مقبلة والذي يمكن أن يتراوح ما بين الانكماش الخطير والتضخم ؟. أم أنّ مشكلة ارتفاع التضخم المالي هي مشكلة تتعلق بجانب العرض، وهذا ما أكده العديد من الاقتصاديين الأمريكيين الاستراتيجيين .أما أعضاء الحزب الجمهوري فإنهم يعزون سبب ارتفاع التضخم المالي إلى حزم التحفيز المالي التي طلبها الرئيس الأمريكي من الحزب الديمقراطي جو بايدن منذ تسلمه الرئاسة مطلع العام الجاري.
الرئيس الأمريكي جو بايدن يرد على ذلك بقوله: إن خطته للإنفاق البالغة 4 تريليونات دولار ستُبقي التضخم المالي تحت السيطرة. كما اعتبر الرئيس الأمريكي جو بايدن أن الولايات المتحدة الأمريكية إذا قامت بتوسيع رقعة إتاحة الرعاية الجيدة للأطفال، ورعاية كبار السن ،والإجازات مدفوعة الأجر، فلسوف ينخرط عدد كبير جداً من الناس في صفوف القوى العاملة، هذه الخطوات ستعمل على تعزيز إنتاجية الولايات المتحدة ،وما يترتب عليها من زيادة للأجور دون رفع الأسعار.وهذا لن يؤدي إلى زيادة التضخم النقدي ،وإنما سيخفف الضغط الواقع على التضخم بشكلٍ ملحوظ ،ويعطي دفعةُ للقوى العاملة لدى الولايات المتحدة الأمريكية ،وهذا بمجمله يؤدي إلى انخفاض الأسعار في السنوات المقبلة مترافق مع زيادة الأجور .لقد عزا العديد من الاقتصاديين الأمريكيين ومن خلال وجهة نظرهم أنَّ جزءاً كبيراً من زيادة الأجور الأخيرة في مؤشر أسعار المستهلكين، تتجه نحو الزيادات الحادَّة في أسعار السيارات، وخاصة السيارات المستعملة التي وجدت طريقها إلى العديد من الأسواق العالم .فهي بهذا المعنى مشكلة في العرض وليس في الطلب،حيث تواجه العديد من شركات السيارات في الولايات المتحدة الأمريكية أزمة في الحصول على رقائق أشباه الموصلات للإنتاج،وتصنيع أجهزة أشباه الموصلات (Semiconductor device fabrication) أو تسمى تصنيع أشباه الموصلات هي العملية المعقدة المستخدمة لإنشاء الدارات المتكاملة المصنوعة من (رقائق السيليكون ) التي تكون متواجدة في الأجهزة الكهربائية والأليكترونية المستخدمة يومياً .إن عدم الحصول على تلك الرقائق إدى إلى انخفاض إنتاج السيارات الجديدة، وأدى ذلك إلى نقص سمح لعدد من الشركات برفع أسعار سياراتهم الجديدة المتطورة .كما أدّى ذلك إلى ارتفاع أسعار السيارات المستعملة بشكل أكبر وأسرع من السيارات الجديدة. وهذا أمرٌ لم يكن موجوداً من قبل في الولايات المتحدة الأمريكية .ووفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال، فقد ارتفعت أسعار السيارات الجديدة بنسبة 9.6%، كما ارتفعت أسعار السيارات المستعملة بنسب 7،16 % . ولو عدنا إلى إحصائيات العام الماضي لوجدنا أنَّ أسعار السيارات كانت قد ارتفعت بنسبة 21%. وقد شكّل ارتفاع أسعار السيارات والشاحنات الكبيرة وبعض المعدات الصناعية الثقيلة في شهر نيسان وهو الأعلى منذ عام 1953 م .وهي نسبة عالية وصلت أكثر من ثلث الزيادة الإجمالية البالغة (4.2%) في مؤشر أسعار المستهلكين لشهر نيسان .لقد أدى الانكماش الاقتصادي لعام 2020، أيضاً إلى قيام بعض الشركات بتقليل مخزوناتها من السلع غير المباعة، بشكلٍ كبير.
وتُظهر الأرقام الأخيرة الصادرة لإجمالي الناتج المحلي في الولايات المتحدة الأمريكية ،أنَّ مجمل المخزونات انهارت العام الماضي 2020 م ،واستمرت في الانكماش في الربع الأول من عام 2021 م أيضاً. وهذا ما أدى إلى وجود حالة جديدة سمحت للشركات برفع الأسعار بشكلٍ حاد جداً بسبب نقص العرض ، وهذا الأمر تسبب في وجود نقص كبير في المخزونات لديها اليوم. وهذا هو أساس وجوهر القضية التي أحدثت المشكلة الجارية اليوم في العديد من الصناعات والشركات الأمريكية وتحديداً الصناعات المتطورة والتي تستخدم (وتصنيع أجهزة أشباه الموصلات Semiconductor device fabrication).كما رفعت الفنادق والمرافق السياحية والخدمية، وشركات الطيران، أسعارها بأكثر من 10%. وفي الأسواق العالمية، ارتفعت أسعار الجملة لسلع مثل النفط الخام ،والنحاس ،والألمنيوم ،بحدَّة، حيث يشتري المستثمرون المضاربون ، العقود الآجلة لإعادة بيعها لاحقاً بربح كبير وبيعها في البورصة .وما أن تخترق أسعار الجملة المرتفعة جداً ،أسعار المستهلك، سترتفع بالضرورة أسعار التجزئة وأسعار البيع بالمفرق للمستهلكين مباشرةً . ففي العودة إلى جذر المشكلة التي تسببت في الارتفاع الحالي لمعدل التضخم المالي ،وسبب ارتفاع التضخم المالي الذي أدى إلى حزم التحفيز المالي التي طلبها الرئيس الأمريكي من الحزب الديمقراطي جو بايدن نجد أنَّ المسألة لا تتعلق بالإنفاق التحفيزي المالي بشكلٍ كبير،كما يقول أعضاء في الحزب الجمهوري بهدف منع وخفض الإنفاق الذي من شأنه أن يفيد العائلات والأفراد والاستهلاك الشعبي اليومي ،بقدر ما تتعلق بالممارسات التجارية الضخمة جداً ومشاكل العرض والطلب ،والمضاربات المستمرة التي تصل أحياناً إلى حد التناحر في أسواق سلع العقود المستقبلية. ومن وجهة نظري أرى أنَّه في ظل هذه العوامل المستمرة قائمة غير متناسين حقيقة الظروف التي مازالت تشيعها جائحة كوفيد 19 ( كورونا) ، فإنَّ التضخم المالي الهائل ، كظاهرة ملازمة للحالة، سيبقى مستمرة حتى تزول جميع الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع .