( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
 أغلقت الولايات المتحدة الأمريكية صفحة طويلة من حروبها العنيفة . تلك الحرب استمرت نحو عشرين عاماً في أفغانستان وسط فوضى وعنف ملحوظين ووسط انتقاداتٍ لاذعة من الداخل الأمريكي وخارجه على كيفية انسحاب قواتها من أفغانستان والتي امتازت بالعنف والفوضى واللا مبالاة . كل ذلك جرى دون أن تعلن الولايات المتحدة عن أي انتصار. فقد تم وصف الإنسحاب بالهروب المترافق بمع الهلع . فقد تركت الولايات المتحدة الأمريكية كميات ضخمة جداً من الأسلحة النوعية شملت :طائرات ومركبات وأنظمة دفاع متطورة تقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات. وفي السياق ذاته، قال مسؤول كبير في وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون رفض الكشف عن اسمه، إن الجيش الأميركي استعان بقنابل ذات حرارة عالية جدا تصل إلى 4 آلاف درجة لتدمير بعض المكونات الرئيسية في هذه المعدات العسكرية وبقيت العديد من تلك القنابل في أفغانستان .كما بقي في أفغانستان نحو 70 مركبة من طرازMRAPs، المقاومة للألغام والانفجارات والكمائن، والمركبة الواحدة من هذا الطراز (MRAPs) تكلف حوالى مليون دولار.كما ترك الجيش الأميركي 27 مركبة عسكرية خفيفة من طراز "همفي"، ويبلغ ثمن الواحدة منها ثلث ثمن المركبة المضادة للألغام. كما قال الجنرال ماكينزي إن الجيش الأميركي ترك وراءه 73 طائرة، دون أن يحدد نوعها سواء أكادت مروحية أو ذات جناحين ثابتين. وتكلف الطائرة الجديدة منها أكثر من 30 مليون دولار. كما ترك وحدات أنظمة الصواريخ المضادة والمدفعية والهاون.تلك الأسلحة أوجدت حالة من القلق الأمريكي لأنَّ تلك الأسلحة استولت عليها حركة طالبان الدينية وفي أيدي جماعات متطرفة مثل تنظيم ( القاعدة ) ونمظيم ( داعش ) واستخدامها لاحقاً في شن هجمات إرهابية.لقد تحدث عدد كبير من المراقبين والمحللين السياسيين والعسكريين الاستراتيجيين أنه منذ بدء عملية انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان الولايات المتحدة الأمريكية فشلت في هزيمة حركة طالبان الإسلامية، وفشلت في إقامة ديمقراطية حقيقية فاعلة في بلد أنفقت فيه كمّيات هائلة من الدماء وأموال طائلة جداً، وفشلت في إحباط انتشار الجماعات الإرهابية المتطرّفة، وفشلت حتّى في طريقة وأسلوب المغادرة بشروطها. 
 لقد تحوَّل الانسحاب الأمريكي إلى كابوس يقض مضاجع القادة السياسيين والعسكريين الأمريكيين ، بسبب التداعيات والمفاعيل التي أحدثتهاترك تلك الأسلحة النوعية ، إن في داخل الولايات المتحدة الأمريكية ، أو في الخارج لدى الحلفاء والأعداء، على حد سواء، والتي قد تستمر لسنوات طويلة قادمة. ففي خارج الولايات المتحدة يرى أصدقاءها وحلفاءها أنه كان بالإمكان العمل أفضل مما كان، على صعيد تنظيم الانسحاب، قبل ذلك على صعيد إضعاف حركة (طالبان) إلى الحد الذي يمكن الحكومة الأفغانية الرسمية السابقة من البقاء وإنجاز مهمة بناء دولة ديمقراطية في هذا البلد، بينما يرى عدد كبير من خصوم الولايات المتحدة أن ما حدث هو إضعاف لمصداقية الولايات المتحدة الأمريكية ، ويثير فرضية عدم وجود ثقة كبيرة من الشركاء بالمنهج السياسي الذي تتبعه الولايات المتحدة الأمريكية بعدما تبين أن واشنطن يمكن أن تتخلى عنهم في أية لحظة، فضلاً عن أن المستفيد الأكبر من ذلك هما جمهورية روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية . أما في الداخل الأمريكي، فيبدو أن الأمر سيكون أكثر تعقيداً، على أبواب الانتخابات الأمريكية النصفية في 2022م، بعدما وجدت إدارة الرلائيس جو بايدن نفسها في موقف الدفاع عن مشروع الانسحاب الذي بدأته الإدارة الأمريكية السابقة برئاسة دونالد ترامب، التي تستغل الآن طريقة الانسحاب والفوضى والتراجع السريع للقوات الأمريكية واضطرارها للقيام بعمليات إجلاء غير منظمة تحت الضغط، فضلاً عن انهيار الجيش الأفغاني بسرعة قياسية واستيلاء حركة طالبان الإسلامية على أسلحة حديثة بمليارات الدولارات، 
للانقضاض على إدارة الرئيس جوبايدن وتحميلها مسؤولية الفشل والأضرار التي قد تقع للولايات المتحدة. إذ سرعان ما تعالت أصوات جمهورية تطالب بعزل بايدن، واتهم كيفين مكارثي زعيم الجمهوريين في مجلس النواب الأمريكي الرئيس جو بايدن بأنه ترك مئات الأمريكيين كانوا يحاولون الخروج من أفغانستان ليصبحوا رهائن لدى طالبان ، ومنح طالبان المزيد من طائرات هوك أكثر من أستراليا. وفي السياق نفسه، وقع 90 جنرالاً وأدميرالاً أمريكياً من المتقاعدين على رسالة تطالب بإقالة قادة البنتاغون نظراً للضرر الكبير الذي لا يمكن إصلاحه بسهولة ويسر والذي ألحقته طريقة انسحاب القوات الأمريكية بسمعة سيئة للولايات المتحدة.
نستطيع أن نقول أنه عملياً بالفعل طويت صفحة الحرب التي دامت عشرين عاماً متواصلة، لكن الأكيد، بحسب محللين استنراتيجيين أمريكيين، أن ما جرى سيترك آثاراً بالغة السلبية على الرئيس جو بايدن وفريقه للأمن القومي في الوقت الذي سيُضاعف فيه تحفّز خصوم أمريكا وأعدائها للمضيّ بعيداً في مواجهتها. والتصدي لعملياتها الخاطئة .
على المستوى العربي تبدو سورية والعراق الأكثر تأثراً بالانسحاب الأمريكي من أفغانستان لأنه سيمهد الوضع لجمهورية إيران الإسلامية فيهما، لكن الإسرائيليين عملوا فوراً على استثمار اللحظة وتحدثوا عن أنهم سيتكفلون بمواجهة إيران والتصدي لها وحدهم، وسارع رئيس وزراء الكيان الصهيوني نفتالي بينيت، إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليعيد وضع الموضوع النووي الإيراني على رأس أولويات الولايات المتحدة الأمريكية إضافة إلى التواجد الإيراني الكبير في سورية والعراق ولبنان.لكن بعض المحللين والباحثين الاستراتيجيين الإسرائيليين، حذروا من أن خروج الولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان، وبعد عشرين سنة، توضح لهم أن على قادة الكيان أن يغيروا من أسلوبهم في الأراضي الفلسطينية وتستفيد من تجربة ما حدث في أفغانستان.
 يبدو أنَّ محصلة الأمور أو خواتيمها،قد أفضت إلى قضايا جديدة ، فالحدث الأفغاني سيؤدي لاحقاً إلى تمهيد الأرض للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لخوض الانتخابات المقبلة بقوة ، كما أنَّ الحدث الأفغاني بجميع استحقاقاته ، قد يؤدي إلى إضعاف حكومة (نفتالي بينيت)، وربما إلى انهيارها، وبدأ بنيامين نتنياهو مبكراً بمغازلة حليفه السابق ( بيني غانتس) لتشكيل حكومة. وعلى المستوى الفلسطيني يبدو أن الأوضاع الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية الجديد وكذلك الوضع الدولي سيترك الوضع الفلسطيني المأساوي على ما هو عليه مع بعض التعديلات الاقتصادية البسيطة المحفزة لإدارة الأزمة وليس حلها،لأن القضية الفلسطينية ومشروع حل الدولتين يعيشان في ملف يصعب على الولايات المتحدة فتحه وليس هناك أي استعداد دولي لفتح الملف الفلسطيني لارتباطه بالوضع المحلي والإقليمي والدولي على المدى المنظور.