( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
ما زال جدار التحالف الأوروبي مع الولايات المتحدة الأمريكية يتهاوى ،فقد وهن وضعف ولم يعد قادراً على الصمود أكثر ،أو حتى تجاوز الهوة التي ازدادت وتوسعت بين أطرافه في أوروبا ومعظم دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) . 
 إنَّ انسحاب القوات الأمريكية المتسرع من أفغانستان، لم يكن من دون تشاور مع الحلفاء الأوروبيين، ولا مع دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) حيث كان هذا الانسحاب آخر تصدع في جدار التحالف الغربي، إذ سرعان ما اتسع الشرخ، وبدا كأن الولايات المتحدة الأمريكية تغرد في فضاء آخر حيث تجد مصالحها الحيوية دون الاكتراث بمصالح الآخرين ،من دون اكتراث بعلاقات تحالف تاريخية عبر المحيط الأطلسي.
ما زاد الطين بلّة هو ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية من إعلانها تحالفاً أمنياً جديداً مع كل من المملكة المتحدة وأستراليا من وراء ظهر الحلفاء الأوروبيين ،ومن دون علمهم أو التشاور معهم .فقد كانت تلك الخطوة قد أوقعت خلافاً كبيراً بين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا .فقد كانت فرنسا قد وقعت عقداً مع أستراليا لبناء 12غواصة بقيمة تسعين مليار دولار أسترالي أي ما يعادل (56 مليار يورو) لحساب البحرية الأسترالية كانت وقعته العام 2016م ،وبموجبه خسرت فرنسا هذا المبلغ الضخم .بعدما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أنها ستقوم بتزويد أستراليا بغواصات بديلة تعمل بالدفع النووي.هذه الخطوة الأمريكية الجديدة التي يبدو أنها قصمت ظهر البعير كما يقال. وكانت أستراليا قد اختارت شركة بناء السفن الفرنسية (نافال جروب) عام 2016 م لبناء أسطول غواصات جديد لتحل محل غواصات كولينز التي مضى عليها أكثر من عقدين.
ونتيجة لما قامت به الولايات المتحدة، اعتبر وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان ما حدث (خيانة وطعنة في الظهر)، وقال إنه قرار أحادي ومباغت وفيه من الخيانة الكثير ،ويشبه كثيراً ما فعله الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، فيما أكدت (فلورنس بارلي Florence Parly) وزيرة الدفاع الفرنسية أن فسخ أستراليا العقد مع فرنسا قرار خطير على صعيد السياسة الدولية.
ومما لا شك فيه أن إلغاء صفقة الغواصات الإثني عشر أدى إلى توتر في العلاقات الفرنسية - الأمريكية، إذ إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تبلغ فرنسا مسبقاً بإعلان التحالف الأمني الجديد، ولا بالقرار الأسترالي إلغاء صفقة الغواصات التي تم التعاقد عليها .وفي حين كانت فرنسا تعتقد أن الرئيس جو بايدن سيسعى إلى تعزيز العلاقات بين ضفتي الأطلسي، بعدما سادها اضطراب وقلق وعدم ثقة طوال أربع سنوات من عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، جاءت طريقة الانسحاب العسكري من أفغانستان السريعة ،ومن ثم إعلان التحالف الثلاثي الجديد المفاجئ بين بريطانيا واستراليا والولايات المتحدة الأمريكية ليضع مجمل التحالف الغربي في مهب الريح.
لقد قدمت دول التحالف الجديد بريطانيا واستراليا والولايات المتحدة تبريراً غير مبرر يهدف إلى مواجهة الطموحات الصينية، وأن الولايات المتحدة الأمريكية تعطي هذه المواجهة الأولوية على ما عداها، لم تبتلعه دول القارة الأوروبية التي باتت على يقين كامل بأن العلاقات معها لم تعد أولوية أمريكية. وفي هذا المجال يقول توما غومار مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية إن هذا الأمر يؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية تتوقع من حلفائها أن ينصاعوا، ولا تعتمد نهجاً تشاورياً معهم. فقد قال رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون إن بلاده اتفقت مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على صنع ثمانية غواصات تعمل بالطاقة النووية بموجب شراكة أمنية مع الولايات المتحدة وبريطانيا بمنطقة المحيطين الهندي والهادي. وبموجب هذه الشراكة ستصبح أستراليا ثاني دولة بعد بريطانيا يسمح لها بالوصول إلى التكنولوجيا النووية الأمريكية لصنع غواصات تعمل بالطاقة النووية، وحصلت بريطانيا علي هذه التقنية عام 1958.
من الواضح جلياً أن الرئيس جو بايدن من خلال إعلان التحالف الجديد سعى إلى صرف الاهتمام بأسرع ما يمكن عن الانسحاب الفوضوي المتسرِّع من أفغانستان ودون استشارة أي دولة من دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) ،والتركيز على مواجهة جمهورية الصين الشعبية سعياً لإثبات قوة الولايات المتحدة الأمريكية ،كما أن الصفعة التي تلقتها باريس والتي أطلقت عليها تسمية (خيانة) تعكس رداً أمريكياً على دعوات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المتكررة، والمدعوم من جمهورية ألمانيا الاتحادية ، لتشكيل جيش أوروبي قوي بمعزل عن المظلة الأمريكية.