( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
اعتقد العديد من العلماء والمفكرين في القرن التاسع عشر بأن البشر يمكن تقسيمهم إلى أعراق.وهذا يندرج تحت المصطلح (عنصرية) هو اسم يصف حالة كون شخص ما عنصرياً، أي اعتقاد الشخص بأنه يجب أو يمكن تصنيف البشر إلى أعراق ذات ميول وقدرات مختلفة، مما يُحفّز بدوره الإيديولوجيات السياسية المتنوعة التي تهدف إلى توزيع الحقوق والامتيازات على أساس الفئات أو الجماعات العرقية حيث يتم تميز عرق بحقوق وامتيازات أكثر من الآخر. قد يكون المصطلح (عنصري) صفة أو اسم، والصفة هنا تستخدم لتصف الشخص الذي يحمل تلك المعتقدات.لذا فالعنصرية تجاه الآخر واحدة من أكثر ظواهر التمركز الذاتي بؤساً وتعاسةً في أي أمة أو مجتمع أو ثقافة، وفي أي عصر من عصور التاريخ الإنساني الممهور بالصراع والاستقرار. إنها تعبير عن تضخّم للأنا الجماعية تصل حد المرض يزيد عن حد الاعتداد بالنفس والاعتزاز والكِبَر والتبجيل والتعظيم الذاتي، بل وحتى النرجسية والأنانية المفرطة.وهذا تعبير فاضح عن واحدة من أَرذل النتائج وأكثرها سلبية التي تقود إليها عقيدة التفوق وهيمنة وسيادة واعتبرتها من حيث الحالة التشغيلية والتكوينية من أوهام الفَرَادة و(الأنا) والتميّز ،وحب الذات ومتولداتها من منازع الاستكبار والتفوق والاستعلاء والإنكار. ليس هذا فحسب بل إنَّ الأمم والمجتمعات المصابة بلوثة العنصرية والتفوق العرقي كثيراً ما تبني عنصريتها المَرَضية على أوهام وخرافات لا قيمة لها في الواقع ولا في ميزان العقل والمعرفة والعلم والثقافة من قبيل تميز العِرق واللون والدم وما شابه! وهو يقرُّ في وعيها وما تستبطن ،ولا وعيها، أنها حقائق، وتطمئن إليها بوصفها يقينيات لا يمكن نفيها لا يرقى إلى أمرها شك ولا ريبة ممّا يقودها، بالتالي، إلى إتيان مسلكيات وأفعال مؤذية للآخرين أشد الإيذاء.الجدير بالذكر أنَّ أقسى النظم القائمة على العنصرية في التاريخ هو ما قام به العسكريون في اسبرطة الذين أسسواتلك النظم .وهم أقلية صغيرة كانت تحكم عدداً كبير من السكان من السكان الاصليين، الذين تكاد تنعدم حقوقهم المدنية أو السياسية حتى الإنسانية.في حين أصبحت العنصرية في القرن 19 متشابكة ومعقدة بشكل وثيق مع القومية، وهذا التعبير كتبه العديد من الكتاب والمفكرين الغربيين ،مما أدى إلى ظهورالخطاب القومي العرقي الذي حدد (العرق) مع (الشعبية) ،مما أدى إلى حركات مثلمثل رابطة الشعوب الجرمانية ، والقومية التركية ، والقومية السلافية ، والقومية العربية . وفي القرون الوسطى قسمت العنصرية الأمة على وجه التحديد إلى (أعراق) غير بيولوجية مختلفة ومتنوعة ،والتي كان يعتقد أنها نتيجة للفتوحات التاريخية والمعارك والصراعات الاجتماعية المتعددة والمتنوعة الطرق والأساليب. وقد تتبع الفيلسوف الفرنسي 
ميشال فوكو (Michel Foucault)‏ (1926 – 1984م) الذي يعتبر من أهم فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين. تتبع أنساب العنصرية الحديثة إلى هذا (الخطاب التاريخي والسياسي والاجتماعي للصراع العرقي (في القرون الوسطى. ووفقاً لما قاله، فقد قسمت نفسها في القرن التاسع عشر وفقاً لمسارين متنافسين: فمن ناحية، تم دمجها من قبل العنصريين وعلماء الأحياء وعلماء النسل وبعض علماء الاجتماع ، الذين أعطوها الشعور الحديث بما بات يُعرَف بـ (العرق) ، كما حولوا هذا الخطاب الشعبي إلى(عنصرية الدولة) (مثل النازية). من ناحية أخرى، وحسب العديد من علماء الاجتماع الغربيين الذين يرون أنَّ الفلسفة الماركسية والفكر الماركسي استولتا أيضاً على هذا الخطاب القائم على افتراض الصراع السياسي الذي وفر المحرك الحقيقي للتاريخ والمجتمع واستمر في العمل تحت مسمى الأمن والأمان والسلام. وهكذا، حوّل الماركسيون المفهوم الأساسي لـ (العرق) إلى المفهوم التاريخي لــ(الصراع الطبقي) الذي تم تعريفه بمواقف منظمة اجتماعياً:بروليتاريا أو رأسمالية في ( إرادة المعرفة 1976 م )، حيث حلل الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو 
خصمًا آخر لخطاب (الصراع العرقي) التحليل النفسي وطبيب الأعصاب النمساوي سيغموند فرويد مؤسس علم التحليلي الذي أسس مدرسة التحليل النفسي وعلم النفس الحديث.الذي عارض مفهوم (وراثة الدم)، السائد في الخطاب العنصري في القرن التاسع عشر.
غير أن الخرافات التافهة والأفكار البالية المؤسسة للعنصرية سرعان ما تتحوّل إلى مبدأ يُشَرعِن أفعال عدوان إجرامية تجاه مَن يبْدون مغايرين لأولئك المسكونين بالخرافات والأفكار البالية تلك . ويمكن أن تكون العنصرية، في أغلب الأحيان ، فعْلَ عدوان معنوي أو رمزي ، على مَن يقع عليه فعلهاويتألم لوقعها عليه . فتتمظهر في صور من الحط والانتقاص منه والاحتقار والمجانبة والعزل والتهميش وما شاكل، أو في صورة مخاطبة مباشرة أو غير مباشرة تأتِ بأسلوب العنف اللفظي والكلامي وحتى الإيمائي ... إلخ. لكنها كثيراً ما تتبدى في شكل عنف مادي بشع حين يقع الاحتكاك المباشر بين مَن يمارسها ومَن تُمارس عليه. بل قد يكون الإفصاح عن ذلك العنف وتلك الشراسة ، من قِبل الواقع في شِراك العنصرية والحقد والكره ، سبباً لاستثارة ذاتية المعتدى عليه، وجرَّهُ إلى الرد على العنف الممارس عليه بعنف مضاد ويمكن أن يكون أعنف وأشد شراسة ، مما قد يستجر سلسلة من المجابَهات العنيفة المتبادلة بين الأطراف.
إنَّ ظهور العنصرية المفرطة في أوروبا له العديد من الأسباب التي تأتِ على استطراد الثورة العلمية الهائلة التي شهد عليها علم الأَحياء (البيولوجيا) منذ القرن الثامن عشر،خاصة في ميدان دراسة الأنواع الحيوانية وتطور سلالاتها ومورثاتها عبر أحقاب التاريخ. ولقد قادت نتائج الأبحاث والدراسات الجادة في هذا المجال مثل ما قدمه العالم النمساوي مؤسس علم الوراثة الحديث غريغور يوهان مندل( 20 تموز 1822- 6 كانون الثاني 1884) م وهو راهبٌ أوغاستيني، إلى تطبيقات خرقاء لها على النوع الإنساني. ومن حينها بات مألوفاً الحديث بين العلماء وأشباه العلماء عن الفوارق بين الأعراق والسلالات الإنسانية، ثم أتى من بنى على تلك المزاعم من قبيل تَفَوق العِرق الأبيض على بقية الأعراق ( العرق الأصفر والعرق الأسود ) وحتى على (الأعراق الخلاسية) .وكما استثمرت الحملات الكولونيالية هذه الفرضيات العنصرية وبرّرت بها سياساتها ومنهجها الأمني والاقتصادي والعسكري ضد الشعوب المستعمَرة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، كذلك استثمرتها النازية الألمانية في خرافاتها وأفكارها البالية عن تفوق العِرق الآري كما في سياساتها لإبادة غيره من الأعراق الأخرى ، قبل أن تتحوّل العنصرية إلى ثقافة جمعية في جميع دول أوروبا، وإلى سياسة عليا رسمية، أنتجت أحزاب شعبوية ، بعد أن رسخت لها الجذور في الولايات المتحدة الأمريكية . أو على وجه التحديد في أمريكا الشمالية منذ إبادة البيض الأوروبيين لسكان القارة الأصليين إبادة جماعيةقتلت خلالها عشرات الملايين من السكان الأصليين على اعتبار أنهم من الهنود الحمر .
ما من أمة أو مجتمع أو ثقافة تخلو من لوثة العنصرية تجاه غيرها الآخر ، والاختلاف بينها إنما يكون في الدرجة الاجتماعية أو الاقتصادية . والغالب على الظاهرة أنها تقترن بالمجتمعات والأمم التاريخية على مر الزمن، أي من تتمتع بإرث تاريخي كبير وعريق. ولقد كان مبنى العنصرية، في ما مضى من عهود قبل الأزمنة الحديثة والأزمنة المعاصرة ، إما على الشعور الزائف بتفوق الدين وتفوق الجماعة المؤمنة به ومكانتها الخاصة - كما تعتقد - عند الله والأنبياء والرسل ،أو على الشعور بالقوة الفائقة نتيجة السيطرة والسيادة والهيمنة على المغلوب، أو على الشعور بالامجاد العائلية أو القَبلية العريقة، أو على حيازة أسباب الغنى الفاحش والتّرف الزائد ... إلخ. غير أن أسس هذه النزعة المرضية شَرعت في التغيّر والتكَثر بدءاً من العصر الحديث، فانضافت إليها من ترهات الأسباب وأشدها، وأسوأ قَواماً ومكانتة ممّا كانَت عليه أسبابها ودواعيها في الماضي. والأَدعى إلى الاستغراب وهذا الاستهجان أن أكثر ما جدّ على أسبابها له صلة قوية لصيق بتطور الأبحاث العلمية ونتائجها المبهرة ، الأمر الذي تولّد معه يقين زائد بضرورة وأهمية هذه الأسباب التي تدعو إلى العنصرية ، والعنصرية المفرطة و وتضعها ضمن قوانين وشرعية بما هي فعل .
لا عنصرية تضاهي، اليوم، العنصرية المتواجدة في الغرب الأوروبي في حِدتها وشموليتها وممارستها الهيمنة و والسيطرة والأذى. أيضاً نشهد السياسات العدوانية من العديد من الدول الغربية ضد شعوب العالم الثالث، في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ،واهتضامها حقوقها الوطنية والقومية والثقافية والاقتصادية والسياسية والسيادية، واستبعادها من ميدان صناعة القرار الدولي والمشاركة فيه بشكلٍ مناسب وليست مشاركة شكلية ،وضرب مشاريعها الوطنية والقومية والتنموية المستقلة ومحاولة بنائها ومحاصرتها اقتصادياً وسياسياًوحتى أمنياً وعسكرياً ، وشن الحروب العسكرية الظالمة والقاهرة على كثير منها... هي غيض من فيض من تلك العنصرية البغيضة الكريهة التي تؤسس رؤى دوله وسياساتها العليا تجاه ما يقع خارج عالم الغرب الأوروبي الأمريكي . غير أن الأسوأ من ذلك أن تصير هذه العنصرية ثقافة جمعية لدى مجتمعاته وتنشأ أحزاب شعبوية تطمح للوصول إلى نخب حاكمة في بلادها .