
من خلال ما عرفناه عن التاريخ الإنساني منذ عهوده المبكرة ، أدركنا أنَّ الإنسان عرف نظام الدولة منذ وقتٍ طويل ، وعرف الفتوحات والغزوات، وكيف نشأت فكرة الإمبراطوريات، التي وصل حكم كل إمبراطورية منها إلى مساحات مترامية الأطراف في الأرض. وأصبح كل حاكم مسيطر وكل إقليم يسعى لأن يسعى أن يكوِّن إمبراطوريته الضخمة الخاصة من أجل تخليد نفسه فى التاريخ السياسي والاقتصادي والثقافي، ونشأت العديد من الإمبراطوريات الهامة عبر التاريخ، مثل الحضارة اليونانية والبطليمة والفارسية والرومانية، ويأتى لفظ الإمبراطورية من اللفظ اللاتيني (empra) ، هذا اللفظ يعني (العظيم) ويعتقد أنَّ أوّل من حَمَلَه هو اكتافيوس أول اباطرة الرومان، بعد أن تحوّل النظام الجمهوري في ذلك العصر إلى نوعٍ من الحكم المطلق الطاغي المستتر بالمظاهر الديمقراطية بعد أن أصبح أكتافيوس هو الرئيس الأوحد للبلاد .وخلع على نفسهِ لقب (أغسطس) أي صاحب الجلالة، فكان أول الأباطرة الرومان كما ذكرنا آنفاً. وكان لقب ثانوي .أما لقبه الرئيسى فهو (أغسطس)، ويعنى أيضا عظيم ثم أصبح إمبراطور أكثر استخداماً، ثم اشتق منه الإمبراطورية التي تدل دلالةً واضحةً على النظام الذي يكون فيه حكم الفرد الواحد الذي يحكم على مساحة من الأرض مترامية الأطراف.
إنَّ صعود الإمبراطوريات وتطورها ونموها ومن ثم سقوطها،يعتبر درساً هاماً في التاريخ السياسي البشري، من خلال بعض النظريات التي تناولت نشأة ونمو وتطوّر وسقوط الإمبراطوريات. والهدف من كل ذلك كان دحض مقولة نهاية التاريخ التي كتب عنها الفيلسوف الأمريكي الجنسية ياباني الأصل فرانسيس فوكوياما في كتابه الشهير (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) .الصادر عام 1992، والذي جادل فيه بأنّ انتشار الديمقراطيات الليبرالية والرأسمالية والسوق الحرة في أنحاء العالم قد يشير إلى نقطة النهاية للتطور الاجتماعي والثقافي والسياسي للإنسان. لم تكن نظرية فرانسيس فوكوياما الوحيدة التي تحدث عنها حول نهاية التاريخ ونهاية الحضارة فقد سبقه الفيلسوف اليوناني أرسطو التي تحدثت نظريته حول نشوء الدول وتطورها ونموها وسقوطها. أما المؤرخ العربي الكبير عبد الرحمن بن خلدون فقد قدَّم نظريته حول العصبية والعمران وهو يعتبر مؤسّس علم الاجتماع وأوّل من وضعه على أسسه الحديثة، وقد توصل إلى نظريّات حول قوانين العمران ونظرية العصبية، وبناء الدولة وأطوار عمارها وسقوطها وانهيارها ،من خلال كتابه العام الذي ألّفه عام 1377 بعنوان المقدمة، وهو مقدمة لمؤلفه الضخم جداً الموسوم كتاب العبر. والاسم الكامل للكتاب هو كتاب (العِبَر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصَرَهم من ذوي السلطان الأكبر(. وقد اعتبرت المقدمة لاحقًا مؤلفًا منفصلًا ذا طابع موسوعي ضخم ،إذ يتناول فيه جميع ميادين المعرفة من الشريعة الإسلامية والتاريخ والجغرافيا والعمران والاقتصاد وعلم الاجتماع والسياسة وعلوم الطب وقد تناول فيه أحوال البشر واختلافات طبائعهم والبيئة وما تتضمنها وأثرها في الإنسان كما تناول بالدراسة العلمية والموضوعية تطور الأمم والشعوب ونشوء الدولة وأسباب ضعفها وانهيارها مُرَكِّزًا في تفسير ذلك على مفهوم العصبية القبلية. بهذا الكتاب الهام جداً سبق عالم الاجتماع العربي الكبير ابن خلدون غيره من المفكرين إلى العديد من الآراء والمفاهيم والأفكار حتى اعتبر مُؤَسِّسًا لعلم الاجتماع وباتت نظريته تدَرَّس في أرقى جامعات العالم . وبذلك كان سابِقًا الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي أوغست كونت. الذي أعطى لعلم الاجتماع الاسم الذي يعرف به الآن، وهو الذي أكد ضرورة بناء النظريات العلمية المبنية على الملاحظة، إلا أن كتاباته كانت على جانب عظيم من التأمل الفلسفي، ويعد هو نفسه الأب الشرعي والمؤسس للفلسفة الوضعية ، وهو يعتبر تلميذا للفيلسوف الفرنسي سان سايمون .
إن تعدّد وجود الإمبراطوريات في التاريخ السياسي للدول على مر العصور، يحمل معنى متضمناً هو أن قيام أي إمبراطورية جديدة مهما كانت متوسطة أو ضخمة، لا يتحقق إلا على أنقاض إمبراطوريات أخرى تحل محلهها كما قال عالم الاجتماع العربي الأول ابن خلدون. والأمر لتكراره، بات قانوناً طبيعياً، تختزله المقولة الشائعة ، (لو دامت لغيرك ما وصلت إليك). إنه بالتأكيد قانون الدورة التاريخية، وتناوب النهوض الحضاري.
في هذا السياق الجدير بالذكر أنّ نظرية المؤرخ والعلامة بن خلدون، تعد حول أسباب نشوء الدول وسقوطها، التي فصّلها في كتابه (المقدمة) الأكثر وضوحاً وشرحاً وشيوعاً، بحيث يعتبره كثير من الفلاسفة والمفكرين والباحثين الغربيين، المؤسس الأول لعلم الاجتماع في العالم .
إذا كان أرسطو قد قدّم بعض المواقف النظرية حول نشوء الإمبراطوريات وتحديداً في كتابه (السياسة). فقد شبّه الإمبراطوريات بالكائن العضوي الذي يمر بمرحلة الطفولة بكل تفاصيلها. فالصبا والشباب والكهولة والشيخوخة، حتى الوصول إلى مرحلة الموت. لكن الفيلسوف اليوناني أرسطو لم ينشئ نظريةً متكاملةً تتناول أسباب صعود وسقوط الإمبراطوريات، مثل ما فعل عالم الاجتماع العربي ابن خلدون في مقدمته الشهيرة.
اعتبر عالم الاجتماع العربي ابن خلدون (العصبية)، الركن الأساسي في نشوء الدول وتطورها ونموها وتوسعها وحيويتها. وحسب نظريته، تمر الدول بمراحل ثلاث ،هي: العصبية والعمران والشيخوخة. إن طول وقصر زمن الإمبراطوريات مهما كانت، مرهون بفترة عصبيتها، فكلما طالت فترة العصبية، كلما طال عمرها وأمدها، وكلّما تشذَّبت عصبيتها ودخلت بقوة العمران والبناء، كلما اقتربت من الشيخوخة والوهن والسقوط.والمعروف إنّ مرحلة العمران والبناء هي الفترة المحدّدة التي تسترخي فيها الإمبراطورية . ويكر فيها البذخ والترف وتسير من خلال الفسادإلى الهاوية. وتتضاعف خلالها كلف الحكم، ويضطر الحاكم إلى زيادة المكوس. وتتوسع بمرحلة العمران والبناء دوائر الحكم ومؤسساته، وتكثر الهدايا والأعطيات،والرشاوى. وتشهد صراع القوى الأمنية والعسكرية، ويبدأ الفساد يستشري وينخز جسد أجهزة الإمبراطورية، وتتآكل حدودها وأسوارها وقلاعها وممتلكاتها. فتبدأ مرحلة الشيخوخة بعد الكهولة فالانهيار والسقوط المدوي.
وهنا نتساءل بعقلانية ،ما الذي يجعل فترة العصبية القبلية طويلة في إمبراطورية ما، وفترة عصبية قصيرة في إمبراطورية أخرى؟ أو بشكلٍ آخر، لماذا يطول عمر بعض الإمبراطوريات في العالم ، ولا يكون كذلك في إمبراطوريات أخرى؟هذا التساؤل يجيب عليه عالم الاجتماع العربي ابن خلدون عندما يذكر أسباب استمرار عهد الإمبراطورية الرومانية لأكثر من خمسمئة عام من ( 27ق.م - 286 م(. وأيضاً الخلافة العربية الإسلامية التي تواصلت حتى سقوط الدولة العباسية، بعد أكثر من 650 عاماً على الهجرة النبوية، فقد استمرت الدولة العباسية من وقت قيامها عام 132هـ حتى سقوطها على يد المغول عام 656هـ، وكانت مصر في تلك الفترة يحكمها المماليك، وكان ضعف الخلفاء في تلك الفترة الذي سببه سيطرة العنصر التركي على مؤسسات الخلافة وإداراتها أحد أسباب نهاية الدولة العباسية وسقوطها عام 656هـ على يد المغول كما أسلفنا، وقد أنهى المغول الوجود العباسيّ في عاصمة الخلافة العباسية بغداد بعد اقتحامها وقتل آخر .
كما يقدم لنا ابن خلدون تفسيراً علمياً لأسباب استمرار الإمبراطورية العثمانية التي وصلت حدودها الوطن العربي وبعض دول أوروبا، قرابة ستمئة عام. وقد اعترف عدة علماء بابن خلدون باعتباره مؤسساً لعلم الاجتماع منهم عالم الاجتماع لودفيغ جومبلوفيتش وروبرت فلين. والمستشرق ألفرد فن كريمر .ومونيه وفرانز أو بنهايمر ، والفيلسوف وعالم الاجتماع الإسباني خورسيه أورتيكا إي جاسيت .بل أن عالما الاجتماع هاري بارنر و هاورد سول في كتابهما (الفكر الاجتماعي من التقاليد إلى العلم (Social Thought from Lore to Science) (قالا بكون علم الاجتماع العربي ابن خلدون أول من طبق الأفكار العلمية الحديثة في علم الاجتماع التاريخي وهذا يحسب له.
لقد أكّد عالم الاجتماع العربي ابن خلدون من وجهة نظره أن الأمم تبدأ تأسيس كياناتها بحالة مواجهة مستمرة دون توقف، وساخنة، وأن ما يمكنها من تأسيس كياناتها الجديدة المستحدثة، هو سقوط وتداعي عدة كيانات أخرى، سابقة عليها، وضعفها ووهنها وعدم قدرتها على الاستمرار، نتيجة لعوامل الترف والاسترخاء التي تأخذ في الظهور مع بداية العمران والبناء. إن قيام الحضارة التي هي غاية العمران وهدفه، إيذان بأفول الدول المتحضرة وانطفاء وهجها ، وتلك هي المرحلة الثانية من تطور الدول عبر مسيرتها الطويلة، وهي كما تقول مقدمة ابن خلدون (غاية لا مزيد وراءها، ذلك لأن الشرف والنعمة إذا حصلا لأهل العمران تتبعهما طاعة الشهوات).وتحيل النظرية التي أنتجها ابن خلدون أسباب السقوط إلى الحقبة الثالثة التي هي الشيخوخة، حيث تبدأ الإمبراطوريات بالتفسخ والإنهيار، بفعل الترف وكثرة الإنفاق والبذخ. إنّ امتداد فترة العصبية لدى الإمبراطوريات يعني قوة وشكيمة كياناتها، وقصر هذه الفترة ومحدوديتها، يعني ضعفها وسقوطها وانهيارها النهائي. وهكذا فالأمر في مجمله محكوم بطول زمن حالة التحفز والمجابهة والتوهج والعطاء التي تصاحب الإمبراطوريات منذ نشأتها الأولى.
لقد توسعت العديد من الإمبراطوريات التي مررنا على ذكرناها كثيراً، لأنها منذ بداياتها، كانت إمبراطوريات غزو وفتح. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وصلت الفتوحات العربية الإسلامية، بوابات الصين شرقاً وحدود سورها العظيم، وإسبانيا غرباً. ولم تتوقف تلك الإمبراطورية إلا بعد رحيل الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك. وبعدها اتجه العهد الأموي نحو مرحلة (العمران) والبناء، وانتهى الأمر بسقوطه المدوي، ووصول العباسيين إلى الحكم، وانتقال مركز الخلافة العربية الإسلامية من دمشق إلى بغداد. واستمر خط الصعود حتى نهاية عهد المأمون ابن هارون الرشيد .
وهذا الوضع ينسحب على السلطنة العثمانية التي احتلت الوطن العربي ما يقارب أربعمائة سنة عجاف ، التي بدأت عصر الغزو منذ نشأتها حتى وفاة السلطان سليمان القانوني، لتبدأ بعدها مرحلة التراجع في قوة السلطنة. لقد كان انشغال السلطنة العثمانية بالحروب من وجهة نظر عدد من المؤرخين والمفكرين، سبب قوتها واستمراريتها هذه السنوات الطويلة .
إنّ هذه القراءة الأنثروبولوجية لا تنفي وجود عوامل تاريخية أخرى لصعود الإمبراطوريات وسقوطها وانهيارها، لا تقل وجاهة ومنطقية، بما يستدعي الحاجة إلى المزيد من المتابعة والقراءة والتمحيص والتدقيق في مسار الدول والإمبراطوريات .
26/01/2022 03:09 pm
.png)






