
من أجل أن يكون العالم متوازناً يتطلّب من الإنسان أن يحصل على كامل حقوقه غير المنقوصة، وحقوق الإنسان تُعرّف على أنّها جميع الحاجات الأساسية والضرورية لجميع البشر دون تمييز،وهي التي لا يمكن العيش بدونها، ولكل شخص في هذه الحياة له الحق في هذه الحقوق دون تمييز ودون النّظر إلى اللغة أو الدين العرق، أو الجنس،أو الجنسية أو أي وضعٍ آخر، وتضُم هذه الحقوق، الحق في الحياة والحرية والكرامة، والتحرُّر من العبودية والظلم والقهر والتعذيب، وحرية الرأي وحرية التعبير، والحق في الصحة وفي التعليم والعمل، وغيرها الكثير.
إنّ تعليم حقوق الانسان ليس لها علاقة بما نعرفه بـــ (الاختبار)، فهو تعليم يركِّز على كيف نواجه الحياة بوعيٍ وعقلانيةٍ ،ونتصرف بمنطقٍ وعدلٍ يتضمن توضيح القيم واستبدال المواقف السلبية بمواقف إيجابية ،وتنمية التضامن، ومهارة الدعوة والعمل، مثل قراءة وتحليل المواقف من خلال حقوق الإنسان، ووضع خطط واستراتجيات مناسبة لمواجهة الظلم والقهر.
وفكرة الحصول على التربية تعود جذورها في وقتٍ مبكِّر إلى الفكر الفلسفي القديم، هذه الفكرة نمت وتطورت في ظل فلسفة الأنوار، وبالأخص على يد الفيلسوف الألماني إيمانوئيل كانط الذي عاش في القرن الثامن عشر، والذي يعتبر أحد أهم أعمدتها، والذي كان آخر الفلاسفة المؤثرين في الثقافة الأوروبية الحديثة. وأحد أهم الفلاسفة الذين كتبوا في نظرية المعرفة الكلاسيكية. كان إيمانويل كانط آخر الفلاسفة الذين بدأوا بالمفكرين البريطانيين أمثال : ديفيد هيوم، وجون لوك، وجورج بيركلي.حيث نبتت في تربتها وازدهرت وترعرعت في كنفها حتى غدت مفهوماً هاماً ومحورياً في الحقوق الإنسانية، بل مأضحت نظومةً كاملةً متكاملة ،ومترابطة على نحوٍ محكم ودقيق لا انفصال في عراها، وإنَّ أي إهمال لأي جزء منها سيؤدي حتماً إلى الإخلال بالأجزاء الأخرى دون أدنى شك.
وفكرة الحق في التربية تقوم على أساس المساحة الواسعة من الحرية كفعل، وهذه الحرية جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية ولا يمكن نفيها، وهدفها تنمية الثقافة والمعرفة داخل كل فرد، بوصفها قدرات وكفايات هائلة وكونية تتأسس على العقل ومضامين العقلانية الذي يجعل منها غايات وأهداف لتقدم البشر وسعادتهم، معيشياً وثقافياً وأخلاقياً وسياسياً.
كما يرتبط الحق في التربية بالحاجة الضرورية للبشرأيضاً، وهكذا يصبح حقاً وواجباً في آن معاً، فثمة علاقة ورابط بين المرجعية الحقوقية والقانونية، وبين المرجعية التربوية والسيكولوجية (النفسية)، بحيث تسمح هذه المنظومة بتكاملها بمقاربة الحق بجوانبه المختلفة في علاقاته المتشعبة بالحاجة والضرورة ،وهذه الأخيرة مرتبطة ارتباطاً معنوياً بالكرامة والأمن والأمان والسلم والرخاء والتنمية.
ومن خلال فهمنا العميق لفكرةالحق في التربية نعتبرهذا الحق جزء من خطاب أشمل يتعلّق بمفهوم التربية وأسسها ومآلاتها بصفتها صناعة بشرية بامتياز، أي فعل للحرية بكل مسوغاتها واستحقاقاتها وصيرورة لاكتمال الكائن البشري، وهذا الحق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعنصرين أساسيين هما: (المرجعية القانونية – الحقوقية)، التي تقوم عليها فكرة المواطنة ،والحريات داخل الدولة، و(المرجعية التربوية النفسية)، أي الحاجة إلى التربية لضرورتها وأهدافها ومراميها وغاياتها ارتباطاً بالمؤسسات التكوينية، وهي الفضاء الواسع الذي يتم فيه التعبير عن الخطط والمناهج والبرامج للعملية التربوية بمختلف جوانبها وتبعياتها .
وهناك عنصر ثالث أساسي ومحوري ولا يمكن تغافله أو إهماله أبداً في مقاربة فكرة الحق في التربية، وهو (المرجعية السياسية) التي تعتبر البوصلة الخاصة بالأمن الاستراتيجي للدولة، والمقصود بذلك الإرادة السياسية للدولة ،وتوجه صاحب القرار وطريقة تنفيذه، ولا سيما في مجال التربية الحديثة التي لا غنى عنها للعملية التربوية .وهي عملية ضرورية وكجزء رئيسي من النظام التعليمي والخطط المركزية للدولة ودورها ووظيفتها، كما يمكننا أن نجد عناصر عديدة أخرى تندرج فيه وتتضمنه، ونعني بها (المرجعية الأخلاقية)، فالأخلاق السامية جزء من التربية والسلوك العام ومسيرة الأفراد والجماعات، وهو يعكس (المرجعية الثقافية والمعرفية)، والثقافة والمعرفة بمعناهما العام نمط حياة الناس أفراداً وجماعات وطريقة عيشهم ،بما في ذلك اجتماعياً وتقنياً وعلمياً وذوقياً.وثمة تحديات أساسية ثلاث تتعلق بالمفهوم العام لحق التربية، وهي: التربية كحق إنساني، والتربية كصيرورة لاكتمال القدرات الثقافية والمعرفية والعلمية، والمهارات البشرية ،والتربية كفن إنساني. وخلال تجسيد حق التربية تكون التربية واجباً أساسياً فهذا يدلّ دلالةً كبرى على احترام الحقوق الإنسانية داخل كل شخص ،والمحافظة على الحقوق الطبيعية والإنسانية للفرد، وفي مقدمتها حق الحياة، وحق الحرية والكرامة الإنسانية، وكل فعل يمس بتلك الأقانيم هو جريمة دولية ضد الإنسانية، ومرفوضة إنسانياً وقانونياً وحتى أخلاقياً، ومن واجب التربية الحفاظ على الحياة الإنسانية بكل تجسيداتها ومعانيها، على جسد الإنسان، وعقله، فالحياة مشروطة بوجوده.
وإذا كانت الحرية بكل معانيها هي شرط الحياة الحرة الكريمة فلا يمكن تعريض هذه الأخيرة للخطر، لأنها بفعلها ذاك تفني ذاتها بذاتها، وهو ما ينبغي أن يسير وفق منهج الحق ـ أي حق التربية ـ ضمن القواعد الأخلاقية الإنسانية السامية بما يتوافق مع وجود الإنسانية، لأنّه لا بد من تقوية القصد والهدف الأخلاقي داخل عقل ووجدان كل شخص.
16/03/2022 01:00 pm
.png)






