( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
في كل مناسبة دينية لليهود تتحول ساحات المسجد الأقصى الى أحداث دامية بين رجال الدين اليهود المتشددين وبدعم من قوات الجيش والشرطة الإسرائيلية , وبين الشعب الفلسطيني الثائر والمرابط في المسجد الأقصى , وكانت آخر هذه الاحداث عزم رجال الدين اليهود "جماعة الهيكل" بتقديم قربان بمناسبة عيد الفصح الخاص بديانتهم , ولا زالت هذه الأحداث قيد التصعيد ولا زالت تداعياتها تثير القلق لدى جميع الأطراف , فمن الممكن أن تتحول الى حرب في دقائق , ورغم أن كل هذه الاحداث ليس بجديدة , وأيضاً تداعياتها ليس بجديدة وليس بغريبه , ولكن الغريب في الأمر أن ساستنا لا زالو في حالة تناقض تام , فهنا ليس التناقض فقط في سلوكهم الذي إنبثق عن الإنقسام , فمثال ذلك أنه في الوقت الذي تدور فيه أحداث الأقصى والجميع يدلي بتصريحات وطنية وثورية , وفي نفس الوقت نجد طرفي الإنقسام يتهمون بعضهم بعض بالخيانه , وربما في نفس الصحيفة الإخبارية أو نفس الفضائية نجد لسان حالنا يقول أننا مناضلين ومرابطين , وفي نفس الوقت كل طرف يقول أن الطرف الآخر خائن وهو الذي ساوم على القدس , ولكن التناقض أيضاً في خطابنا السياسي والذي يحاول أن يتجرد من الدين , ويقزم قضية الأقصى الى مجرد أرض تابعة الى دولة صغيرة تحت مسمى قومية وديمقراطيه ومدنية .
ما يسمى بالنخبة السياسية وأصحاب القرار في فلسطين يقولون إن إسرائيل تريد أن تحول الصراع في الاقصى الى صراع ديني , وفي نفس الوقت يقولون إن المسجد الأقصى هو معلم ديني ووقف إسلامي يخص كل المسلمين حول العالم , إن التناقض واضح في هذا الخطاب , وهذا يدل إما عن جهل أو عن تلاعب مقصود بالألفاظ هدفه تضليل الرأي العام , وفي كلا الحالتين ستبقى القضية الفلسطينية معلقة بين أناس لا يستطيعون تحديد هوية الصراع بيننا وبين اليهود , رغم أن حقيقة وجود اليهود على ارض فلسطين معرفة في كتب التاريخ والتراث الديني , وموجودة في "القرآن الكريم" وبما أن وجود اليهود في فلسطين هو وجود ديني بدعوة أن الأرض المقدسة "فلسطين" هي حق لهم كما هو منصوص عليه في الكتب المقدسه , فهذا يعني أن نرد عليهم كمسلمين وكفلسطينيين بنفس الحجة , وهذه الحجة تتمثل في تصديق روايتهم أولاً لأنها موجودة في القرآن الكريم , وبناء على ذللك نقول لهم , أن حقهم في فلسطين أصبح باطلاً منذ دخول خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الى الأقصى كي يستلم مفاتيحها من المسيحيين آناذاك , عندما كانو اليهود اقله ومنتهية ولاية حكمهم في فلسطين , ومن هنا نجد أن حجتنا كمسلمين قوية ولكن شريطة أن تكون حجة إسلامية وليس مجرد قومية ووطنية .
بالفعل صراعنا مع اليهود صراع ديني , وهذا لا يعني أننا نريده كفلسطينيين ديني , أو هم يريدونه كيهود ديني , ولكنه ديني شأنا أم أبينا , لأن هذا منصوص عليه كما اسلفنا في القرآن الكريم وكتب التراث الإسلامي , ولكن السؤال المهم , لماذا احزابنا السياسية تحاول قدر الإمكان التهرب والإبتعاد عن كل ما يتعلق بكلمة صراع ديني , من وجهة نظري السبب هو أن أحزابنا السياسية وخاصة أصحاب القرار يعلمون جيداً أن كلمة صراع ديني تعني أن نستخدم كفلسطينيين أدوات دينية , فمثلاً إذا إعتبرنا أن بريطانيا إنتزعت فلسطين من العثمانيين , وهذا يعني أن فلسطين ولاية إسلامية تتبع للخلافة العثمانية , وهذا يعني أن تحرير فلسطين يتطلب أن تعود الى صفتها الحقيقية ولاية إسلامية , وهذا يعني شريعة إسلامية وحدود وخلافة إسلامية , وهذا ما لا تريده الاحزاب السياسية الفلسطينية والتي تتمثل ما بين يساري وعلماني وإسلام سياسي , وهم بالأصل في حالة صراع مع التيارات السلفية التي تدعو للخلافه .
تسليم الخطاب الفلسطيني سواء مجتمع مدني أو رسمي أو أحزاب سياسية بأن الصراع بيننا وبين اليهود صراع ديني , وبناء على ذلك يتطلب منا أن نستخدم أدواتنا الدينية , هو يضع الحقيقة كاملة أمام العالم وامامنا كفلسطينيين , وربما يسهل علينا تحرير مقدساتنا , ولكنه سيدخلنا في دائرة صراع داخلي كما حدث في سنوات الإنقسام ولا زال يحدث , لأن أساساتنا النضالية غير سليمه وليس فيها نظرة بعيدة , فكل منا كفلسطينيين في واد , فكيف العلماني واليساري والإسلام السياسي يسلمون بوجهة نظر التيار السلفي مثلاً , وكيف التيار السلفي يسلم بوجهة نظر هولاء مثلاً , وكيف كل هؤلاء يسلمون بوجهة نظر بعضهم البعض مثلاً , فالمطلوب منا كفلسطينيين أن نفهم اولاً , ومن ثم نتوحد مع بعضنا البعض كي نتبني ما فهمناه , ومن ثم نبدأ بمواجهة اليهود بناء على ما فهمناه وتبنينا فهمه بشكل موحد يجمعنا حول فكرة واحدة ويبعدنا عن التناقض في خطابنا السياسي .
اشرف محمود صالح
كاتب وباحث سياسي
فلسطين ... غزة