من العلوم الهامة في حياة الإنسان علم الاجتماع الذي يرصد التجمعات البشرية في العالم ويقرأ ويفسر كيف أنها تخضع لأنظمة اجتماعية متنوعة ومختلفة، تلك النظم والقوانين والتشريعات التي تعمل على ضبط إيقاع المجتمع قد تكون صارمة في بعض البلدان، وهي في هذا السياق تكون سبباً في تطور وتقدم المجتمعات وحماية حريات الأشخاص وحقوقهم، أما إذا لم يكن تنفيذ تلك القوانين على أكمل وجه فإنها تساهم في جهلها وتخلفها وفقرها، وأي نظام في العالم الإنساني محكوم بالقانون والأخلاق، لكنه لا ينقطع عن الفوضى والعنف والتعصب، كذلك الحرية، بمعنى أنَّ الأنظمة تتأرجح بين التناغم والإنسجام وبين التناقض والتنافر، وهما أي الإنسجام والتنافر مشتقان من التطور الفكري والثقافي للإنسان الذي يجمع بين العقلانية والوعي وبين والجنون والتهوّر، والسلام والعنف، والحب والكراهية، والبناء والتعمير والهدم والخراب، والحرية والتعصب، إذ لا يمكننا استبعاد الحرية والوعي في المجتمعات التي تعاني من التخلف، أو استبعاد التعصب والعنف في المجتمعات المتقدمة.
    من هنا نؤكِّد على أنَّ الأنظمة الاجتماعية إما أن تكون مؤسِّساً وسَبباً لتطورها وتقدمها ،أو أن تسهم في جهلها وتخلفها وقضية التنمر هي من أساسات البنى النفسية والاجتماعية التي تساهم في إنعاشها أو في خفوتها فالتنمّر، بوجهٍ خاص، منتشر وشائع في مختلف المجتمعات في العالم، المتقدمة منها والمتأخرة، حتى ليكاد يكون ظاهرة عامّة عند الجميع، كالتعصب والتعصّب الأعمى، وعاهة أخلاقية مستدامة من عاهات التربية والتعليم والتنشئة الاجتماعية السلبية والتلقين الإيديولوجي والجمود العقائدي، إذ كثيراً ما تكون دوافع التنمّر عرقية (إثنية) أو دينية مذهبية طائفية أو عائلية أو عشائرية وقبلية، أو حزبية أيضاً.
علماء النفس المتخصصون يرون أنّ التنمّر هو سلوك عنفي عدائي تجاه الآخر، يمارسه شخص على آخر، أو جماعة على جماعة أخرى، أو جماعة معينة على شخص،هذا السلوك يصدر إمّا عن شعور فائق القوة والجبروت والقدرة على السيطرة، لتوكيد الذات، وإمّا عن عدم تقبل الآخر أو الأخرى وعنوانه الرفض. ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة بوضوح تام عند الأطفال أكثر من الكبار البالغين، وعلى وجه الخصوص لدى التلاميذ والتلميذات في المدارس الابتدائية والاعدادية، وذلك لاستحواذ المتنمّرأو المتنمرة على سلطة مصدرها الشعور بالتفوق على الآخر، أو الأخرى والقدرة على التحكم به والسيطرة عليه. 
وحسب تعريف الطبّ النفسي للتنمّر، ومن خلال العديد من الدراسات المتخصصة نستنتج أنَّ التنمّر حالة مرضية قد تزول بالعلاج النفسي والمتابعة المستمرة، أو الاهتمام الأسري بالمتنمرأو المتنمرة والقصد هنا الطفل أو الطفلة .ومن خلال التعريف السابق أيضاً، نستنتج أنّ للتنمّر له علاقة وطيدة بالتعصب، أي إنّ الاستعلاء والفوقية والاستحواذ على السلطة وإدارة الحكم هي علامات بارزة من علامات التعصب والتصلب بالرأي وعدم تقبّل أفكار وآراء الآخر، وإقصاء الآخر المختلف وتهميشه، سواء كان هذا التعصب لفظياً، أو فعلياً يتم تطبيقه عملياً، والفعل هنا هو العنف والقسوة .كما أنَّ التنمّر لا يقتصر على الأطفال الصغار، إنما يتعداهم إلى الأفراد البالغين والبالغات وإلى الجماعات البشرية، في جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والقومية.
في حقيقة الأمر الحياة السياسية لا تنفصل عن الحياة الاجتماعية، ولا تقتصر السياسة على السلطة وإدارة الحكم، التي تمارسها مؤسسات الدولة وهيئاتها وإداراتها، بل تظهر في النقاشات والأحاديث اليومية بين الأفراد والجماعات بمختلف أطيافهم، والتفاعل في المجتمع، فالانتماءات السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية والقومية، تؤثر في وعي الأفراد وأفكارهم وتحدد توجهاتهم وولاءاتهم وطموحاتهم، لكن، يبقى الكيان السياسي الواحد وطيفه هو الإطار الذي يتحرك فيه المواطنون في نضالهم من أجل الحرية والديمقراطية.
إنَّ جملة هذه الأفكار والمفاهيم تدفعنا إلى البحث في الوعي الاجتماعي بشكلٍ عام والوعي السياسي بشكلٍ خاص .من أجل الوقوف على معنى السياسو زموقع الديمقراطيتها وأهميتها وتأثيرها وقيمتها في الوعي الاجتماعي ، فالفارق بين الوعي العقلاني في المجتمعات المتخلفة والمجتمعات المتطورة ، هو نفسه الفارق بين الفكر اليقيني الحر، والفكر المقيَّد في ظل الطغمة والاستبداد السياسي والتسلط الاجتماعي، والتسلط والهيمنة الدينية، والتسلط الثقافي الذي ينتجه القهر والاستبداد السياسي، والأحزاب السياسية التي تنتهج إيديولوجية وعقائد جامدة . لأنَّ التنمّر لا يصد إلا عن الشعور بفائض جبروت القوة ، وامتلاك القدرة على السيطرة لتوكيد الذات أو عن رفض الآخر وعدم تقبله . من هنا ندرك تماماً كيف أنَّ لكل استبداد تنمّر خاص .أتي من قبل التنمر وكل تطرّف أو تعصّب هو تنمّر ، وكل وصاية على الفرد الحر هي تنمّر أيضاً فوصاية الرجال على النساء واضطهادهن وتعنيفهنّ كلها من قبيل من يمارس التنمّر،كما يعمل الاستبداد والطغيان على تقسيم المواطنين إلى مواطنين وطنيين شرفاء ويتفانون من أجل الوطن، وقسم آخر غير شرفاء على نحو ما يتردد في خطابات الأنظمة الشمولية، والسلطة السياسية القمعية المستبدة التي تتهم من لا يواليها بالخيانة والعمالة، فالإسلامويون يتهمون غيرهم من غير المسلمين بالزندقة والكفر والإلحاد ، والقوميون يتنمّرون على الاشتراكيين، إلخ.. .
من الملاحظ تماماً أنَّ المثقف أو السياسي أو المتشدِّد والمتعصِّب دينياً واجتماعياً يشعر بالخوف والقلق.وهو حالة انتقاص قدرته وسلطته المتجذرة في دواخله وفي عقله، فهو مهتمٌ دائماً بالمحافظة على (الأنا) الذكورية التي لا تتحقق، في نظرهِ، إلا بالسيطرة والهيمنة على المرأة، أو (الأنا) السياسية التي أصبحت هوية السياسيين وكينونتهم وتكوينهم ، أو(الأنا) الدينية والطائفية والمذهبية، إذ يمارس الرجل سلطته وهيمنته على المرأة على نحو ما يستبطن سلطة المستبد الطاغي السياسية أو الدينية، ويتماهى معه، فليس هناك فوارق كبيرة بين المثقف الذي يتهم المرأة الأم بعدم أهليتها لتربية الأطفال ،ةالسبب في ذلك هو استخدامها الهاتف المحمول (الموبايل) على سبيل المثال، أو مشاركاتها على وسائل التواصل الاجتماعي، وبين السلطة السياسية الحاكمة التي تعتبر التعبير عن الرأي والرأي الآخر من خلال تلك الوسائل جريمة إلكترونية تعاقب عليها القوانين والتشريعات الناظمة، ولا فرق بين الهيمنة الذكورية على المرأة أو التنمّر المستمر عليها في كل شيئ ، وبين السلطة الدينية التي تزندق وتكفّر الخارجين عن إرادتها وسطوتها.
 كل ما ذكرناه يشير بشكلٍ مباشر وغير مباشر إلى خطورة الأفكار والمفاهيم والقيم البالية التي عشّشت في رأس الفرد في المجتمعات التي تعاني من التخلف منذ نشأته الأولى، بشكلٍ خاص أصحاب العقائد العمياء والعقائد السوداء ، أو الإيديولوجيات الدينية والسياسية المتحجِّرة ، التي يعتقد الفرد أنها خمدت بفعل ثقافتهِ ومنهجه وانفتاحهِ على الفكر الحديث، إنما سرعان ما تطفو على السطح لدى أول اختبار عفوي وغير مباشر وتنكشف خباياه وأسراره ، فيتضح ما يخفيه وما يبطنه خلف الثقافة المزعومة التي يعبّر عنها خطاب إيديولوجي متكلِّس يتغنى بالديمقراطية والحرية، ويرضي العقل الجمعي الخاضع لعبودية النظُم الاجتماعية التقليدية التي تمارس الاستعباد وتمتطي ظهور الجمهور، وإن صح القول، فإنّ هذا يشير بقوة إلى استبدال الهوية الثقافية بهوية جمعية تعاضدية تعتبر نفسها مسؤولة وقيِّمة على المجتمع بأكمله.
calendar_month20/04/2022 12:08 am