( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
من خلال دراساتنا وأبحاثنا المتخصصة في علم الأنثروبولوجيا وقراءات متنوعة في الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية من تاريخ وأديان وثقافات عالمية ،يمر معنا عدد كبير جداً من المصطلحات والمفاهيم والآراء التي يجري تداولها على مدار الساعة عبر المؤتمرات والندوات السياسية والفكرية والفلسفية والميديا.لكن اللافت في الأمر أنه نادراً ما يتم التطرق لمصطلح البلوتوقراطية. هذه الكلمة مركبة من كلمتين أو مفردتين يونانيتين هما الحكم والمال. ومعناها الدقيق هو حكم المال. الذي بلغ ذروته المتوحشة في المجتمعات الرأسمالية التي صنعت مجالاً اقتصادياً واسعاً وحيوياً لمواعظ فقهاء الاقتصاد والمال.

من بين عشرات المصطلحات التى يجرى تداولها على مدى الساعة عبر الميديا والندوات السياسية نادرا ما يجد مصطلح البلوتوقراطية نصيبه فى هذا السياق، أخذت مداها فى المجتمعات الرأسمالية التى اوجدت مجالا اقتصادياً وحيوياً لأفكار ( نيكولو ميكافيللى) (1469 ـ 1527) م السياسية، مؤلف كتاب (الأمير) الذي يعتبر أخطر كتاب حتى الآن في العالم. وقد عرَّف قاموس أكسفورد الإنكليزي الميكافيلية بأنها توظيف المكر والازدواجية (الخداع) في الكفاءة السياسية أو في السلوك وأصبحت الغايات فى عالم الاقتصاد تبرر الوسائل ( الغاية تبررالوسيلة).كما تم استخدام المصطلح في علم النفس الحديث حيث تمت تسمية واحدة من شخصيات ثالوث الظلام حيث توسم بأسلوب مزدوج الشخصية ومرتبط باعتقادات كلبية (سلبية جداً) وفضيلة (براغماتية) واقعية أو عملية. وخير مثال على ذلك الكتاب الذى ألَّفه عالم الاقتصاد والكاتب والناشط السياسي وعالم البيئة الأمريكي (جون بيركنز) بعنوان : (اعترافات قاتل اقتصادي)، الذي تربع على عرش الكتب الأكثر مبيعاً في العالم وترجم إلى ثلاثين لغة منها اللغة العربية تحت عنوان : (الاغتيال الاقتصادي للأمم) حيث أورد روايات عن قادة وزعماء ووكلاء أطاحوا بكل ما كان يسمى الخطوط الحمر، كما يروي من خلال كتابه الدور الذي لعبه في عمليات الاستعمار الاقتصادي لبلدان العالن الثاث وذلك من خلال رشوة وابتزاز ملوك ورؤساء الدول النامية على قبول أخذ الأموال على شكل قروض من الولايات المتحدة الأمريكية تحت ذريعة تطوير بناتها التحتية وجلب المنفعة والتقدم مقابل منح الشركات والبنوك الأمريكية كافة الامتيازات في جميع المناقصات والعقود. لكن الحقيقة التي لا يمكن السكوت عنها وهي إدخال هذه الدول في مستنقع الديون . 

وكان الاقتصادي والكاتب والصحفي البريطاني (غراهام هانكوك) صاحب كتاب : (سادة الفقر) قد أثار سجالا واسعا حول ما نشره من فضائح ومؤامرات اقتصادية وخداع لا مثيل له في العالم. وكيف تم افشال بعض الدول التي تسعى للتطور والنمو. وانتهى هانكوك إلى عبارة تنتمى هامة كان لها تأثير كبير في النفوس والعقول إلى ما نسميه فى أدبياتنا العربية المضحك المبكى أو (شر البلية ما يضحك) حين قال بصراحةٍ مطلقة: (إنَّ أفضلَ وصفةٍ تقدمها الرأسمالية ذات الأنياب لإنهاء الفقر هي إبادة الفقراء!( 

والبلوتوقراطية أو حكم المال كانت أوروبا قد عرفته منذ زمنٍ بعيد، ومرَّت مرحلةً لم يكن فيها حق الانتخاب مسموحا لغير الاثرياء وأصحاب النفوذ ومتخذي القرارات، وكان للكنيسة الغربية دورٌ مشهودٌ في التصدي لهذا النمط من احتكار السلطة والاستئثار بها وحرمان الآخرين منها، ومن المثير بالفعل أنَّ مصطلح (البلوتوقراطية) أو (حكم المال) بسبب ما يثيره من حساسية مفرطة في الأوساط الرأسمالية خصوصا لدى الشركات المتعددة الجنسية والعابرة للقارات بقي محدوداً في الاستخدام باستثناء سياقات بحثية متخصصة وأكاديمية أو فوق سياسية .

لقد أجرى موقع غوغل الذي يحتوي على أربعة مليارات صفحة ويب بحثاً لرصد مختلف اللغات في العالم لم يعثر سوى 1850 استخداماً لكلمة بلوتوقراطية و16520 مقابل استخداما لكلمة اوليغارشية او حكم الأقلية. و4750 استخداما لكلمة استبداد و47300 استخدام لمفردة الملكية، هذع الأرقام وردت في مجلة حوار العرب في عددها العاشر.فما هى دلالة هذه الارقام وماذا تعني ؟ انها تعنى بالدرجة الاولى إنَّ هناك تجنباً مقصوداً لهذا المصطلح المثير الخاص بالمال وما يتمتع بسرية كبيرة لأن حكم المال (بلوتوقراطية) يملك بالضرورة النسبة العظمى من الميديا العالمية، خصوصا في الولايات المتحدة الامريكية.

وقد يكون المفكروالفيلسوف الألماني ـ الأمريكي (هربرت ماركيوز(Hrbrt Marcus المرتبط بمدرسة فرانكفورت، والمنظر لليسار الراديكالي من أوائل الأمريكيين الذين قرعوا الجرس محذرين من سطوة المال على الحكم، خصوصا فى كتابه الشهير (الإنسان ذو البعد الواحد)، أو عنوان الكتاب المترجم إلى اللغة العربية (الرجل أحادي البعد) فقد توصل الى أنَّ ثقافة الاستهلاك حولت الانسان المعاصر إلى إسفنجة لا مفاعيل لها غير الامتصاص ، بحيث أصبح الانسان معصوراً وليس معاصراً كما جسّد هذه الفكرة في كتابه بعنوان : (الحب والحضارة).وحين نتقصى تجليات حكم البلوتوقراطية وامتداداتها عبر القارات كلها نجد أنها ارتدت الكثير من الأقنعة واختفت وراء اسماء عديدة مضلِّلة وسرعان ما تسرب هذا الفيروس (البلوتوقراطية) إلى العالم الثالث فحدثت مصاهرات سياسية بين المال والسلطة، لكن هذه المصاهرة غالبا ما انتهت إلى طلاق بائن بينونة كبرى، لأنَّ الرأسمال لا يعترف بأية أجندة لا تعود عليه بالربح، وله قائمة أولويات وأساسيات ليست الدولة واستراتيجياتها وأمنها القومي في رأسها. في هذا السياق نجد في أنفسنا نحن العرب (غصة) في دواخلنا لعدم الاقتراب من الحديث عن (البلوتوقراطية) فلو أنَّ مراكز الأبحاث والدراسات العربية تنتبه إلى ما هو حاصل من التباسات وسوء فهم الذي تحدثه العديد من المصطلحات التي يتم تداولها بمعزل عن سياقها ومنهجها ومعانيها الدقيقة ومنها (البلوتوقراطية) والثيوقراطية والاتوقراطية والباترياركية إضافة الى الليبرالية، لأنَّ هناك من تخطف هذه المصطلحات ذات الجذور الاغريقية ابصارهم وصيرتهم ويتعاطون معها كألماس أو كحجارة كريمة، وهذا ما حدث فى منتصف القرن الماضي عندما استخدمت العديد من المصطلحات بغزارة مثل مصطلح البروليتاريا والبرجوازية الصغيرة جزافاً ودون أهداف، وهي بمثابة ترديد عبارات دون التفكّر بمدلولها ومفهومها خصوصا فى بلدان لم يكن فيها بروليتاري واحد بالمعنى الدقيق ، لأنها لم تدخل الى عالم الصناعة إلّا من باب صناعات فولكلورية او صناعات استهلاكية أو خدمية وكان غياب قطعة غيار واحدة يوقف مصنعا عن العمل لتكون الخسائر فادحة جداً!  

من خلال متابعتنا المستمرة للدراسات والأبحاث والميديا بشكلٍ عام وجدنا في وطننا العربي عديد من الناس يتحدثون عن العلمانية أو الليبرالية ويزيدون هذه المصطلحات غموضا في حواراتهم ونقاشاتهم ،بحيث يتصور الناس إن العلمانية هى المرادف للإلحاد والكفر بالأديان، والحقيقة ليست كذلك، والدول العلمانية في العالم يدخل الدين فى صميم ادبياتها ومنهجها وقسم رؤسائها لكنها ترجمت مقولة الدين لله والوطن للجميع وأصبحت شعاراً متداولاً على الصعيد الإعلامي . والديمقراطية ثقافة ومران ووعي وتأهيل وتراكم لتجارب طويلة، بحيث يصل الفرد الى قناعة بأن الآخر شريكه في معظم نواحي الحياة وله حق الاختلاف، ولم يكن ما يسمى تداول السلطة فى المجتمعات الديمقراطية الا حصادا لهذه الثقافة. 

ولو أردنا رسم تضاريس أولية وأفقية واضحة المعالم لأنماط الحكم والسلطة في هذا العالم المترامي الأطراف لوجدنا أنها لا تختلف فقط بل تتنافر وتتناقض، فهناك (الثيوقراطي) الذي يسعى جاهداً الى تديين الدولة بدلاً من تمدينها وجعلها تعيش حياة مدنية بكل المعايير. والباطرياركي الذى يرفض الاعتراف لجمهور المؤمنين بحقهم فى بلوغ سن الرشد والحصول على مكانتهم اللائقة في المجتمع المتدين ، أما البلوتوقراطي فهو المساحة الأكبر والأخطر المسكوت عنها فى عالمنا، على الرغم من أنَّ البلوتوقراطية أو حكم المال تزحف على الديمقراطية من كل الجهات . وعندما صدر كتاب (الشقيقات السبع) وهم شركات البترول الكبرى والعالم الذي صنعته في الولايات المتحدة الامريكيةذات نفوذ سياسي يحركه المال بكل وسائله .