( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
لم يكن ليهمني أن يكون صديقي من أي جماعة أو بلد أو قبيلة في فلسطين، أو حتى من أي بلد عربي، أو غيره، المهم أنه صديقي بحق الصداقة، ما توارثته أبًا عن جد.

فوالدي رحمه الله احتفظ بعلاقات قوية مع أصدقاء ومعارف من كل مناطق فلسطين من حيفا وعكا والخليل والقدس ويافا وصفد وغزة ونابلس وخانيوس والتعامرة والعشائر الأردنية في فلسطين، وغيرها من العشائر والعائلات في المدن والقرى والمضارب.

على نفس المنوال المتوارث كان لي من الأصدقاء العرب، ومثلهم من فلسطين بطولها وعرضها، الا أن للتعامرة نكهة خاصة في فلسطين. فهم أصل العروبة والتجذر والصلابة والحميّة والكرم والوفاء، كما حال كل قبائل العرب الأصيلة.

التعامرة ببساطة ووضوح يمكن الاعتماد عليهم.

ما عايشته في علاقات والدي المميزة مع شيوخهم الأفاضل وعائلاتهم ، وفي علاقاتي، ربما ليست الواسعة كوالدي، ولكنها المحدودة والمتينة وكان أحد عناوينها البارزة رائد أبوجورة.

في الكويت كان اللقاء لعدد كبير من الأصدقاء الأعزاء الذين مازلت احتفظ بعلاقات مع عدد منهم خاصة منذ الفترة الجامعية والحركية، وكان رائد واحدًا من هؤلاء النفر المميز حتى اليوم.

رائد التعمري أو أبوخلدون اسمه الحركي الذي أصبح لاحقًا أبوسليمان ورائد أبوجورة عندما عرفنا اسم عائلته.

امتاز رائد عن القرناء بحراكيته الكبيرة، وجعبته المليئة، ومبادرته وايمانه الذي لايتزعزع بالله وبوطنه وعمله واخلاصه، وقوة انتمائه وحبه الذي ظل ملازمًا له عندما عاد لفلسطين ليدفع ثمن كل ما سبق راضيًا مرضيًا في الانتفاضة الثانية الكبرى في فلسطين استجابة لنداء الشهيد القائد الخالد ياسر عرفات، حين نكص الصهاينة كعادتهم على أعقابهم واغتالوا الاتفاقات ثم دنّسوا المسجد الأقصى.

كأن رائد كان يتحين الفرصة ليثبت للقاصي والداني عمق انتمائه وعظيم قدرته على المبادرة فابتسم، وامتشق سلاحه وجعبته في مواجهة القوات الصهيونية التي دخلت بيت لحم، ولم يترك لأحد أن يتقدمه فقاد كتائب شهداء الأقصى ضد الاحتلال واعادة احتلاله للضفة، فلم يكن الا أسدًا من أسود فلسطين.

صديقه أخي الأسير ياسر لعشرين عامًا في معتقلات الاحتلال حتى الآن، وصديقه الأخر أيضًا شقيقي عمار شهيد جنين كانا قد قبّلا تراب فلسطين وخاض كل من الاثنين فالثلاثة في ذات الزمن معركته بجغرافيا مختلفة من فلسطين ولكلّ كانت نهاية مختلفة لكنهابطولية.

رائد الرجل منتصب القامة، ذو القلب الصافي والضحكة الرائقة والابتسامة الخفيفة كان يتمتع بمهابة لم تقلّل من حجم الحبّ الذي أحاط به، فسيّد القوم خادمهم وكان هذا دأبه ومساره، وما أظن الأشبال (أصبحوا أسودًا) من أولاده الا على درب الليث.

بعد خروجه من المعتقل -إثر اعتقاله جريحًا برصاص الغُزاة- سهرنا حتى الصباح حتى لم أعد أتبين ما تدفق من قوله كالسيل، راجيًا منه ان يتركني أغفو قليلًا أو أنام، وهو على مدار ساعات يسجل للتاريخ نضالات أفحمت منطق الأعداء، وستكون علامات مضيئة في تاريخ فتح وتاريخ فلسطين وظلّت جعبته مليئة.

في اللقاء الأخير في أواخر رمضان للعام ٢٠٢٢م وهو في المستشفى، وما بين اغفاءة وألم وانتباهة قصيرة، قلت له مازحًا أنك تأخرت! وكنت أقصد بتر رجله (حيث أصيب بتسمم بالدم فتم بترها) التي عطّلها الاحتلال قاصدًا متعمّدًا، ولم يفد معها كل علاج السنين الفائتة…

ابتسم. رغم الوجع وهو مستلقٍ على جانبه الأيمن ثم قال لي من جميل القول ما احتفظ به لكنه ما أسعدني ولربما أراد ذلك قبل الرحيل.

حتى في لحظاته الأخيرة لم يتخلّ عن عمق الانتماء وفكرة الوفاء والاخلاص ما أبكاه وأبكاني أمام ابنه محمد، ود.فاطمة ابنة صديقنا المخلص عمر أبوشرار.

في السيارة التي انطلقت من رام الله الى بيت لحم وبلده "هندازا بريضعة" من قرى التعامرة الأصيلة للحاق بصلاة العصر وعلى الشهيد رائد أبوجورة كان شريط الأيام يمر سريعًا، وعلى مدار أكثر من ٣٠ عامًا معه مما يمكن قوله ومما سيدفن معنا، وكله من مفاخر التاريخ ومآثر الشهيد الفدائي البطل.

الطريق الى بيت لحم من المفترض الا يستغرق أكثر من ١٥دقيقة عبر القدس ولكن هذا الطريق وبديله غير متيسر الا للإسرائيليين والمستوطنين الارهابيين وحكومتهم الاستعمارية العنصرية التي تمارس الفصل العنصري في كل قانون ومساحة وزنقة في فلسطين. لذا لابديل عن طريق وادي النار الذي عبرُه تأخذ المسافة ما بين ثلاثة أرباع الساعة الى ما تشاء من الساعات اعتمادًا على وحشية الحواجز الاحتلالية الثابتة والطيارة.

كان من الواضح في الثلاثين من رمضان ١٤٤٣هجرية أن الاحتلال يركز كثافة وجوده فيما بين نابلس وسلفيت شمال الضفة لسبب العملية هناك، لذا اجتزنا حواجز الاحتلال العنصري دون تعويق متوقع، وكأن وجود الحواجز شيء طبيعي! وعوائقها المادية و الزمنية هو الاستثناء!

مع صلاة العصر وصلاة الجنازة على الشهيد البطل (العقيد) رائد ثم جنازته العسكرية المدوية والمهيبة اجتزت -وصديقي عمر المتوكئ على عكازه الذي رافقته بهذه المسافة- سنوات من النضال المشترك مع الحبيب رائد لم يطفئ لظاها بُعد المسافة أو تغير السنين أو بعض من الخصلات البيضاء في رأس رائد -الذي شرّفني بتقبيله قبل الوداع- واكتمال البياض في شعر رأسي الاصلع والقليل.

الشهيد البطل رائد سبقنا حيث المقام المحمود، مع الأنبياء والصديقين والشهداء، وحسُن أولئك رفيقا، ولم يكن لانتظاره الا أن يختم بتحقق اليقين والفوز العظيم باذن الله.

لقد رحل مبتسمًا ما استطاع لذلك سبيلًا، ومازال في جعبته الكثير الا إن كان قد أورثها لمن سيسير على الدرب الطويل.