( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
نتيجة الصراعات المحتدمة والاحتقانات المتولّدة من الضغوط والعقوبات والتهميش في العالم، وازدياد بؤر الصراع المتصاعدة بشكلٍ متسارع، وتفارق وتباين وجهات النظر في كيفية وطريقة إدارة العهد العالمي الجديد ، هناك فرصة تاريخية شبه نادرة لتحويل كل تلك السلبيات إلى حسنات .لكن في حقيقة الأمر تلك الفرصة الافتراضية لا يمكنها أن توجد حلاً أو أن تحل محل المحنة القائمة والتي حفرت عميقاً. إلا بإدارة سياسية واعية يتنباها كبار الساسة والاستراتيجيون الذين يديرون اللعبة ويتحكَّمون بكامل أحجار الشطرنج. تلك العملية تتمدَّد وتتسع وتلقي بظلالها البائسة والكئيبة على عالمنا المعاصر. ونحن في هذا السياق لسنا بصدد استعادة الأسباب العميقة المتجذِّرة التي أدَّت إلى هذا المشهد التراجيدي الذي نعيشه ونعاصره، ولا نرغب الخوض فيما استهلكته الكتب والرؤى والأفكار والنظريات والأقلام قبلنا من مقارباتٍ وتحليلاتٍ هامة ومؤسِّسة كانت قد أشارت بالبنان لتلك الأسباب وأهدافها، باعتبار أنَّ كلَّ ما جرى ويجري بالترافق والتساوق مع نهاية الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية، والسقوط الحر بشكل نهائي للاتحاد السوفييتي، ومعسكر تحالفه الواسع ومعه حلف وارسو، كل ذلك شكّل المقدمة الكبرى لعالم ما بعد الحرب الباردة التي أضفت بويلاتها الاقتصادية والإجتماعية حالةً من البؤس والقسوة على العديد من شعوب العالم ،والتي توهمت فيه الإدارات الأمريكية المتعاقبة من جمهوريين وديمقراطيين عالماً جديداً بمسحة مستقبلية ينتمي للنموذج الأمريكي الأوحد بدون أي ثنائية قطبية بل وينفي ماعداه.
لم تتوقف الولايات المتحدة الأمريكية يوماً عن الدعوة لأن تكون المثل الأعلى في العالم في مجال القوة الاقتصادية والسياسية والمالية والتجارية وأن تكون الأولى على صعيد مؤسسات القوة والأبحا ث العلمية والتعليم والتربية والفنون. فقد تداعت سلسلة طويلة من الأدبيات الأيديولوجية لتأكيد ذلك، ومثال على ذلك الكتاب الشهير الذي ألَّفه الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون بعنوان : (الفرصة السانحة). الصادر عن مؤسسة الهلال عام 1992 ترجمة أحمد صدقي مراد. الذي دعا فيه إلى أن تبدأ الولايات المتحدة الأمريكية بنشر القوة في كافة المجالات التي ذكرناها. 

يومئذ تجاهل الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، أو تناسى عن قصد، أنَّ العالم الكبير ليس مساحةً خاليةً من الرؤى والإرادات، والنظرات العديدة والمتعدِّدة، والأمم المنبثقة من تواريخ وتقاليد مقبلة، ولم يضع في الاعتبار العمق الآسيوي الكبير والهائل بامتداداته الروسية - الصينية ـ الإندونيسية - الماليزية -الهندية - ، وبالقدر نفسه لم يلتفت للفتوة التنموية الخاصة في بعض بلدان الضاحية الجنوبية للولايات المتحدة الأمريكية ،وهي الحديقة الخليفية للولايات المتحدة بخاصة البرازيل والأرجنتين، ولَم يرَ في أوروبا التاريخية الغربية كلها سوى الامتداد الطبيعي للنموذج الأمريكي.
بعد مقاربة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون قدّم المفكر الياباني الأصل ،أمريكي الجنسية فرانسيس فوكوياما رؤيته الأمريكية حول (نهاية التاريخ والإنسان الأخير)، ساعياً لإعادة نظريات الأحلام الألفية الفاضلة، ضمن القالب الذي رسمه الفيلسوف الألماني (فريدرش هيجل) وهو قالب ميتافيزيقي، لكنه سرعان ما تراجع عن نظريته تلك، مرتداً إلى الوراء معتداً بحكمة المثقف النوعي الذي يقبل بالتحوَّل،من مذهب فكري إلى مذهب آخر، ولا يقيم في يقينه الخاص إن وجد سبباً لذلك التراجع. 
ثم بادر عالم التاريخ والسياسة والإنثربولوجيا الأمريكي (صموئيل فيليبس هنتغتون) بتقديم مقالته التي يؤكد فيها على وجود صراع للحضارات والأديان ،وهو توطئة و تمهيد لنظرية الفوضى الخلاقة اليمينية التي أعلنت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزارايس عام 2006 وهي تحمل ذات النفس الأيديولوجي الديني المسيحاني، فنال حظاً وافراً عند عتاة التغيير للعالم بنظرية الصدمة، وسيناريوهات الرعب والخوف والدمار الشامل وشبه الشامل والذي تبنته تيار المحافظين الجدد المتطهرون من البروتستانت، فكانت أحداث الحادي عشر من أيلول عتبة الانطلاق الجديدة نحو استعادة القوة السياسية واستتباعاتها المؤلمة على الولايات المتحدة الأمريكية والعالم. 
وفي هذه اللحظة التاريخية من عام البؤس والتعاسة والشقاء الماثل يمكننا إدراك فدح ما آلت إليه الأمور، بقدر إدراك أن هنالك حقاً فرصة جديدة سانحة ممكن أن تتحقق ، تلك الفرصة مغايرة لتلك التي افترضها الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في كتابه بعنوان : (الفرصة السانحة). فالفرصة الراهنة تحمل عناوين اجتماعية وإنسانية شاملة، معتقدين أنَّ هذا المثال ينطبق نوعاً ما على الفكرة وهي أن يصار إلى عهد عالمي جديد أو نظام عالمي جديد ينطلق من مفهوم الشراكة العالمية المقرونة بتعددية النظرات والخبرات والتجارب التي تحققت في ملعب قيادات الدول، وأن يتم النظر في القوانين والتشريعات الناظمة للمؤسسات الدولية، وفي مقدمتها هيئة الأمم المتحدة التي انبثقت من رحم الحربين العالميتين المدمرتين اللتين أفرزتا مفهوم الشراكة العالمية من خلال المنتصرين والمهزومين، وهذا المفهوم وتلك الرؤى لم يعد لهما مكان في عالم اليوم الذي يقضي بأن يكون الجميع منتصرين، أو مهزومين، ولعل ما نتابعه في المشهد الكوري الشمالي من تصعيد مستمر خير مثال على ما نذهب إليه، كما أنَّ تنقل الحروب المحلية والإقليمية تنذر بتمددات حارقة ومدمِّرة، وستنجب تجَّار وأمراء حربها الكونيين الذين سيتكفلون بتدمير القيم الأخلاقية التوازنية والقيم السياسية المتوازنة التي يرتضيها العالم السوي، ويسعى القَتَلَة والمجرمون إلى تدميرها تدميراً شاملاً بقوة دفع الشر المستطير. 

إنَّ من أهم أسس تحقيق نظام النقد والتجارة العالميين هو حرية الحركة .وهو من عناوين المنطق العقلاني في التحوّل نحو عالم جديد ومتجدِّد يؤمن بأن البقاء والازدهار يشمل أيضاً النظام المالي والتجاري الدوليين، والتدفق الانسيابي الحر للقيم المادية والروحية دونما أيّة عوائق أو حواجز إجرائية تكرِّس للكبار ميزات كبيرة تتصف بأنها مطلقة، وتحرم الدول الصغيرة والنامية حتى من الميزات النسبية،وهذا ما رفضه العديد من قادة الدول وعلى رأسهم رئيس الوزراء الماليزيالأسبق الراحل مهاتير محمد حين تحدّث بقلقٍ بالغ حول تهافت مقولات الليبرالية الغربية، لكونها تعمل بكل ما تملك من جهود لتكريس أفضلية الدول الكبيرة في شمال الكرة الأرضية وحرمان الدول الصغيرة من ميزاتها وأفضلياتها في دول جنوب الكرة الأرضية .
تلك الحالة القاهرة والصعبة تدفع شباب دول الجنوب الغنية بطاقاتها ومواردها الهائلة والفقيرة إلى الهجرة إلى دول الشمال بسبب الإجراءات والآليات الظالمة التي تسببها الدول الكبرى التي تتحالف دوماً مع الطغم الحاكمة والمسيطرة مالياً وعسكرياً وتتصف بأنها سلطات طفيلية في جنوب كرتنا الأرضية من جهة. وحماة الإقتصاد الدولي الظالم وسدنته في الدول الليبرالية البرلمانية الحاضة لتلك النظم وحرَّاسها من جهةٍ أخرى .  

 تلك الإجراءات وتلك التدابير وغيرها الكثير تنظوي على إقرار ضمني بالقوانين والتشريعات الناظمة عالمياً وهي قوانين موضوعية ومشمولة بالعولمة العابرة للقارات والجنسيات والبحار والمحيطات. وتعمل على السيطرة المطلقة على كامل الجغرافية السيادية للعالم المعاصر. والحل الحقيقي من كل تلك المآزق هو التخلي بشكل نهائي عن الحرب الباردة وما ور ثتها من صعوبات وقساوة. ووقف كل أشكال الهيمنة والغطرسة التي تقود إلى حروب مدمرة تشمل العالم بدون استثناء .