نتيجة التبدلات الدولية وسخونة الحراك الدولي نجد أنفسنا نحن العرب بمعزل عن تلك التفاعلات 
فهل سنبقى على هامش الدول والشعوب. هل سأل أحدنا ما هو مصير شعبنا العربي وأمتنا العربية أو دولنا العربية من مستقبل التغيرات الدولية؟  
لقد تحركت القوافل متثاقلة على الدرب الموصل إلى القمة. تحركت تحمل أثقالاً كبيرة لم تعهد مثيلاً لها في الذاكرة العربية قافلة أخرى عربية، أو قافلة شرق أوسطية. قرأناها حصراً مبكراً لأثقالها لنتفاجأ بخلوّها من بند المصير أو أين سنكون في وقتٍ لا توجد فيه أمةً من الأمم أو دولةٌ من الدول على وجه الأرض غير منشغلة بقضية المصير. وهي قضية وجود أو لا وجود. 

سكان وقادة وحكام جزر المالديف في المحيط الهندي منشغلون في البحث عن مصيرهم ومستقبلهم .وسكان وقادة وحكام جزر سولومون في المحيط الهادي منشغلون بها أيضاً، وسكان وقادة أمريكا الجنوبية كذلك منشغلون بالبحث عن مصير بلادهم وشعوبهم . وسكان وقادة دول في حجم أو نفوذ القوى الكبيرة، مثل جمهورية الصين الشعبية، وجمهورية روسيا الاتحادية، والولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، بل إن كيانين كبيرين بحجم القارات، وهما أوروبا وأستراليا، لا يخفيان قلق شعوبهما وقادتهما على مصيريهما.
يبدو أنّ حدة الانشغال بالمصير تختلف باختلاف متغيرات متسارعة كلها خطيرة ومعقدة. مثل أزمة الطاقة وتداعياتها واستطالاتها واستحقاقاتها 
وحالة الاحتباس الحراري وتداعياته الخطيرة على البشرية، والنقص الحاد في معروض الحبوب وتحديداً القمح ،والحاصلات الزراعية والأسمدة، ووجود أشباح أزمة مالية عالمية جديدة وتداعياتها الهائلة ، والشعبوية السياسية، والقوى اليمينية الصاعدة وتداعياتها، إضافةً إلى تدهور أحوال مؤسسات العمل الأممي وعجزها المتفاقم عن الوفاء بتعهداتها، وعجزها عن القيام بواجباتها في الشأن الاجتماعي كما في شؤون الأمن وحفظ السلم والأمن الدوليين، غير متناسين حالة التقدم غير المحسوب وغير المنتظم في قطاعات التكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي وتطبيقات هذا التقدم الهائل في صناعة الحرب وتغير معالم وسياسات الدول، إضافةً إلى تقلبات المياه بين الطفرة المدمّرة والشحّ المخرّب الذي يترك آثاره السلبية طويلاً، وأخيراً، وليس آخراً، الصراع الرهيب المحتدم على مستوى قمة العالم وقيادته بين رغبات ومصالح قوى كبرى مستفيدة من استمرار الوضع القائم، أي وضع القطبية الأحادية ممثلة في هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، وبين رغبات ومصالح قوى تدعو وتعمل للتغيير نحو وضع جديد وصيغة جديدة ، نحو تعددية سياسية واقتصادية على قمة النظام الدولي.

كل ما سبق يدعونا للتساؤل عن المطلوب منا نحن العرب أن نفعل، ولماذا نحن بالذات ؟ نتساءل لا لنهرب من المشاركة، بل لنشارك بفاعلية قبل أن يتحرك قطار المصير فتلحق به شعوب ودول وأمم وتتخلف أخرى. ولا نبالغ حين نقر بأن أمتنا العربية تأخرت كثيراً ومراراً عن الركب الحضاري في القرون الأخيرة عن اللحاق بركب صنّاع المصير وبناء المستقبل. هؤلاء لم يصلوا إلا بعد أن قدّموا تضحيات كبيرة مشهوداً لهم بها ، ولكنهم في النهاية وصلوا.
جميع القادة في أمتنا العربية عجزوا عن تحطيم أغلال التخلف ورفض التبعية، أو فضلوا لمصالح ضيقة جداً عدم المساس بها، فتمدد عمره قرناً وراء قرن حتى أصبحنا عالماً مرمّداً .
 إنّ أحد أعمدة النظام العالمي القائم في عالم اليوم، وهو الولايات المتحدة الأمريكية بخاصة، وأوروبا الغربية والغرب بعامة، انتبه منذ وقت مبكر إلى أن الفسحة الزمنية التي حصل عليها بخداع ومراوغة ناعمين أو بمساومات شرسة في الكثير من الأحيان مستخدما العصا والجزرة أحياناً أخرى، وبوحشية لا مثيل لها في أحيان أكثر، هذه الفسحة اقتربت جداً من نهايتها. لا فضل يذكر للغرب على نهضة آسيوية أو إفريقية في أي عصر من العصور. فكل المعطيات والشهادات تؤكد إنه حتى عقود متقدمة في التاريخ الاقتصادي كان نصيب الصين والهند من الناتج العالمي الأوفر والأعظم. كما تؤكد المعطيات والمؤشرات أيضاً إن الاستعمار الأوروبي في الشرق انطلق ليستفيد الاقتصاد الأوروبي من ثمار اقتصادات نشيطة جداً والتجارة معها، على عكس أهدافه في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية حين انطلق لأسباب أخرى، أهمها إبادة السكان الأصليين للاستفادة من ثروات خام، ومساحات شاسعة للهجرة، وفرص لتعظيم الكبرياء والحصول على نصيب كبير في طرق الملاحة البحرية.

لقد قال نابليون بونابارت
يوماً ما إن نهض الصين كعملاق فستتبعه تحولات كبرى في سائر الأنحاء في العالم ، فإن صح ذلك القول فإنه يعني أن زعماء في الغرب الأمريكي _ الأوروبي لم يكتفوا بالنظر إلى جمهورية الصين الشعبية والتعامل معها على أساس تجاري فحسب، بل إنهم راحوا يفكرون بعمق في مستقبل يشاركهم في صنعه هذا العملاق الآسيوي، أو غيره. ومن حظنا نحن العرب ، أو لعجز بعض حكامنا العرب والأجانب معاً ، وقعنا كأمة عربية في شباك وتحت هيمنة واستعمار إمبراطورية عثمانية مريضة أرجعت أمتنا العربية للوراء أربعمائة عام. عرف الأوروبيون كيف يسيطرون على مقاليد أمورها وجموحها.
 والآن فقط عرفنا متى وكيف استفادوا منها عندما حل زمن مصير جديد للعالم خلال الحرب العالمية الثانية. وكيف تم بناء قيادة جديدة للعالم ضمن قطبين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية .وكان قطب الاتحاد السوفييتي قد أفل نجمه. ونقف هذا الزمن لنعيش الآن آخر مراحل نجم القطب الواحد. نحن شهود على الغرب، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو يستجمع كل قواه الممكنة فنراه يحشد قواته العسكرية المنتشرة في قواعد أشادها في جميع أنحاء العالم، يضاعف من إحكام قبضته الحديدية على كل أعضاء أحلافه وضم الجديد منهم إلى القائم منها، يجرّب مشاريع وخططاً سبق أن جرّبها في سنوات سيطرته ليحافظ على إمبراطوريته الغربية، مثل الدخول في سباقات تسلح باهظة الكلفة من أجل ردع طموحات المنافسين في العالم ، أو إخراجهم نهائياً من المنافسة، مثلما فعل مع الاتحاد السوفييتي السابق، أواخر القرن العشرين الماضي.

في هذا السياق لا يفوتنا أن نؤكد مرة أخرى أن النظام العالمي القائم عمل بالفعل لسنوات طويلة كنظام أحادي القطبية، وهي السنوات التي شهدت غزو الولايات المتحدة الأمريكية واحتلالها لكل من أفغانستان والعراق، وتطاولها على عدد كبير من شعوب ودول في العالم ، ومنها شركاؤها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ، مثل بعض دول أوروبا. شهدنا أيضاً، ونشهد التصعيد الكبير في الخلافات مع الصين الشعبية وروسيا الاتحادية ، وفي الإساءة لفرص الشعب الفلسطيني في العيش بحرية وكرامة وفي تقرير مصيره.

ليس وحده الشعب العربي الفلسطيني الذي حرمه النظام الدولي الراهن من حق تقرير مصيره وهو النظام القائم على قواعد جرى تفصيلها بالدقة الممكنة لمصلحة الدولة المسيطرة. كلنا، بشكل أو بآخر، يجري حرماننا من ممارسة الحق في صنع مصيرنا ومستقبلنا في ظل نظام جديد يستعد لمنع، أو دعم قيامه دول عظمى، وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا الاتحادية، وكل ما نرجوه أن تشترك في الاستعداد له أمم عدة، منها أمتنا العربية. 
فهل وضعنا نحن العرب الخطط والمشاريع المناسبة لمصيرنا القادم ؟
calendar_month22/09/2022 05:24 pm