
للحقيقة عدة مجالات تتم مناقشة مفهومها ومدلولها ،منها الفلسفة واللاهوت والفن والعلوم. ومعظم الأنشطة البشرية التي تعتمد على المفهوم، حيث تُفترَض طبيعتها كمفهوم بدلًا من أن تكون موضوعاً للحوار والنقاش، وهذا يشمل عدد كبير من المجالات في العلوم والصحافة والآداب والقانون والحياة اليومية للناس. حيث يرى بعض الفلاسفة مفهوم الحقيقة على أنه أساسي وبسيط وغير قابل للشرح والتفسير بأي شكلٍ يُسهّل فهمه أكثر من مدلول ومفهوم الحقيقة نفسه.
الحقيقة في اللغة تعني ما أُقر في الاستعمال الفعّال على أصل وضعه، والمجاز ما كان بضد ذلك تماماً ، وحقيقة الشيء كنهه وخالصه ومحضه، وحقيقة الأمر يقين شأنه، أي (ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه). وهي أيضاً أي الحقيقة هي الحرمة أو الغناء أو ما يلزم حفظه والاعتماد عليه ومنعه.
كما ينظر البعض إلى الحقيقة على أنها تناسب بين واقع وافتراض مستقل، في ما يطلق عليها أحيانا نظرية التوافق للحقيقة.
وتنطوي الحقيقة في المجال الفلسفي على معانٍ عدة :منها مطابقةالحكم للواقع أو التصور، أي تطابق الفكر مع الأشياء والمكونات، أو تطابق المعرفة وتفرعاتها مع موضوع المعرفة (كَنْت). وقد تطلق الحقيقة على الشيء القطعي الثابت واليقيني، كالقول: (هذه الوثيقة مطابقة للحقيقة)، أو (الحقيقة التاريخية).
كما أن الحقيقة هي مطابقة الشيء لصورة نوعه، أو لمثاله الذي تم التوافق عليه وأريد له، فالحقيقة بهذا المدلول هي ما يصير إليه حق الشيء ووجوبه والوثوق به،أي أنّ هذه الصورة مطابقة للحقيقة كما نراها، بمعنى أنها بلغت الغاية في التعبير الكامل عن الشيء.إضافةً إلى أنّ الحقيقة هي مطابقة الحكم للمبادئ العقلية والمنطقية، أي الحقائق الأولية.
في غالب الأحوال يُقال إنّ الحقيقة نسبية وليست مطلقة. إنه قول صحيح إذا ما تم اعتماده كقاعدة في التعامل بين بني البشر، كي لا يحتكر أحدهم الحقيقة لوحده، ويرى فيما يعتقده أو يؤمن به هو أو يراه حقيقة مطلقة وليست حقيقة نسبية، وأن ما سواها باطلٌ ومرفوض، لأنّ أمراً كهذا سيأخذه إلى القول: أنا وحدي على حق، وما يراه الآخرون ضلال وباطل .
من حق أي إنسان أو جماعة الاقتناع بفكرةٍ ما وتبني أية قناعة أو وجهة نظر يؤمنون بها أو يثقون بصحتها، ومن حقهم الدفاع عنها، والعمل على تحقيقها، والسعي ما أمكن إلى إثبات صحتها وجدواها، بل ومجادلة الآخرين ومناقشتهم فيما يرونه من آراء، لتبيان أن مواقفهم خاطئة وغير صحيحة، ولكن كل هذا يجب أن ينطلق من منظومة قيم ونواميس تراعي الثوابت الأخلاقية السامية التي ترى أن في احترام (الآخر) المختلف احتراماً للذات (الأنا) .فإذا تم تعميم هذا الرأي فإنه ينطوي، بالمقابل، على أوجه غير صحيحة وفيها من الخطورة الكثير . ولا يصح أن نعتبر الظلم والجور والقهر والعدوان ونهب الحقوق وانتهاك الكرامة الإنسانية مجرّد وجهة نظر، يترتب عليها تجريم من يناضلون ويكافحون ضد كل هذه الآثام والشرور، كما أنه لا يصح مساواة الظالم والمجرم بالمظلوم والبريء، والمعتدي بالمعتدى عليه، والفاسد بالشريف النزيه، وكل ما يتصل بهذه الثنائيات التي لا تحتمل النسبية واستطالاتها، كونها مسلّمات غير قابلة للنقاش والمجادلة تراعيها المجتمعات والدول وفي أحيان كثيرة الأفراد ، وتحرص على التركيز عليها وتثبيتها في ما تضعه من دساتير وقوانين وتشريعات
، لتنظيم حياة الناس، والانتقال بها من شريعة الغاب إلى التمدن والتحضّر والإنسانية.
والحقيقة أنواع عدة منها الحقيقة الصورية وهي اتفاق العقل مع نفسه بلا اختلاف أو تناقض، وهي موضوع المنطق الصوري.
والحقيقة المادية التي تعبّر عن اتفاق العقل مع الشيء الواقعي نفسياً كان أو مادياً، كالحقيقة الفيزيائية والحقيقة النفسية، وهي ما تتفاعل معه العلوم التجريبية.والحقيقة الواقعية وهي الوجود عينياً كان أو ذهنياً .إضافةً إلى الحقيقة الأبدية أو السرمدية وهي مرادفة للحقيقة المطلقة.التي تعني المعرفة الشاملة والكاملة بالواقع التي لا يمكن دحضها مستقبلاً. والحقيقة النسبية التي تعني الحقيقة العلمية.والحقيقة الموضوعية وهي المعرفة الإنسانية الذي لا يتوقف محتواها على إرادة الذات (الأنا) ورغبتها، بل تتحدد الحقيقة بمضمون الشيء المنعكس ليحدد موضوعيتها.والحقيقة الدينية وهي الحقيقة الإيمانية البرهانية (وجود الله - الخلق).
اعتماد نسبية الحقيقة كأساس وكقاعدة ضابطة وناظمة لعلاقات الناس بين بعضهم البعض، لا ينفي أن الحقيقة نفسها، كقيمة مطلقة معترفٌ بها، متواجدة في مكانٍ ما في هذا العالم الواسع. الإشكالية أو الاعتراض ليست في وجود الحقيقة أو عدم وجودها، وإنما في الادعاء بامتلاكها بشكل كامل وكلّي من أفرادٍ وجماعاتٍ وحتى دول وممالك وإمبراطوريات، فالجزم بأمر مثل هذا ليس عصياً أو صعباً فقط، وإنما قد يكون مستحيلاً.حين ننتقل من الواقع الحاضر الذي نعيش إلى التاريخ بما فيه من ثراء وتجارب إنسانية هائلة، سنجد أنّ الأمر في هذا الأخير لا يقل صعوبة، وإنما قد يزيد على ذلك كثيراً.
المؤرخ الأمريكي لويس ر. غوتشالك مؤلف كتاب (كيف نفهم التاريخ؟)، وقف في أحد مواضع الكتاب عند (تباين المصادر والمراجع) واختلافها وتناقض المعلومات المدوّنة فيها، حين يعثر المؤرخ على نصيّن أو أكثر من عدّة نصوص للوثيقة نفسها، فما بالنا إذا تعدّدت الوثائق والنصوص التي تتناول الحادثة نفسها بسرديات مختلفة ومتناقضة؟
في التاريخ الحديث والمعاصر، يقول المؤلف
لويس ر. غوتشالك ،هناك آلاف السجلات والكتب والمراجع والمصادر والمكتبات وأكوام من الملفات والأوراق والأقبية وملفات المحاكم والقضاة والعلماء والأطباء وعلماء الطب النفسي والمتاجر والجيوش والهيئات، وما إليها، وما أكثر ما تقع يد المؤلف أو المؤرخ على نسخة مخطوطة أو مدونة أو مكتوبة على آلة كاتبة، تعنى بموقف ما أو واقعة ما، يعتقد أنها أصلية، قبل أن يكتشف أنها نسخة محرّفة وغير أصلية وما تتضمنه مغاير للحقيقة، تلك المخطوطة أعادت كتابة الواقعة من جديد وبطريقة مختلفة.
13/10/2022 02:55 pm
.png)






